افلام شفارزنيغر ورامبو وما اليها من افلام الآكشن والاثارة الحسية,
سيعرف كوروساوا من يعرف السينما المميزة بوصفها جزءا هاما من اجزاء الثقافة المعاصرة، فالمخرج الياباني الذي توفي مؤخرا عن عمر يقارب الثمانين عاما هو احد
اساطير تلك السينما لا في اليابان وحدها، وانما في الغرب الذي اخترع هذا الفن وما زال يهيمن عليه, ولكي لا يُظن بأنني خبير في افلام كوروساوا او السينما
الجادة اجمالا سأسارع الى القول بأنني شاهدت له فيلمين او ثلاثة، وان تقديري له يأتي من تلك الافلام القليلة ومن بعض ما قرأت عنه, ولعل اخر ما قرأت رثاء
مجلة نيوزويك الامريكية له بعنوان عريض يصف المخرج الياباني بأنه تولستوي بكاميرا وبصفات داخل المقال تتراوح بين وصف المخرج الامريكي الشهير سبيلبرج
بانه شكسبير عصرنا في التصوير وترشيح ذلك المخرج ومخرج امريكي اخر شهير له، هو كوبولا، لنيل جائزة نوبل في السينما لو كانت هناك جائزة من هذا النوع),،
على مدى خمسة وخمسين عاما من النشاط ترك كوروساوا أكيرا ثلاثين فيلما حقق بعضها شهرة واسعة مثل راشومون (1950) الذي نال جائزة مهرجان فنيسيا السينمائي
الكبرى لعام 1951 مطلقا شهرته في الغرب ومن ثم في العالم والفيلم نوع من التأمل الفلسفي في نسبية الرؤية الانسانية كما تتضح في الكيفية التي يروي بها عدة
اشخاص حادثة اغتصاب وقتل , غير ان من النقاد من يرى ان ذلك الفيلم ليس افضل ما اخرجه كوروساوا، وان فيلم اكيرو (ان تعيش) (1952) هو الافضل ففي ذلك الفيلم
نتابع الحياة المأساوية لموظف حكومي صغير لم يتجاوز الخامسة والعشرين وقد ماتت زوجته ثم، فوق ذلك كله، يعلم انه مريض مرضا قاتلا, وفي مشهد يقول كاتب مقالة
النيوزويك انه من اروع ما في تاريخ السينما يتحدث ذلك الموظف الى فتاة صغيرة تبدي عطفها نحوه سائلا اياها كيف يمكنه ان يعيش، فتجيبه وقد شعرت بالخوف من
مأساته: انني فقط آكل واعمل، انني اصنع لعب اطفال كهذه ثم تخرج له أرنبا يحرك بمفتاح صغير ويعلق كاتب المقال: ان الصدق العاطفي الذي يبديه الممثلان يبعد
اي شبح للأسى المبالغ به ويرسم جوهر التمثيل السينمائي ,
من بين الافلام الاخرى التي تركها، والتي نجد تعليقا عليها في مقالة كاملة خصصتها الموسوعة البريطانية (انسيكلوبيديا بريتانيكا) في طبعات مبكرة للمخرج
الشهير، هناك الافلام التالية: شينين نو ساموراي (او الساموراي السبعة؛ ودانزوكو (الاعماق السفلى؛ 1957)؛ وواروي ياتسو هودو يوكو نيمورو (بئر النوم
المزعج؛ 1960)؛ تيجو كوتو جيغوكو (العالي والواطي؛ 1963)؛ داديو كادن (1970)؛ كاغيموشا (1980)؛ و ران (1985),،
الفيلم الاخير هو الصيغة اليابانية من حكاية الملك لير التي صورها شكسبير في مسرحيته الشهيرة فقد وجد المخرج الياباني في تراثه قصة تشبه قصة ذلك الملك
الذي يدفع ثمن تخليه عن الملك لبناته الثلاث، واراد ان يعارض الكاتب الانجليزي على طريقة تشبه طريقة الشعراء العرب في المعارضة، والفيلم من روائع
كوروساوا التي تنضم الى قائمة من الافلام التي اعاد فيها توظيف قصص شكسبيرية، او تشبه ما لدى شكسبير، وغيره من الكتاب الغربيين، مثل الروسي دوستويفسكي,
فقد عارض شكسبير مرة اخرى في فيلم عرش الدم (الذي يحاكي مسرحية ماكبث ) وفي فيلم آخر عارض قصة الاحمق لدوستويفسكي تقول مقالة الموسوعة البريطانية في
اشارة الى اهتمام كوروساوا بالثقافة الغربية ان افلامه تمثل مزيجا فريدا بين عناصر من الفن الياباني,, مع احساس غربي واضح تجاه الحدث والدراما والاستعمال
المتكرر للمصادر الغربية، سواء كانت كلاسيكيات ادبية ام قصص اثارة شعبية ,
هذه السمة قد تفسر شعبية كوروساوا في الغرب، بين المخرجين والنقاد والمثقفين الغربيين عموما, وكنت اود لو توفرت لنا مصادر يابانية نعرف منها عن شعبية
كوروساوا في اليابان , لكن حقائق العولمة - اي هيمنة الثقافة الغربية - تجعل مصادر المعرفة ليس عن اليابان وحدها وانما احيانا عن انفسنا ليس سوى الغرب ،
سواء تمثلت تلك المصادر في النيوزويك او الموسوعة البريطانية أو غيرهما,
مالدي من مراجع قليلة عن اليابان يؤكد ان كوروساوا من المعالم الثقافية المشار اليها باستمرار في اليابان، لكن ما مدى رضا المثقفين واهل الاختصاص
السينمائي في اليابان عن العنصر الغربي في اعماله؟
الطريف ان كوروساوا حتى في بدايته كان تحت تأثير الثقافة الغربية، فقد سعى الى ان يكون رساما تحت تأثير بعض الرسامين الغربيين الكبار، مثل سيزان وفان جوخ,
ولكنه سرعان ما اكتشف بانه لا يملك اسلوبا متميزا فاتجه الى الاخراج السينمائي تحت تشجيع اخيه الذي كان يعمل في ذلك الحقل راويا لاحداث الافلام الصامتة في
دور السينما وذلك في الثلاثينيات, وحين جاء الصوت الى الافلام وجد ذلك الاخ نفسه بلا عمل فكان ان انتحر وهو في السابعة والعشرين من عمره (وليس من الواضح
ان كان ذلك بسبب فقدانه عمله) ، ابتدأ كوروساوا عمله كمساعد مخرج ، وفي عامه الثاني والثلاثين اخرج فيلمه الاول سوجاتا سانشيرو حول خبير جودو كثير
المشاكل, وكانت ردة فعل لجنة الرقابة آنذاك ان الفيلم كان بريطانيا امريكيا اكثر من اللازم، غير ان مخرجا يابانيا مهما آنذاك، هو ياسوجيرو أوزو، اصر على
تمرير الفيلم,
هذه الخاصية الغربية المبكرة والتي اسفرت كما رأينا عن روائع كثيرة هي التي تفسر تحول كوروساوا الى واحد من اكثر المخرجين تأثيرا في الغرب, فقد تأثر في
البدء ثم اصبح مؤثرا فيما بعد, ذلك ان عددا من افلامه قد اعيدت صياغتها كأفلام امريكية، ليصير الساموراي السبعة الرائعون السبعة ، وليصير فيلم يوجيمبو
فيلم ويسترن امريكي شهير هو من اجل حفنة من الدولارات الذي مثله كلينت ايستوود، وهكذا, لكن هل اعجب الغرب بما هو ياباني في افلام كوروساوا ام بما هو
غربي فيها؟ ذلك سؤال يحتاج الى مزيد من التعرف على افلام ذلك المخرج الكبير,