عبد الله عبد الجبار,, طائر الخرافة الذي حط على زمن النسيان
،(1)،
وددت لو ان لحروف الكتابة قدرة النطق فلا تظل جامدة وميتة تتشح بسواد الطباعة، إذن لارتاعت الآذان القارئة من ضجيج الصراخ، وارتبكت الصور باختلاط
الفرح والألم,,!،
أهذا تقديم لأسطورة اسمها عبد الله عبد الجبار ؟ أم احتشاد للاقتراب من عالمه المسحور، تحرسه جنيات شرسة أوغر الغضب في صدورهن مارأينه من اشكال
الجحود والنكران من العصر لفارسه الاشم؟ كذا يكون صراخ من يقترب إلهاء للنفس عن الخوف والفرق، وعزاء مسبقا تتأهب به لمجابهة لحظة الاكتشاف، حين
تدرك فداحة الخطيئة: أهذا ماقدمه لنا الرجل وأفنى فيه حياته، من أجل تاريخنا، ولم نستمع؟
زعم كبير ان ادعي انني قد عرفت الرجل، احتاج لعمر ضعف عمره - امده الله - حتىابلغ مدارك الاستيعاب، غير انني - من خلال هذه التجربة - وقفت علىتخوم
قريبة من الحقيقة، وربما للمرة الأولى - ونحن نعد لهذه التكريم - يتأجج في صدري فرح ونشوة كلما أمعن التعب والإحباط وتماديا في رغبة لإيلامي,, فرح
إن ظفرنا بما اردنا، ونشوة ان تهيأت فرصة، بعد كل هذه السنين لتنبيه أخير الى فتح العيون، حتى إذا ما استفاقت من دهشتها رأت طرفاً من الحقيقة، في ان
هذا الرجل قد كان هدية التاريخ التي احكمنا عليها إغلاق خزانة النفائس ، فلم نفد منها إلا إجماعاً على القيمة وحرماناً جماعياً من جدارة الامتلاك,,!،
عبد الله عبد الجبار، هذا الرمز الأسطوري في ثقافة عصرنا العربية تكريمه المناسب ان يعكف الجميع على دراسته بإخلاص في إخلاصه، هنا يتسع فضاء الحلم
لتستوعب ساحته مفكرينا ونقادنا ومؤرخينا ، واساتذة الجامعات وطلاب الدراسات، يتوفرون عليه بدأب وتعب من حجم دأبه وتعبه,, وتكريمه الممكن ، فوق مساحة
ضيقة من صحيفة يومية مهما افردت له من صفحات، عرفان وجميل من الذين عرفوه ولاقوه في دائرة واحدة للهم,, ما طلبت إلى واحد منهم ان يكتب عنه، - ومعظمهم
كانوا خارج المدينة او خارج الوطن، إلا ارتدّ إلى صوته محملاً بفرح، اغرقني ما فاض منه عن صدورهم فرح يعلنه الحماس وسرعة الاستجابة، وتنكره نبرة اسى
لم تغب عني في كل من اتصلنا بهم,,! أ إلى هذا الحد نال اليأس من رفاقه ما ناله من استاذنا الجليل؟
،***
،(2)،
يظل صراخ الكلمات هنا وسيلة الصدر الموغور للخلاص من احزانه حتى اقدم الدليل على انه ليس انصياعاً لعاطفة موجوعة، بل صوت دماغ عاقل، مذهول لايكاد
يصدق هول الخسارة، يوماً ما أقدم هذا الدليل، حين تتسع امامي مساحة الدرس لهذا الاستاذ الجليل، في كتاب او اكثر، ولكي يقاسمني بعض المخلصين نصف
الهم، اكتفي هنا بما هو اقل من الاشارة العابرة,,
عبد الله عبد الجبار لانستحقه، خطيئته التي يدان بها انه يقبلنا ويعيش بيننا,, هذا المعنى الذي ردده الاستاذ المخلص محمد سعيد طيب في اكثر من سياق
واكثر من حديث، ربما في لحظات غيظ منقوع في المرارة، وربما بحس انسان غيور الى هذا الحد على ثقافة امته وتاريخها، وربما لانه يرى الحقيقة معجزة
لاتوفيها قدرة الشرح والكلام بعض حقها، فما جدوى تبصير عصر عجز عن القبض على الحقيقة بشرح دونها بكثير! وأياً كانت طبيعة لحظة الإدراك التي دفعت
بالاستاذ محمد سعيد طيب الى هذا الافضاء، فحقيقة اعترف ان افضاءه قد لامس جوهر الأمر وعصب الحقيقة,,
إذ كان من الممكن ان نبدأ من المحصلة والنهاية، أقولها في عين الشمس: عبد الله عبد الجبار، وحده من ابناء يعرب، هو جسر للوصل بطول الف سنة ويزيد ،
طائر الخرافة الاسطوري الذي يبسط جناحيه فوق اثني عشر قرناً من الزمان، وهو علامة التصويب لخروجنا عن جادة الطريق,, وهو شرف التدارك لقصور اجيال
توالت، وتوالدت، على قارعة تلك العصور,, وهو قوسان محكمان جمعا بقوة التاريخ القهرية بينهما الاصالة والمعاصرة حقيقة لا شعاراً مفرغاً من كل شيء إلا
وجاهة الادعاء وخواءه المبين,, وعي الشرق النابه بوجوده، مستوعباً للذات بتراثه من ناحية، ومعرفة الغرب الحكيمة، مستفيدة من ثقافة الآخر بحرص من
لايفرط في مثقال ذرة من هويته,, لكنه - لحزن التاريخ وسوء الحظ - بقي صرخة يكظمها الوقار واحترام الذات، في آبار صدئة ومهجورة بلا قرار فلم يرتد
لتوجعها رجع او صدى,,
مسافة الوصل التي يرأب الهوة بينها عبد الله عبد الجبار تبدأ من زمن النور المؤجج في منتصف القرن الثامن، وتنتهي بأيامنا ودخان الاحتراقات الفردية
فيها,, من العصر العباسي الى العصر العولمي,,
في العصر العباسي كانت الحياة الثقافية تعج بالتيارات الفكرية والفنية، كلها نبعت من الحياة العربية ونضجت في تربتها،, آنذاك تدفقت على الحياة
الثقافية العربية في انهمار جارف ثقافات اجنبية كالفارسية والهندية واليونانية ونشطت الترجمات عن السنسكريتية والفهلوية واليونانية والفارسية وغيرها، ومن
خلالها عرف العرب مختلف المذاهب والتيارات، واطلعوا على نظريات فلاسفة كأفلاطون وارسطو,, انهمار لم يجرف في جريانه شيئا من صلابة الهوية العربية في
ثقافة ارضها وانما استوعبته تلك الثقافة وحولته قوة اضافية ترفد عافيتها,,
المذهل ان هذه الثقافات الاجنبية قد افادت البلاغة العربية ذاتها متجاوزة دورها في إثراء العلوم والفلسفة والنقد والدراسات النفسية والاجتماعية، بل لقد
وجدنا اللغة العربية تمتد خارج الارض العربية لتصبح أداة للتعبير ووسيلة لاكتساب العلم والمعرفة في عديد من الاقطار، ورأينا اسفاراً عربية بالغة
الأهمية ينتجها أدباء ومفكرون من العرب الذين جاؤوا من اصول اجنبية - كابن المقفع والاصبهاني، والفارابي وياقوت الحموي وغيرهم,, ظهرت مذاهب ادبية
جديدة لم تكن مسبوقة في صدر الاسلام او قبله في الجاهلية أو بعده في العصر الاموي، ونزعات للتجديد في الشعر وفنون النثر معاً وربما كانت من معطيات
هذا التلاقح الثقافي ، ولكن احداً لايستطيع ان يشكك في اصالة واحد كالمتنبي، اوابي نواس، او الجاحظ او ابي العلاء والقاضي الفاضل,,
حين نعود الى ذلك العصر، بحثاً في تراثنا، تتدافع امامنا المؤلفات الامهات، واسماء الاعلام الذين رادوا الحياة الثقافية فيه,, اسرار البلاغة
للجرحاني، مفتاح العلوم للسكاكي، ابوهلال العسكري صاحب الصناعتين، التوحيدي والامتاع والمؤانسة، ابو الفرج والاغاني، الجاحظ، ابن المقفع، الفارابي
وياقوت الحموي,, بلغ النثر ذروة نضجه في بحثه عن اشكال جديدة كالمقامات وفي ترجمات مثل كليلة ودمنة والف ليلة، وفي مضامينه التي اتسعت للجغرافيا
والتاريخ، وللاخبار والعلوم، مثلما للنقد والبلاغة، وتنوعت المعاجم من معاجم اللغة الى معاجم البلدان وغيرها,
ليس هنا سياق التفصيل وإنما موضع للتنبيه إلى اصالة الدرس الذي تميز به نقاد ذلك العصر، وبلاغيوه، ووضوح الرؤية ورغبة البذل وإنفاق سنوات العمر،
وأهم من ذلك كله اصالة المنهج ,
إذا كان واحد مثل قدامة بن جعفر قد بهرته أطروحات أرسطو التي استوعبها عبر ترجماته، فإنه سيبقى الحالة النادرة وفي مواجهة رجل كابن المعتز، عكف على
قراءة الإبداع العربي واستخلص منه الاحكام ومفردات النظرية,, ألهذا بقيت لتراثنا العربي قيمته التي نعترف بها، ونعترف إزاءها ضمناً بالعجز ونحن
ندعو اليه؟!،
لم يكتب عبد الله عبد الجبار عن ذلك التراث العربي كتابة باحث فيه، فلماذا رأيناه طائراً خرافياً يبسط احد جناحيه عليه؟
قبل الاجابة لابد ان نتحسس موقع الجناح التالي، عصرنا الذي استفاق على انفتاح العوالم الثقافية، وموقف خطابنا النقدي منه الذي استكان الى استعارة
وعي الآخر بلا وعي، اتصال بتلك الاسواق الثقافية العالمية يتعامل معها بشروط السلع التجارية الاستهلاكية بلا فرق، استسلام للدهشة البلهاء في احسن
الاحوال، تواري سوءاتها ادعاءات هي بمثابة طلاء يضلل عن خواء ما خلفه,, ، عجلةٌ وبخل بالجهد والوقت مخيفان، ليست عن عارف يضن بوقته وانما عن متعجل
يبحث عن فرقعة جديدة تسنده فترة اضافية,, عصرنا في انفتاح العوالم الثقافية امامه شبيه بالعصر العباسي في توفر الامكانية، ونقيض الضد بالضد في حجم
المنجز والعطاء,
التيارات الأدبية الحديثة في قلب الجزيرة العربية للرائد عبد الله عبد الجبار سفر موقعه في القيمة إلى جوار امهات الاسفار في العصر العباسي، بأصالة
المنهج فيه وبحجم الجهد الذي تنوء به مؤسسة علمية او ثقافية كاملة,
,, قراءة واعية للمعطى الأدبي في الجزيرة وتصنيف له بنفس الوعي في تيارات محددة، واقعية او رومانسية او غيرهما، وتناول مثير للدهشة في قراءته فوق
خلفية البيئة التي انتجته، في ظل حركة الواقع الاجتماعي والسياسي والجغرافي والاقتصادي، وإلمام بالظروف التي احاطت بكل شاعر,
,, منهج تاريخي اجتماعي شديد الوعي والنضج ليس على نحو ما تعلمه عبد الله عبد الجبار في اطلاعه على الثقافة الاجنبية، وانما على نحو مافرضته قراءة
النماذج بإخلاص حميم، وشمولية تشكل كل الجوانب والعناصر التي تُحكم صياغة ذلك المنهج ، يدخل في ذلك التعليم واثره - المطبوعات، الرقابة على المطبوعات،
الصحافة، الاذاعة، المكتبات، المنتديات مثلما تدخل البيئة بالمناخ والتضاريس، ومؤثرات الاتصال بالثقافات الخارجية عبر السفر أو التعليم او الترجمة أو
ادوات التوصيل,, جهد مخيف يردنا الى جهد القدماء - ورؤية واعية تصوغ المنهج لاتعتسف تطبيقه,
ليس هناك من يستطيع ان يجزم ان ثقافتنا العربية اليوم هي امتداد مؤصل لثقافتنا العربية القديمة، فقد انقطعنا عنها منذ أكثر من ألف عام، وعبد
الله عبد الجبار قدّم لنا بهذا الكتاب وحده فرصة الوصل من جديد فما استمع اليه احد، فرصة، ان نكون اصحاب منهج اصيل، وان نكون قادرين على صياغة ذلك
المنهج من قبل إبداعنا الذي نبت في تربتنا، ما أروع هذا الرجل وهو ينسج الملامح والتفاصيل للكلاسيكية اوالواقعية او الرومانسية، إنها ليست بشروط
الكلاسيكية الأوروبية او الرومانسية الفرنسية او واقعية بلزاك وإميل زولا وغيرهما، ولكنها واقعية عربية انضجت فيها ملامحها العربية مجريات الحياة في ظل
واقع اجتماعي لايغفل اثر القبلية والأنساب، واقتصادي، يمارس ضغوطه على الذهن قدر ضغوطه على الاحتياجات وسياسي يحدد مفاهيم الحرية ونطاقها,, واقعية
عربية ليست هي الواقعية الاوروبية شكلاًأو موضوعاً,, هذه قيمة في فرادة الابداع لايستطيع ان يكشف عنها إلا وضوح المنهج,,، ولنا ان نقارن ماكتبه عبد الله
عبد الجبار، بما يكتب احيانا في يومنا عن نصٍّ شعري حيث لايكون المتحدث هو ناقد النص بل سوسير أو بارت اوغيرهما، وحيث تعامل البنية العربية في
القصيدة العربية بالأدوار الموكولة إلى مفردات اللغة الفرنسية في تشكيل النسيج اللغوي والرؤية الفنية!،
،(3)،
ليس هو الذي ابتدع المنهج التاريخي الاجتماعي ولكنه اسهم بدراساته في SIR عبد الله عبد الجبار رجل لانستحقه، فرجل مثل موريس بورا قد أُعطي لقب سير
تحقيق مصداقيته، وعلا نجم هيجل وشينجلر وفيبر من المانيا، او الايطالي كروتشي او المجري لوكاتش او يتن الفرنسي وديوي الامريكي، او كارى او هارهوف او
غيرهم بما قدموا من دراسات يجد في وسطها - بكل الجدارة والاحترام - كتاب عبد الله عبد الجبار موقعه,
،(4)،
عبد الله عبد الجبار,, كتابتي عنك في هذه المساحة اقتراف برزء أوزار الخطيئة، حسبي منك الآن لحظة فرح او ألم كلتاهما بقيمة من قيمة الوجود
الانساني، وحسبك مني، وقد تعلمت عنك ان لا اكون إلا نفسي وذاتي، وعداً مجدداً ، وعهداً يصان,,
ريمة الخميس


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved