في تفضيل الكلام على الصمت
عزيزتي الجزيرة:
تحية وبعد:
فقد قرأت في عدد سابق من (الجزيرة) وفي صفحة الثقافية موضوعا قصيرا عنوانه (وللصمت نهاية) انهته كاتبته التي رمزت لاسمها (بأسيرة الماضي) ببيتين يمتدحان
الصمت ويفضلانه على الكلام,, والبيتان هما:
اذا كنت عن ان تحسن الصمت عاجزا
فأنت عن الابلاغ في القول اعجز
يخوض اناس في المقال ليوجزوا
ولَلصَّمتُ عن بعض المقالات اوجز
وما اكثر الحكم - نثرا وشعرا - التي تتحدث عن الصمت وفائدته وتدعو الى عدم الكلام,, والحقيقة ان هناك مواقف الصمتُ فيها افضل ومواقف لا يجوز السكوت فيها,
فاذا كانت فتنة ولم تستطع ان توقفها فلا تشعلها نارا، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قل خيرا او فاصمت),واذا رأيت من يعمل عملا وهو مغرق
فيه ويحسنه فلا تبدأه بالسؤال فتقطع عليه اهتمامه واتقانه,, فقد روى صاحب العقد الفريد ان لقمان الحكيم - رحمه الله - كان يجلس الى داود عليه السلام وهو
يعمل درعا من حديد فلم يسأله لقمان عما يعمل، ولم يخبره داود عليه السلام حتى تمت الدرع بعد سنة فقال: داود عليه السلام: درع حصينة ليوم قتال فقال لقمان:
الصمت حكم وقليل فاعله, واقول: ما اطول بال لقمان الحكيم - رحمه الله - ومااشد صبر داود عليه السلام!وما اكثر ما ابتلي المرء بسبب منطقه وطول لسانه فقد
قيل:(ان البلاء موكل بالمنطق),،
قال جعفر بن محمد: (من احفاد علي ابن ابي طالب رضي الله عنه):،
يموت الفتى من عثرة بلسانه
وليس يموت المرء من عثرة الرجل
فعثرته من فيه ترمي برأسه
وعثرته بالرجل تبرا على مهل
قلت: ليس دائما,, فقد يتعرض بعثرة فيه الى صفح او عقاب اخف من الاعدام,, كما قد يموت الرَّجُل من عثرة الرِّجل فقد حدثنا الشيخ علي الطنطاوي في برنامجه
الاسبوعي - سابقا - ان شيخه عثر بسجادة في المسجد فتوفي - رحمه الله -,
وقال شاعر في ذم الكلام ومدح السكوت:
الحلم زين والسكوت سلامة
فاذا نطقت فلا تكن مكثارا
ما ان ندمت على سكوتي مرة
ولقد ندمت على الكلام مرارا
قلت: اما ان الحلم زين فحق ما لم يصل الحلم الى درجة ان يُستهتر بالحليم ويُؤذى بسبب حلمه,, قال النابغة الجعدي في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم في
قصيدته التي مطلعها:
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا
وانا لنرجو فوق ذلك مظهرا
وشاهدُنا فيها قوله:
ولا خير في حلم اذا لم تكن له
بوادر تحمي صفوه ان يُكدَّرا
فقال له عليه الصلاة والسلام: لا يفضض الله فاك ,, فعاش عمره الطويل لم تسقط له سن باستجابة دعوته عليه الصلاة والسلام,واما كثرة الكلام فان رأيت اقبالا
من مستمعيك وسرورا فأكثر وان رأيت اعراضا ونظرا الى الساعة وتثاؤبا فتوقف حالا,واما انه ما ندم على السكوت ففيه نظر فكثيرا ما يقول احدنا: ليتني قلت كذا
وكذا,, ندما علىالسكوت, وقد يستحسن كلامه ان كان في موضعه ويقال له احسنت ويُسَرُّ بذلك ولا يندم,اما الحسن بن هانىء (ابو نواس) الذي اشتهر بمجونه فقد
ابدع في الكلام عن الكلام والصمت جاعلا كلاهما داءين مؤثرا الصمت الذي تحمد عواقبه في نظره ناهيا عن المزاح,, قال:
خل جنبيك لرامِ
وامض عنه بسلامِ
،(قلت: وترك الجنب للرامي كناية عن تحمل الاذى والاعراض عن المؤذي,,)،
مت بداء الصمت خير
لك من داء الكلامِ
رب لفظ ساق آجا
ل فئام وفئامِ
ربما استفتحت بالمز
ح مغاليق الحِمامِ
انما السالم من أل
جم فاه بلجام
قلت: واللجام يمنع الكلام والاكل والعض ايضا,,
واسوق بعض الاقوال في مدح الصمت دون تعليق، فرأيي ابديته اولا وهو ان للكلام موقفا لا يحسن فيه الا هو وللصمت كذلك,, قالوا:
،- فضل العقل على اللسان مروءة وفضل اللسان على العقل هجنة (كراهية),،
،- من ضاق صدره اتسع لسانه ومن كثر كلامه كثر سقطه,
،- من سمع الكلمة يكرهها فسكت عنها انقطع ضرها عنه,
،- مقتل الرجل بين فكيه,
وما احسن قول ابي بكر الصديق رضي الله عنه عندما امسك لسانه بيده - وقال: هذا اوردني المهالك,,
اما فضل الكلام على السكوت: فقالوا -: انما بعثت الانبياء بالكلام ولم يبعثوا بالسكوت,, قال الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام:
،(اذهبا الى فرعون انه طغى, فقولا له قولا لينا لعله يتذكر او يخشى),،
قالوا: وبالكلام وصف فضل الصمت ولم يوصف القول بالصمت, وبالكلام يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويعظم الله ويذكر ويسبَّح بحمده ويُصلَّى على نبيه - صلى
الله عليه وسلم -, والكلام هو البيان الذي امتن الله به على عباده قال تعالى: (الرحمن, علم القرآن, خلق الانسان, علمه البيان ), والعلم لا يوصل الى الناس
الا بالكلام - قلت: ولو كان مكتوبا, ونفع المنطق (الكلام) عام لقائله وسامعه (ومن بلغه) ونفع الصمت خاص بفاعله,ومن اعدل ما قيل في الصمت والكلام قولهم:
،(الكلام في الخير كله افضل من الصمت، والصمت في الشر كله افضل من الكلام),،
وقال عبدالله بن المبارك - رحمه الله - يمدح انس بن مالك رضي الله عنه باحسانه الصمت والكلام: كلا في موضعه:
صموتٌ اذا ما الصمت زيّن اهله
وفتّاق ابكار الكلام المختم
وعى ما وعى القرآن من كل حكمة
وسيطت له الاداب باللحم والدم
،(فتاق ابكار الكلام المختم: مبدع الكلام الذي لم يفض ختمه,
وعي ما وعى القرآن: حفظا وفهما,
وسيطت له الآداب باللحم والدم: اختلطت الآداب ومازجت لحمه ودمه حتى اصبحت جزءا منه),،
وعن عمر رضي الله عنه: ترك الحركة غفلة اي: (تركُ الكلام دائما والصمتُ دائما من صفات الغافلين - افلا يذكرون الله تعالى)؟وما اكثر ما يردد الطلاب
والمعلمون قول: (اذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب),،
قلت: والسكوت اثناء شرح المدرس ليس ذهبا وانما درٌّ والماس وبلاتين حتى لا يقطع الطلاب المشاغبون تسلسل افكار المدرس,, ولكن اذا تكلم الاستاذ بما لا يفهم
فالكلام بالسؤال اغلى من كل الجواهر النفيسة ولكن بأدب وبحسن سؤال,, ففي الاثر: الاقتصاد في النفقة نصف العيش، والتودد الى الناس نصف الخلق وحسن السؤال
نصف العلم ,
وختاما: فنقلا واقتباسا وشرحا وتعليقا وتعقيبا قلنا ما سبق من الكلام، ومنه يفهم انا فضلنا الكلام على الصمت,, وعسى الا نكون اكثرنا من اللَّغَط، فكثر في
كلامنا السَّقَط,
والشكر للقراء الكرام,,
والسلام ختام,,
نزار رفيق بشير
الرياض


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved