الجزيرة تلتقي أول سعودي يقود القطار
القرني: عشت حياتي بين قضبان سكة الحديد
،* الدمام - حسين بالحارث
محمد علي بن عبدالله القرني مواطن ودّع في مقتبل عمره قريته الوادعة في احضان الطبيعة والجبال السمراء الشامخة، ليعود إليها محملاً بالمجد والذكريات التي
لم يخطط لها حين غادر إلى الظهران باحثاً عبر المسالك الوعرة حينئذ عن مستقبل يضعه في صفوف الرجال الكدادة حيث كانت البوصلة تشير آنذاك باتجاه شركة الزيت
العربية الأمريكية (أرامكو),,
لم يدر بخلد القرني أنه سيدخل التاريخ عبر بوابات ثلاث: الأولى أنه سيكون أول سعودي يقود القطار,
والثانية: أنه سيكون أول من يشق صحراء الدهناء بهذا المارد الصاخب إلى عاصمة البلاد,, ليس بالقطار فحسب، إنما بأول رحلة مواصلات في المملكة حيث لا طرق
معبدة للسيارة ولا مطار للطائرة,
أما البوابة الثالثة: فهي أنه سيكون المواطن الذي حرص مؤسس البلاد وبانيها الأول الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - إن يراه ويزهو به كغصن أخضر انبتته
الأرض الطيبة ليعلو كل حلم ولو كان قطار الخير الذي أطل بالعاصمة على خليج البواخر المحملة بالأوراق ومواد البناء ووصل بالحب عاصمة المجد بشقها الشرقي,,
تراب وإنسان, فتسنت للقرني لحظة تاريخية حين انصت كل جزء في جسده لمشاعر المؤسس وهو يستقبله بالتكبير فور ظهور أولى عربات المارد بلونيها الأخضر والأبيض
تخترق الأفق مردداً الله أكبر الله أكبر ,,
في تلك اللحظة توحدت روح القرني مع كل ما حوله,, التراب والناس والشعور الداخلي,, وهو يستعرض قطاره أمام الرجل العظيم الذي لم يثنه تعب السنين وجاء محاطا
بأبنائه ورجاله ليشهد حلما خطط له وانتظر تحقيقه سنوات,
سعة أفق
ويجوز لنا أن نسجل في هذه المقدمة ما يؤكد سعة أفق هذا القائد وعبقريته رحمه الله في جعل بناء الفرد هدفاً وركيزة أساسية في خططه عندما زار مدرسة
المسيجيد في المدينة المنورة ليطلب من مديرها اختيار 60 طالبا وارسالهم إلى الدمام لتدريبهم على أعمال القطار سائقين وفنيين وإداريين وكان ذلك قبل أن يتم
بناء القضبان إلى الرياض بسنوات وذلك ما سنعرف تفاصيله في لقاء آخر مع واحد من أولئك الستين الذين اختيروا من مدرسة المسيجيد, ونعود الآن إلى حكاية القرني
وقطار الخير,,
أول سائق قطار,,
بعد بحث وسؤال استطعنا الحصول على رقم هاتف محمد القرني في مدينة سبت العلايا ببالقرن في الجنوب والتي ولد فيها عام 1343ه حسب أوراقه الرسمية وعاد إليها
متقاعدا,, تقاعدا مبكرا في 1398/3/1ه ودار بيننا حوار هاتفي استمر وقتاً طويلاً وعلى فترات حيث كانت الذكريات تجترنا وتتوقف بالحوار في العديد من المحطات
لنبقى معها على السجية وتبين ان ضيفنا سوف يضيف لنا أعباء جديدة تلزمنا بالبحث في سجلات المؤسسة العامة للخطوط الحديدية حيث لا يتذكر التواريخ الفاصلة في
حياته فقد قال: جيلنا يعمل لينجز حاجته ولا يتوقف أمام الارقام لأنها كانت جديدة عليه وبالتالي فهو لا يدري ما اهميتها وتستطيع أن تسميه عيبا ولكن لو كنت
من جيلنا لأدركت أن الناس كانت مشغولة بالأهم وهو تأمين القوت,
،* وكيف كانت بدايتك مع سكة الحديد؟
،- كانت للمناطق الجنوبية أعمال تكسب الناس منها رزقها كالزراعة ولكن اهميتها كانت تتراجع ويضعف الطلب عليها فيما كانت الحاجات تزداد,, ومع استتباب الأمن
وشموله أنحاء البلاد في مراحل متسارعة بعد أن دانت المقاليد للملك عبدالعزيز ظهر بين الناس في جميع الأنحاء موجة للهجرة طلبا للرزق والمعيشة وكان مؤشر
البوصلة حينها قد أخذ باتجاه الشرق حيث (أرامكو) والبترول الذي تفجّر في الظهران والطلب على اليد العاملة على أشده والعامل عملة نادرة لها الاسترضاء في كل
حين من ذلك الوقت وقد التحقت بالعمل في أرامكو شابا يافعاً في أعمال متعبة جدا وتحت لفح الشمس (التحقت بأرامكو في 1949/5/30م/ 1368ه) وبراتب قدره 24 ريالا
في الشهر وفي تلك الاثناء كان العمل جاريا لبناء سكة الحديد بين مدن المنطقة الشرقية التي كانت تغوص في الكثبان الرملية (حينها كان العمل جاريا لبناء
السكة بين ميناء الدمام ومدينة الدمام والظهران ووصل إلى مدينة بقيق في مارس 1949 ثم في ديسمبر إلى مدينة الهفوف) وكانت أرامكو بحاجة إلى نقل موظفيها إلى
أعمالهم وإعادتهم إلى مساكنهم وكانت عمالة القطار حينها من الأمريكان وبعض العرب من فلسطين وسوريا, وكنت قد تبرمت من العمل الذي وضعت فيه كعمل يفوق طاقتي
فتركوني عددا من الأيام ثم استدعيت ضمن خمسة سعوديين من عمال أرامكو وحولونا للعمل على القطار كمتدربين والحقيقة أن الأمر أشعرني بتفوق غريب على من حولي
مما جعلني أنام وأصحو أحلم بالقطار فتعلمت بسرعة ولم تمض سوى ثلاثة أشهر حتى اختاروني كأول سائق قطار سعودي,, وكانت مهمتي هي نقل العمال من أرامكو في
الظهران إلى الدمام والعكس ومن ثم تم تحويلي للعمل على خط الميناء/ الدمام وكان القطار يجر من أربع إلى خمس عربات تكتظ كل منها بحوالي 60 راكبا,
وبعد ثلاثة أشهر نقلت للعمل على الخط المتجه إلى الرياض قبل وصوله حيث كنت أقود القطار الذي ينقل الخرسانة المستعملة في تركيب القضبان المتجه للعاصمة
مرورا بمدن بقيق والهفوف ثم حرض وبعدها إلى الخرج فالرياض وكنا نتبع خطوات عمال بناء القضبان في تقدمنا بالقطار حيث كنا نوصل لهم الخرسانة ويقومون
بانزالها على جانبي السكة ثم نقفل عائدين وكان مساعدي من السعوديين الذين تم اختيارهم للعمل في السكة معي من أرامكو وأذكر منهم الاخوة نامي حامد الأحمدي
كمساعد سائق ومحمد بن ظافر القحطاني كمأمور إضافة إلى عدد آخر لا أذكر اسماءهم تحديدا,
لحظات العمر
،* إذن وصلتم الرياض فهل وصلت اللحظة المنتظرة في حياتك للقاء الملك عبدالعزيز؟
حينما أبلغت أنني من سيقود القطار في أول رحلة رسمية له إلى الرياض وأن الملك سيكون في استقبالنا وسأناور بالقطار أمام جلالته لم اتذوق طعم النوم,, فرحة
بهذا الشرف العظيم وزهواً بسعوديتي فهذا حلم طالما تمناه كل إنسان وليس السعودي وحسب حلم مقابلة رجل في عظمة الملك عبدالعزيز وصيته الذي بلغ الآفاق و(دوخ) ،
الكثيرين من أعداء مشروعه الحضاري في توحيد هذه الأمة وهذا التراب المقدس,, وفي يوم 19 محرم 1371ه وبعد رحلة استغرقت في الواقع أكثر من عشر ساعات كانت
بالنسبة لي دقائق أو دهر لم أعد أعلم فقد نسيت احساسي بالزمن خلالها دون أن أفقد توازني,, وقفت امام الملك الذي علمت فيما بعد أنه كان حريصا على تأهيل
السعوديين وتدريبهم حرصه على ايجاد كل ما من شأنه أن يعبر بالأمة إلى عصر جديد ومستقبل زاهر لأن تسليح الإنسان بالعلم كان ركيزة أساسية في استراتيجيته
لتحقيق هدف الأمة الذي تمثل به,
لقد كان يجلس في الصيوان الذي أعد لهذه المناسبة يحيط به ابناؤه وفي مقدمتهم الملك سعود وكنت استرق النظر إليهم اثناء المناورة التي أجريناها بالقطار أمام
جلالته وكانت عبارة عن تحريك القطار إلى الأمام والخلف ويقوم المساعدون بفصل العربات واعادتها وقد شعرت في تلك اللحظات أن اسعدنا كان الملك عبدالعزيز نفسه,
،(تلك المناسبة قال عنها خير الدين الزركلي في كتابه الوجيز في سيرة الملك عبدالعزيز ,, وفي صباح السبت 19 محرم 1371 (20 اكتوبر 1951م) هرع أهل الرياض إلى
ساحة في ظاهر المدينة (انشئت فيها بعد ذلك محطة الرياض) وأقيم سرادق كبير جلس فيه الملك وكبار الأمراء والوزراء وغيرهم وتليت آيات من الذكرالحكيم ثم اقبلت
القاطرة الأولى مارة أمام الحفل وأخذ المذيع يشرح أن قوتها ألف حصان وأنها تسحب حمولة 1050 طنا وتربط بها عربات الدرجتين الأولى والثانية فعربات النقل
فحاملة زيت واقبلت قاطرة أخرى بقوة الأولى تجر عربات مزودة بالكهرباء وتكييف الهواء وفيها المطاعم والمثالج والمناعم والمباهج,, ووزع على كبراء من حضروا
ذلك الحفل كتيب سمي كتاب سكة حديد الحكومة السعودية جاء فيه أن طول السكة 556 كيلومترا تخترق جزءا شاسعا من النصف الشرقي من البلاد السعودية فهي تبدأ من
ميناء الدمام متجهة إلى حقول الزيت ثم تمتد إلى مدينة الهفوف ومن الهفوف يسير الخط جنوبا إلى عين حرض ومنها يتغير الاتجاه إلى الغرب وبعد اجتياز رمال
الدهناء يصل إلى الخرج حيث يزرع أكثر من 3000 فدان بالفواكه والخضروات والحبوب والعلف لاستهلاكها في الرياض وأخيرا بعد أن يقطع الخط ارضا وعرة تحيط بها
صخور منحدرة يصل إلى الرياض عاصمة البلاد,
أما تكاليف سكة الحديد هذه فكانت حوالي 200 مليون ريال سدد منها نحو 9 ملايين ريال من واردات أجور الركاب والشحن خلال انشائها),،
تلك كانت فقرة معترضة أوردناها للربط بين الحدث وحكاية مواطن لم يتعلم في المدارس ولكن مواطن حكايته تشبه حكاية بلاده في تطورها وتقدمها عبر مسيرة من
العمل والكفاح في ميادين البناء والتعلم يحدوها الأمل والتطلع إلى مستقبل زاهر,, قال القرني عن ذكرياته من تلك المرحلة,, مشكلة الضعف الذاكرة ظلت تلاحقني
منذ زمن ولكن اتذكر أنني استمررت سائقا للقطار حوالي عشر سنوات مررت خلالها بالكثير بعضها دونته الذاكرة والبعض الآخر ذهب مع الأيام,
وأذكر أنني أقللت الملك سعود بالقطار مرتين، مرة من الرياض إلى الدمام والعكس والملك فيصل مرة واحدة ومرة أخرى لم أكن فيها اقود القطار في تلك الرحلة وكان
يوجد بالقطار عربات خاصة بالملك,
كما أذكر أنه فتح لي تحقيق لأنني كنت أصل إلى الرياض في 11 ساعة فيما بعض الاخوة المتعاقدين يستغرقون في الطريق من 16 إلى 18 ساعة وكان الاعتقاد هو أنني
اتجاوز السرعة المحددة والتي تضمن سلامة القطار والركاب والبضائع وقد تبين للمحقق وهو أمريكي أنني لا اتجاوز السرعة وإنما كان الآخرون يتأخرون عمدا للحصول
على ساعات عمل اضافية,
أما أصعب موقف مررت به فقد كان موقفا مؤلما بالنسبة لي وللكثيرين من الزملاء حيث سقط أول سعودي ميتا تحت عجلات القطار لا أذكر من كان يقوده,, وهو المرحوم
بإذن الله عبدالرحيم الغامدي حيث كان في نوبة عمل ليلية وتعلق بإحدى عربات قطار يسير في المحطة ولسبب ما وقع على القضبان لتدهسه العجلات دون رحمة,
،* ألا تذكر بعض الصعوبات أو الأخطار التي كنتم تعانون منها أيام قيادة القطار؟
لم تكن توجد صعوبات سوى مواجهة الجمال وزحف الرمال على السكة فقد كانت تخرج القطار عن القضبان ونتوقف ونقوم بجرالقطار إلى الخلف ثم نقوم بازاحة الرمال ثم
نواصل سيرنا,
،* تدرجت صعودا في العديد من الوظائف فهل حاولت تطوير امكاناتك؟
،- حضرت العديد من الدورات الخارجية القصيرة وزرت العديد من سكك الحديد في العالم ابتداء من عام 1952م ومنها أمريكا وبريطانيا وفرنسا وكندا واليابان والصين
والباكستان واستراليا بغرض الاطلاع وتبادل الخبرات وقد استفدت منها بما عاد على عملي في السكة الحديد بالتطور والتقدم,
،* هل كنت تتمنى وصول القطار إلى قريتك بالجنوب؟
،- لا,, ليس إلى الجنوب بل كنا نحلم أن تصل السكة الحديد إلى المشاعر المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة وهو الحلم الذي لا نزال نحلم به,
،* هل كنت تنقل الركاب إلى الرياض أم البضائع؟
لم تكن هناك طرق ومطارات كما الحال اليوم ولذلك فلم يكن هناك خير من نقل الركاب والبضائع في القطار الواحد حيث كنا ننقل من 600 إلى 700 راكب بالإضافة إلى
بضائع في 30 إلى 40 عربة قطار أما بعد تعدد القطارات فقد تحولت إلى نقل الركاب فقط حيث كانت تحرص المؤسسة أن تسند مهمة نقل الركاب للسائقين الأكثر كفاءة
حفاظا على سلامتهم,
،* كيف ولماذا اخترت التقاعد المبكر؟
لقد تدرجت في الوظائف والمهام حتى كلفت بالعمل مساعدا لمدير عام المؤسسة لشؤون النقل وقد طلبت احالتي للتقاعد في عهد الدكتور غازي القصيبي ولكن غازي رفض
رغم كثرة محاولاتي اقناعه حتى جاء الأستاذ فيصل الشهيل وتفهم أسبابي التي لا أخفيك أن جانبا كبيرا منها نفسي حيث غادرت قريتي شابا صغيرا وحلمت بالعودة لها
مبكرا فهي عزيزة على نفسي كثيرا وفيها ذكريات الصبا وقد حققت طموحاتي وخدمت في مؤسسة الخطوط الحديدية نحو 30 عاما أردت بعدها أن أمضي وقتا ممتعا في قريتي
بعد هذه الخدمة الطويلة ولاسيما أنني مارست العمل التجاري هنا فالتقاعد لم يتم إلا من الوظيفة الحكومية,
في سطور
تبقى أن نقرأ علي بن محمد القرني من سجله الخاص في المؤسسة العامة للخطوط الحديدية,
،- ولد في عام 1343ه حسب (بطاقة الأحوال المدنية),،
،- التحق بالخدمة في سكة الحديد في 1368/8/3ه,
،- رقمه الوظيفي في سكة الحديد 25082,
،- كان اجره اليومي كمساعد سائق قطار في 1369/12/18ه (9,15 ريالات),،
،- ثم رُفّعَ رسمياً إلى سائق قطار بأجر يومي (14 ريالاً),،
،- ثم رفع إلى مساعد رئيس سائقي القطارات في 1372/12/30ه بأجر يومي (19,11 ريالاً),،
،- رفع رئيساً لسائقي القطارات في 1973/3/13م بأجر يومي قدره (24 ريالاً),،
،- 1378/1/1ه رفع إلى وظيفة مساعد رئيس عام الحركة,
،-بتاريخ 1389/6/6ه رفع إلى وظيفة مدير عام الحركة,
،- 1397/1/27ه كلف بعمل مساعد مدير عام المؤسسة العامة للخطوط الحديدية لشؤون النقل وظل كذلك إلى أن أحيل على التقاعد المبكر بتاريخ 1398/3/1ه,
،- عاصر ثمانية مديري سكة حديد الحكومة السعودية وهم بالترتيب الأمريكي جيمس هارولد قلدي، الأمريكي ج, ف, ميرفي, الاستاذ عبدالرحمن آل الشيخ، الأستاذ
عبدالعزيز زيد القريشي، خالد محمد القصيبي، عمر عبدالقادر فقيه، الدكتور غازي عبدالرحمن القصيبي، الأستاذ فيصل محمد الشهيل,
،- يعيش حالياً في سبت العلايا ببلقرن بين ابنائه وأحفاده ويعمل في مجال التجارة,
الأسبوع القادم مع ضيف جديد من الأوائل وتحديدا مع مساعد ضيف هذا الأسبوع في قيادة القطار,


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved