يقول تعالى لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب، والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين
آل عمران 164,
حقاً لقد كانت نعمة بعث محمد صلى الله عليه وسلم اعظم النعم التي امتن الله تعالى بها على هذه الأمة، وأجلّها,
وإن من تمام هذه النعمة: توريث الله عز وجل العلماء علوم هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فكان العلماء هم ورثته القائمين في أمته بمهمة البلاغ،
والتعليم والتوجيه، وبيان حدود الحلال والحرام,
وإذا كان العلماء ورثة علوم الأنبياء فانهم أيضا ورثوا قدرا لائقا بهم من الاعتبار، والمكانة في الشريعة فكان واجبا على الأمة من بعد طاعتهم في طاعة
الله، وموالاتهم، واحترامهم، والسعي إليهم، والأخذ عنهم,
تقديم لابن باز
بهذه المقدمة استهل فضيلة الشيخ عبدالرحمن بن معلا اللويحق كتابه الذي حمل عنوان: (قواعد في التعامل مع العلماء) والذي وجده سماحة مفتي عام المملكة ورئيس
هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والافتاء الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز كتابا قيما كثير الفائدة,
وقال سماحة الإمام العلامة ابن باز في تقديمه للكتاب: ان مؤلفه قد شرح فيه ما ينبغي في شأن التعامل مع العلماء، ونقل فيه نقولا عن كثير من أهل العلم، وانه
قد أجاد وأفاد في ذلك، كما أوصى سماحة المفتي بقراءة هذا الكتاب والاستفادة منه,
وقد قدم المؤلف كتابه في 192 صفحة من القطع المتوسط والطباعة الفاخرة، ضمن سلسلة درسات في مناهج العلم والعمل والدعوة ,
وجاء الكتاب في شكل دراسة من فصلين تضمنا خمسة عشر بحثا، تطرق خلالها المؤلف الى كل ما يتعلق بتعريف العلماء ومكانتهم وقواعد التعامل معهم بشكل جيد ومفيد،
وبما يحقق ما استهدفه فضيلته من دراسته القيمة حول كيفية التعامل مع العلماء بموالاتهم، واحترامهم ورعاية مراتبهم، والحذر من تخطئتهم بغير علم، ووضع الثقة
فيهم,
وقد أكد الشيخ اللويحق في مقدمته ان سلف الأمة قد اخذوا قبلنا بهذه القواعد، فكان العلماء هم المقدمين، فهم ولاة صدور المجالس، إليهم مرجع الأمة في كل
حال، ومفزعها حين يجز بها أمر ذو بال، والناس في جملتهم يعرفون لهم أقدارهم، ومنازلهم,
طرائق قدداً
ثم أشار فضيلته الى انه بعد ذلك خلفت خلوف قل فيها العلم وأهله، وندر فيها الأئمة الجهابذة، وقل اعتبار الناس لتلك البقية الباقية من السلف، فلم ينزلوهم
منازلهم بل تفرقوا في ذلك طرائق قِددا,
ويعدد الشيخ اللويحق هذه الفرق التي اصبحت ظاهرة في الحياة المعاصرة بانها على ثلاث طرائق: اولهم قوم رأوا أن العلماء كسائر الناس، ليس لهم في الشريعة
اعتبار يعلي قدرهم، فلم يرفعوا بالعلماء رأسا، وفي هؤلاء شبه بالخوارج الذين لم يرعوا لسادات العلماء من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم حقهم فكانت عاقبة
أمرهم خسرا فضلوا وأضلوا وفرقوا دينهم شيعا، كل حزب بما لديهم فرحون,
وقوم قدموا العلماء، ورفعوهم فوق أقدارهم فقلدوهم في دينهم تقليدا مطلقا، فليس رائد المرء الدليل، بل رائده قول الشيخ، وفي هذ الصنف شبه بالروافض الذين
جعلوا أئمتهم معصومين، وجعلوا لهم مقاما لم يبلغه نبي مرسل، ولا ملك مقرب، وتعددت فرق هؤلاء بحسب تعدد الشيوخ، وتعصب كل قوم لرأي مُقلّدهم من دون قول
الله، ورسوله صلى الله عليه وسلم,
اما الثالثة فهم قوم رأوا للعلماء منزلة، ولكنهم لم يعاملوهم باعتبارهم بشرا، يقع منهم الخطأ والهوى، بل تعاملوا معهم بغير المقاييس البشرية، فما ان يروا
خطأ من عالم حتى يعظموا ذلك الخطأ ويكبروه ويضخموه ويطيروا به في الناس كل مطار,
ويقول الشيخ اللويحق عن هؤلاء أنهم جمعوا بين متناقضين الأول: تعظيم العلماء بجعلهم في منزلة من لا يتصور منه الخطأ، ولا يقبل، اما الثاني فهو إهدار مكانة
العلماء بالكلام عنهم إن اخطأوا والتشهير بهم وتعييرهم، هذا اذا لم يختلقوا الخطأ ويفتعلوه، فإن فعلوا ذلك أمر أعظم وأخطر,
ظاهرة معاصرة
ويرى اللويحق أن كل هذه الطرائق ظاهرة في الحياة المعاصرة، ومن هذا المنطلق جاء كتابه الذي اوضح فيه انه قام بجمع جملا في هدي السلف الأخيار، لينتفع بها
من أراد الله به خيرا من خلفهم، إذ العلماء جديرون منا بالحرص على حسن التعامل، وكمال الرعاية لحقوقهم فإن لهم منزلة في الدين، ليست لغيرهم من الناس,
وأشار فضيلته الى ان نفع هذه الورقات ليس قاصرا على ذلك بل لعل فيها فوائد أخر، منها: إغراء طلاب العلم وحضهم على المزيد من طلب العلم، وحض الأمة على
الوحدة ونبذ التفرق، فإن طريق الوحدة هو: الاعتصام بالكتاب والسنة، ولزوم جماعة المسلمين، والعلماء هم الأدلاء على ذلك، بالاضافة الى تعريف القارىء بطائفة
حسنة من أهل العلم الذين اورد ذكرهم في طيات البحث بهدف دفعه لحبهم والاقتداء بهم,
متعالمون وليسوا علماء
ويعترف المؤلف بأن جملة ما في الكتاب تقييدات جمعها من كتب أهل العلم، ليس له فيها إلا اختيارها، وترتيبها ونظم عقدها، وذلك اقتناعا منه بأن أهل العلم قد
لا يكتبون في بيان حقوق أنفسهم على الناس، فكان حقا على من هو مثله من تلامذتهم تسطير ذلك، وبيانه للأمة، مع ملاحظة اي كتب فقط عن العلماء المعتبرين في
الأمة، اما أهل البدعة والضلالة، الذين عقدوا ألويتها ووالوا على أساس بدعهم وعادوا، فجعلوا معقد الولاء والبراء غير كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه
وسلم فهم غير جديرين بأن يسلكوا في سلك أهل العلم وأن تزينوا بزي العلماء وانتسبوا إليهم، كما أن هؤلاء لا بد وأن يعدوا في طوائف العوام فهم متعالمون
وليسوا بعلماء,
كما أن البحث جاء متمحض للنظر في تعامل الناس مع علمائهم، أما الحقوق الواجبة على العلماء، فيقول المؤلف بأن العلماء أعرف الناس بها، ولا يحتاجون لمن
يذكرهم بها,
فصول الدراسة
وقد جاءت الدراسة التي قدمها الشيخ اللويحق في كتابه الثر في هيئة بحث من فصلين: الأول أفرده للمقدمات الممهدات للمقصود من هذا البحث، في أربعة مباحث:
المبحث الأول: وجعله لبيان (من هم العلماء؟) حتى تتصور حقيقتهم، وخصص المبحث الثاني لتوضيح الطريقة التي بها يعرف العلماء في الأمة,
اما المبحث الثالث فتمحض لبيان الفرق بين العلماء، ومن قد يشتبه بهم، ويعد منهم وليس منهم، وفي المبحث الرابع: بيان مكانة العلماء ومنزلتهم من الدين، وأن
لهم اعتبارا في الشريعة تميزوا به عن غيرهم,
وأما الفصل الثاني فأسماه المؤلف باسم البحث: قواعد في التعامل مع العلماء وقد جعله في خمسة عشر مبحثا تضمنت المبحث الأول: موالاة العلماء ومحبتهم،
المبحث الثاني: احترام العلماء وتقديرهم، المبحث الثالث: الأخذ عن العلماء والسعي إليهم، المبحث الرابع: رعاية مراتب العلماء، المبحث الخامس: الحذر من
القدح في العلماء، المبحث السادس: الحذر من تخطئة العلماء بغير دليل، المبحث السابع: التماس العذر للعلماء، المبحث الثامن: الرجوع الى العلماء، والصدود عن
رأيهم وخصوصا في الفتن، المبحث التاسع: وجوب التثبت اذ ليس أحد إلا وتكلم فيه، المبحث العاشر: الاعتبار في الحكم بكثرة الفضائل، المبحث الحادي عشر: الحذر
من زلات العلماء، المبحث الثاني عشر: كلام الأقران في بعض يُطوى ولا يُروى، المبحث الثالث عشر: العدل في الحكم على أخطاء المجتهدين، المبحث الرابع عشر:
ترك الاعتراض على العلماء، المبحث الخامس عشر: وضع الثقة في العلماء، ثم ختم المؤلف بخاتمة جعلها لبيان نتائج هذا البحث,
التفريق بين العلماء وغيرهم
وقد جاء الفصل الأول في تعريفه بمن هم العلماء؟ من خلال الكثير من التعريفات والتي منها أنهم: هم العارفون بشرع الله، المتفقهون في دينه، العاملون بعلمهم
على هدى وبصيرة، الذين وهبهم الله الحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا البقرة 269,
كما أبان المؤلف بأن العلماء يُعرفون بعلمهم وبرسوخ اقدامهم في مواطن الشبه، ويعرفون أيضا بنسكهم وخشيتهم لله وباستعلائهم على الدنيا وحظوظها، ومما يعرف
به العالم شهادة مشايخه له بالعلم، ومما يدل على علمه وفضله دروسه وفتاويه ومؤلفاته,
ويعقد الشيخ اللويحق مبحثا للتفريق بين العلماء وبين من قد يشتبه بهم، فيفرق بين العلماء والقراء الذين كثر عددهم في هذا العصر الذي اصبحت فيه القراءة
ظاهرة عامة، واقترن بذلك كثرة الكتب التي تخرجها المطابع,
وهذا الأمر يقول عنه اللويحق: انه نعمة من نعم المولى جل شأنه إلا انه قد يكون سببا للانحراف عن الحق، وذلك اذا تصدى الناس بسبب انتشار الكتب بينهم
للنظر في النصوص دون معرفة اصول النظر وقواعد الاستنباط ودون معرفة بعوارض الأدلة وطرق دفع التعارض وأساليب الترجيح,
ويشير الى ان ظاهرة القراءة انتجت فئة القراء وهم: فئة من طلبة العلم او المثقفين قرؤوا نتفا من العلم وهم غير فقهاء بذلك العلم,
أما العالم الفقيه فهو ليس كهؤلاء بل هو ذو فهم شمولي عام للإسلام واطلاع على مجمل الأحكام الشرعية، ولديه ملكة فهم النصوص ويعرف مقاصد الشريعة وأهدافها
العامة,
ويتطرق الكاتب في هذا الفصل الى التفريق بين العلماء و(المفكرين والمثقفين): الذين جاءوا نتيجة لالتقاء الثقافتين الإسلامية والغريبة والصراع بينهما، ومع
اتساع جبهات الالتقاء والصراع الفكري نشأ في المجتمعات المسلمة طائفة من الأخيار الذين يفهمون الإسلام فهما عاما، وهم ليسوا بعلماء شريعة ولكن لهم مكانتهم
وبعضهم قد نفع الله عز وجل به نفعا كبيرا، ومع ذلك لم يغنوا عن العلماء,
كما وجد أيضا من المثقفين وهم: فئة من الأخيار الصالحين ذوي تخصصات علمية برزوا فيها مثل: الطب والهندسة والكيمياء، أو العلوم الإنسانية مثل علم النفس
وعلم التربية وعلم الاجتماع، إلا انهم رغم تخصصهم فانهم غير مختصين في العلوم الشرعية وبالتالي لا يعدون من العلماء,
كما ان هناك أيضا تفريق بين العلماء و(الخطباء والوعاظ) فليس كل الخطباء علماء أفذاذا، ومن أشهر الوعاظ في التاريخ الإسلامي الإمام أبو الفرج عبدالرحمن بن
الجوزي، وهو أيضا من علماء المسلمين,
الحذر من القدح
وفي الفصل الثاني ومع اهتمام المؤلف بضرورة موالاة العلماء واحترامهم والأخذ عنهم والسعي إليهم، فقد حذر من القدح في العلماء والطعن فيهم واعتبر ذلك سبيلا
من سبل أهل الزيغ والضلال، ذلك ان الطعن في العلماء ليس طعنا في ذواتهم وإنما هو طعن في الدين والدعوة التي يحملونها والملة التي ينتسبون إليها، والطعن في
العلماء محرم لأنهم من المسلمين والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا
رواه البخاري,
نتائج هامة
وقد خلص الشيخ عبدالرحمن اللويحق في نهاية بحثه المدعم بجمل من هدي السلف الأخيار الى ان للعلماء ميزات تميزهم عن غيرهم من الناس رأسها العلم الذي
تحويه صدورهم والفقه الذي تميزوا به، وبهذا يعرفهم الناس فيشهدوا لهم بالعلم والفضل، والمؤمنون شهداء الله في أرضه,
وأن العلماء يتميزون عن غيرهم من الناس وخصوصا من يظن الجهلة أنهم من العلماء وليسوا من كذلك مثل: القراء و(المفكرين) والمثقفين والوعاظ والخطباء,
إذ معرفة العالم عائدة الى معنى غير المعاني المتوافرة في هؤلاء الأصناف وإن كانوا في جملتهم أهل فضل ولكن لكل فن رجاله,
كما أورد الشيخ اللويحق في خاتمته ان للعلماء اعتبارا في الشريعة ومنزلة في الدين لم ينلها غيرهم من الناس، مع بيان أدلة ذلك، وأن واجب الناس موالاة
العلماء ومحبتهم، فهم أحق الناس بالموالاة والمحبة في الله عز وجل، وتلك المحبة عنوان رشد المرء وسلامة معتقده ومنهجه,
كما وأن توقير العلماء واحترامهم سنة ماضية حض عليها النبي صلى الله عليه وسلم ودرج عليها سلف الأمة,
مزلقان خطيران
ويرشدنا المؤلف الى ان طريق صنع العلماء هو الأخذ عن العلماء، والأدلة متضافرة على الأمر بالأخذ عن العلماء والسعي إليهم والشأن أن الناس هم الذين يسعون
الى العلماء لا العكس,
كما اوضح ان العلماء بشر يخطئون، ولكن اتهامهم بالخطأ يعرض فيه مزلقان خطيران: الأول أن يكون اتهامهم بالخطأ غير صحيح، أما الثاني فهو أن يحكم على العالم
بالخطأ غير العالم، والجاهل لا يعرف خطأ نفسه فضلا عن أن يعرف خطأ غيره، فضلا عن ان يحكم عل العالم بالخطأ,
وأكد فضيلته على ان العلماء هم خير الأمة، ومن الواجب التماس العذر لهم وإحسان الظن بهم، مشيرا الى ان وقوع الفتن كثير في هذه الأمة، ومن شأن الفتن ان
تشتبه الأمور فيها، ويكثر الخلط وتزيغ الأفهام والعقول، والعصمة حينذاك إنما هي للجماعة والتي يمثل العلماء رأسها فالواجب على الناس الأخذ بآرائهم والصدور
عن اقوالهم في كل حين، وفي حين الفتن على وجه الخصوص,
وأورد اللويحق أيضا أن الموقف السليم من زلات العلماء وأخطائهم ينبني على أمرين هما: عدم اعتماد تلك الزلة لمجيئها على خلاف الشرع، والعدل في الحكم على
صاحبها فلا يشنع عليه من أجلها ولا تُرد أقواله بسببها,
وفي ختام كتابه أكد الشيخ اللويحق ان تُرك الاعتراض على العلماء المعروفين في الأمة بالعلم والأمانة والعدل أمر محمود، إذ على طالب العلم ان يتهم رأيه عند
رأي الأجلة من العلماء، ولا يبادر الى الاعتراض قبل التوثق، وأن أكثر الناس استحقاقا للثقة هم العلماء فعلى المسلم ان يضع ثقته في أهل العلم,
والكتاب في مجمله يعد اضافة هامة ومفيدة للمكتبة العربية والإسلامية في عصر تفشت فيه الفتنة، وكثر فيه أهل البدع والضلال، حيث يلقي الضوء على من يجب
اعتباره عالما حتى يؤخذ عنه، وما يجب نحوه من احترام وتوقير، وبالتالي يمكن - من خلال هؤلاء العلماء حفظ الأمة والعودة بها على النهج الصحيح المستند على
الكتاب والسنة، والبعيد عن الغي والضلال والمذاهب المنحرفة التي يزخر بها العصر,