الأوابد والتراسل:قلعة بعلبك لمطران
د,نذير العظمة
تتألف قصيدة قلعة بعلبك تذكار حبي لخليل مطران من مقدمة مطولة تعد ثلاثة وعشرين بيتاً من بحر الخفيف مطلعها:
مر فجر الحياة بالادبار
فإذا مر فهي في الآثار
والصبا كالكرى نعيم ولكن
ينقضي والفتى به غير دارِ
وهذا القسم من قصيدة مطران المطولة التي تعد قرابة السبعين بيتا يتذكر فيه الشاعر عهد الطفولة ويحن الى البراءة الأولى التي يضيعها الانسان حينما
يوغل في العمر وتجارب الحياة الصعبة وهذا الشطر من حياة مطران ذكرى مطوية قوامها الحب الذي يحدث مرة ثم لايعود كالطفولة التي ولت وحل محلها التجاعيد
والشيب,
يغنم المرء عيشه في صباه
فإذا بان عاش بالتذكار
ايه آثار بعلبك سلام
بعد طول الثوى وبعد المزار
ومطران الذي قدم الشعر الوجداني في إطار الطبيعة لاسيما تجربته الفاشلة في الحب يتعطف على الماضي ليبرأ من جراح الحاضر فالقبلة عفة والعناق كضم
النوار للنوار ,
قلبنا طاهر وليس خليا
أطهر الحب في قلوب الصغار
كان ذاك الهوى سلاما وبرداً
فاقتدى حين شب جذوة نار
حبذا هند ذلك العهد لكن
كل شيء إلى الردى والبوار
هد عزمي الثوى وقوض جسمي
فدمار يمشي بدار دمار
وهكذا فإن مطران في مطالع قصيدته يستسلم للذاكرة في حطين المدينة الخربة وكأنها زهرة كبيرة من حجر تفتحت على دمن الزمان,
وكما احسن مطران في قصيدته الماء الكلام عن الحب في اطار البحر وغروب الشمس كملمحين من ملامح الطبيعة فكذلك يحسن في قصيدة بعلبك الكلام عن براء
الحب والطفولة في حضن الآثار والمدينة الخربة,
وفي نهاية المقدمة المطولة يحسن التخلص من الكلام عن الحب والطفولة إلى وصف بعلبك وآثارها وهي موطن طفولته وملعب تجاربه الأولى,
فعزم الشاعر الذي هده النوى وقوض جسمه هو صورة دمار تسير في فيء بعلبك دار الدمار الماثلة,
فالرابط بين القسم الاول من قصيدة بعلبك وقسمها الثاني بالاضافة الى الوزن الموحد والقافية الواحدة هو رابط موضوعي علا المدينة والشاعر هدمهما الزمان
ودمرهما النوى,
وإذا استسلم مطران الى التذكر في القسم الاول من القصيدة نراه يستسلم الى العين والرؤية في القسم الثاني منها الذي يبلغ عشرين بيتا تتكلم عما تشاهده
عين الشاعر من زخارف وصور والوان منقوشة أو اسود منحوتة في بعلبك الأطلال,
إن التراسل بين المخيلة والعين هو مايميز وصف مطران لآثار بعلبك, فلا يكتفي الشاعر بما تراه عينه بل تنسق مخيلته ماتراه العين في صورة علية موحدة،
وتتعاون تفاصيل الرؤية وجزيئاتها لتشكل صورة حية متكاملة,
يصور مطران الزخارف والنقوش والتماثيل كما يراها ويحول المرئي منها والمحسوس الى صور شعرية ناطقة ويعتني مطران بالالوان او ماتسميه بلاغتنا القديمة
بالتدبيج فيرسم انواعها وتحولاتها ونماذجها بالضوء والندى, وتنتقل عيناه بانسجام من لون الدر الى لون العقيق والنضار الى شامات العنبر والبهار وتاج
الشيب الذي يزيد بعلبك حرمة وجلالا,
ألبستها الشموس تغويف در
وعقيق على رداء نضار
وتحلت من الليالي بشامات
كتنقيط عنبر في بهار
وسقاها الندى رشاش دموع
شربتها طوامي الانوار
زادها الشيب حرمة وجلالا
توجتها به يد الاعصار
رب شيب اتم حسنا واولى
واهن العزم صولة الجبار
ومع اهتمام مطران بما تراه عيناه وتنسيق رؤياه في صورة حسية موحدة كلية،غير انه لاينسى ان يضيف احيانا شعوره على مايراه لكنه يتحلى باتقان الفنان
المقتدر يتشبث بالحواس لاسيما العين ويستجمع ماتراه من تفاصيل في كل موحد يبلغ احساسه الشاعر الفنان كما صنعه الفنان المهندس في سالف الزمان وبعد ان
يرسم لك الصورة بضم الجزيئات بعضها الى بعض يعلق شعوره على ماتراه عينه كما في البيتين الاخيرين في استشهادنا السابق او في وصفه للأسود الذي يبادر
شعوره بما تراه عينه,
واسود يخشى التحفز منها
ويروع السكوت كالتزآر
يصف مطران ماتشاهده عيناه بحسه ويبدع الصور المحسوسة المرئية لانعكاس نور الشمس على جدران المدينة المهدمة واعمدتها او آثار العناصر التي خلفت
الوانا متحولة في شامات تتخذ انعكاسات متعددة ولكنه لايكتفي بوصف الحسي بالحسي بل يضيف اليه لاسيما في الرؤية العامة وصف الحسي بالمعنوي، فيتكلم عند
ذلك ادراك الشاعر لما يرى لا الصورة المرئية فحسب وان كان في ذلك اقل تأثيراً من وصفه للالوان لأن بلاغةالصور المحسوسة والمرئية اقوى من الصور
المدركة والمعنوي والشعر جوهراً هو صناعة مايحس الانسان من الكون ومايتفيأ من تأمل وادراك في ظلال هذا الاحساس,
يقول مطران
معبد للأسرار قام ولكن
صنعه كان أعظم الأسرار
مثل القوم كل شيء عجيب
فيه تمثيل حكمة واقتدار
صنعوا من جماده ثمرا
يجنى ولكن بالعقل والابصار
وضروبا من كل زهر انيق
لم تفتها نضارة الأزهار
وشموسا عظيمة وشعاعا
باهرات لكنها من حجار
وطيور ذواهبا آيبات
خالدات الغدو والابكار
في جنان معلقات زواه
بصنوف النجوم والانوار
ومطران لايكدس الجزئيات ويكوم التفاصيل كيفما اتفق بل ينسقها في آنية الشعر لوحة متكاملة لحدائق معلقة يجتنيها أو يجتني منها العقل وتختطف
الابصار منها مايشتهى ويلذ,
وينتقل مطران من الجزئيات العامة التي تكون لوحة مرئية لعينه الى تخصيص الاسود المنحوتة بصورة متميزة ومفصلة قياساً لماذكره عن الثمر والزهر والشموس
والطيور والجنان المنقوشة على جدران الهياكل وافاريز اعمدتها الشامخة,
وأسوداً يخشى التحفز منها
ويروع السكوت كالتزآر
عابسات الوجوه غير غضاب
باديات الأنياب غير ضوار
في عرانينها دخان مثار
وبالحاظها سيول شرار
تلك آياتهم ومابرحت في
كل آن روائع الزوار
ضمها كلها بديع نظام
دق حتى كأنها في انتشار
منتهى مايجاد رسما وابهى
ماتحج القلوب في الانظار
ويتحرك الشاعر في قصيدته من الحاضر الى الماضي هاتفا
ايه آثار بعلبك سلام
بعد طول النوى وبعد المزار
انه يعود الى مدينته ويعود من حاضرها الى ماضيها كما يعود الى ماضيه الأول وصباه ثم تستحضره عيناه ورؤيته الى حاضر المدينة الماثلة بهياكلها المدمرة
وأعمدتها الشامخة,
وتتضافر رؤية العين وإدراك الحس والفكر لتشكل القصيدة التي تتجسد فيها المخيلة صورا محسوسة ومدركة ومشاعر حيالها فورية في رسم صورة كلية ورؤية موحدة
رغم الكلام عن تجربة الصبا وحب الطفولة,
ويثني بالسلام على اهل فينيقيا في القسم الثالث من القصيدة في ثلاثة عشر بيتا يخص نصفها تقريبا في الكلام عن سيرة الفينيقيين مع البحر والنصف
الثاني عن تشييدهم بعلبك,
هم دعاة الفلاح في ذلك العصر
واهل العمران في الامصار
نحتوا الراسيات تحت صخور
وابانوا دقائق الافكار
واجادوا الدمى فجاز عليهم
انها الآمرات في الاقدار
ويبقى في حدود العام في وصفه الذي يرشح باعتزازه وفخره باهل فينيقيا بعاطفة معتدلة هادئة ثم يختم القصيدة ببيتين يربط بهما الموضوعين الاساسيين
للقصيدة حبه لهند ايام الطفولة ومرتعه في ملاعب بعلبك الآثار, يقول:
نظرت هند حسنهن فغارت
أنت ابهى ياهند من ان تغاري
وفي البيتين حسن تخلص ومحاولة لضم مساري القصيدة في خاتمة واحدة، لكن القصيدة تبقى ثنائية الموضوع بين حب الطفولة وآثار المدينة المهدمة والرباط في
الخاتمة يبدو بلاغيا اكثر منه موضوعياً لانه في كلامه عن الآثار تكلم عن الزهر والثمر والطيور والاسود ولم يتكلم عن دمى الحب وتماثيله فكيف تكون هذه
كلها حواري للمحبوبة هند لو تكلم عن تماثيل عشتروت مثلا او وصيفاتها لكان بيت الخاتمة حسن تخلص يتصل اتصالا عفويا بالموضوع,
اما قوله: واجادوا الدمى الى آخر البيت بقي عاماً ولم يخصص هذه الدمى, فلذلك جاءت الخاتمة تخلصا بلاغيا اكثر منها ربطاً لمساري القصيدة الواحدة التي
بدت للمتلقي قصيدة بموضوعين رغم مهارة مطران في ربطهما بوسائل عدة,
إلا ان مطران يحقق توازنا بين الفكرة والعبارة والصورة واهتمامه بالصورة الحسية ليس وقفا على هذه القصيدة فهي ميزة يمتاز بها اسلوبه في الشعر الوجداني
والقصصي الى جانب قدرته البيانية المبدعة التي تبدع اشكالها ولاتتكىء على صورة القدماء ومأثورهم,
وتصويره لآثار القلعة لم يعتمد على النقل الآلي لما رأته عينه بقدر ما اعتمد على تركيب صورة كلية تتواصل بين المرسل والمتلقي من خلال العين,
وكان هادئا في نقل الصورة لم يتحمس ولم ينفعل وتضافرت عاطفته الهادئة ولغته الشعرية المهيمن على ادواتها ان تحقق تراسلا متميزا بين المخيلة والعين فيما
يهتم بالاجزاء والتفاصيل يسعى الى نقل الصورة الكلية,
ولايسعنا الا ان نلاحظ طراوة في اسلوبه تقابل الجزالة القديمة ذلك انه يعبّر حقيقة عن عواطف حميمة عن الحب الاول في ايام الصبا وتمتلىء ذاكرته كما
تمتلىء عيناه بصور القلعة المدمرة,


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved