|
عبدالعزيز الذي نالت به شرفا
بنو نزار وعزت منه قحطان
ملك تجسد في اثناء بردته
غيث وليث واعطاء وحرمان
خبيئة الله في ذا الوقت اظهرها
وللمهيمن في تأخيرها شأن
|
عبدالعزيز في نظر ذوي الفراسة وهو في سن الطفولة
لقد منح الله بعض الرجال في جزيرة العرب فراسة ونظرة ثاقبة وصائبة في بني الانسان، ونادرا ما يخطئ صاحب هذه الميزة التي اكثر ما تتوفر في رجال الصحراء،
ونظرا لأن جزءاً من الجزيرة العربية تحتله الصحراء فقد اشتهر بعض رجالها بالفراسة ومن بينهم صالح بن رخيص وهو معروف بنظرته الصائبة التي يصدر حكمه من
خلالها,
وعندما نظر الى الملك عبدالعزيز وهو طفل صغير قال كلمة,
امَّا لمحمد واما لهذا الصبي بس عسى الله يريحنا منه والا فهي له ومحمد هو محمد العبدالله بن رشيد امير حائل في ذلك الوقت عام 1308ه فقد كتم محمد بن رشيد
ما قاله ابن رخيص في صدره ثم بعد ان رحل الملك عبدالعزيز مع اسرته الى الكويت لم يهدأ بال محمد بن رشيد فأرسل محمد علي المجراد الى الكويت لتقصي اخبار هذا
الطفل الذي اصبح شبحاً يطارده ويقض مضجع محمد بن رشيد على ان تكون مهمة علي المجراد مهمة سرية لا يعلمها احد,
فذهب الى الكويت وجلس فترة من الزمن وهو يراقب ابناء الامام عبدالرحمن الفيصل آل سعود (محمد وعبدالعزيز) وظل المجراد حائرا بين محمد وعبدالعزيز لأن
الانظار تتجه الى محمد من جميع النواحي اما فراسة المجراد فقد عاكست ذلك كله فقد عاد الى حائل وهو يحمل صراعا داخليا بين محمد وعبدالعزيز وقال لابن رشيد
لا خوف على حكمكم من خطر يهدد كيانه الا من عبدالعزيز الذي لم تكن الانظار متجهة اليه الآن بقدر ما هي متجهة الى اخيه محمد لذلك فإنني اجد ان بين جنبي
الفتي عبدالعزيز قلبا ألمعيا ونفسا لا يقف مدى طموحها عند حد وروح تتجسد في جوانحها صفات الزعامة بكل معنى ,
وهذا الخبر نزل على محمد بن رشيد كالصاعقة والذي صدَّق مقولة ابن رخيص,
ثقة عبدالعزيز بنفسه
إن الثقة بالنفس هي عامل رئيسي من عوامل الطموح الذي يصل به الانسان الى قمة المجد، وثقة الملك عبدالعزيز بنفسه حيرت الرجال منذ كان فتيا، ولعل الشواهد
التي تدل على ثقة الملك عبدالعزيز بنفسه لا تعد أو تحصى منها:
ان عبدالعزيز في يوم من الايام كان غارقا بتفكيره شارد الذهن جالسا في ناد في الكويت يضم عددا من رجال اهله فلاحظ احد الجالسين شرود ذهن الملك عبدالعزيز
فقال:
مالك يا عبدالعزيز كأنك لست جالسا معنا,
فكان جواب الملك عبدالعزيز اتأمل نفس لا يملك الا هذا المحجان ومع هذا اتأمل انني سوف احكم نجدا من شرقيها الى غربيها وتأملي هذا هو الذي يشغل فكري,
هذا هو جواب الملك عبدالعزيز والذي كان من المستحيل على من خلقت صفات الزعامة في كيانه ان يقم بعمل مثمر ما دام انه مرؤوس كما يقوم به المرء الذي تقبل
طباعه ان يكون مرؤوسا الا ان الزمان الذي ولد فيه الملك عبدالعزيز والمكان الذي ترعرع فيه غير قابلين لبروز مواهب القيادة الكامنة بين جنبيه والراسخة بدمه
وقلبه الا انه رغم ذلك فرض نفسه على التاريخ فرضا ورفض ان يذعن او يرضخ للأمر الواقع او يقبل ان ينطوي تحت قيادة الآخرين,
وكل ذلك دليل على طموح وعزة نفس الملك عبدالعزيز وحبه للعيش حرا بدون اذلال ولعل هزمية الشيخ مبارك الصباح في معركة الصريف عام 1318ه استفاد منها الملك
عبدالعزيز في رسم الطريق السليم للوصول الى الرياض وهذا ما تحقق له في عام 1319ه عندما فتح الرياض وتمت السيطرة عليها,
وثقة الملك عبدالعزيز بنفسه جعلته لم يقبل ان يكون مرؤوسا يوما من الايام,
عمق سياسته
في احدى السنين، كان الملك عبدالعزيز يرحمه الله في روضة التنهات زاره وفد العراق وعلى رأسه نوري السعيد للبحث في بعض القضايا واهمها قضية الحدود وكان
رشيد عالي في ذلك الوقت رئيسا للحكومة العراقية ووزيرا للخارجية وكان جلالة الملك فيصل موجودا وفي اول اجتماع قال جلالة الملك عبدالعزيز لنوري السعيد :
،- ماذا تريد يا نوري؟
،- فشرح له نوري السعيد المهمة التي قدم من اجلها,
فأمر الملك عبدالعزيز فيصل بعدما سمع من نوري السعيد اسباب قدومه باحضار دفتر وقلم واعطاهما لنوري السعيد وقال له:
،- اكتب يا نوري كل ما تريده وضع توقيعك عليه,
وبعد ان انتهى نوري من كتابة ما اراده اعطى جلالة الملك عبدالعزيز الدفتر للأمير فيصل وامره بالتوقيع فحاول الامير فيصل قراءة ما كتبه نوري قبل التوقيع,
فقال الملك عبدالعزيز لا تقرأ ولا حرفا وقع فقط,
وبصفة ان الامير في ذلك الوقت كان وزيرا للخارجية وقع على الوثيقة واعطاها لنوري السعيد وقال له جلالة الملك عبدالعزيز يرحمه الله:
،- انا موافق عليها هيا سافر,!،
وبعد خروج نوري السعيد قال الملك عبدالعزيز يرحمه الله:
،- لاحظت يا فيصل انك انزعجت لعدم المامك بما في الوثيقة ان نوري لم يحضر وهو يقصد الاتفاق بل اراد الخلاف ولذلك كلفته بكتابة ما يريده وامرتك بالتوقيع
عليه وتساهلنا معه وهو الذي سيبعث في نفسه الريبة فينقض ما وافق عليه فاتركها تأتي منه,, وفعلا بعد رجوع نوري السعيد الى بغداد عارض الاتفاقية فقال له
رشيد عالي:
،- ألم تكتبها بخطك وتوقع عليها؟ وكانت هذه الوثيقة السبب في انقسام الوزارة وسقوطها ورفضت الاتفاقية,
هكذا ادرك جلالة الملك عبدالعزيز يرحمه الله ما وراء زيارة نوري السعيد وما كان يدور خلف الستار وما سيكون من النتائج البعيدة المغزى بعقله العبقري وعمق
سياسته التي لها الاثر البارز في كثير من الامور التي تدل على ان السياسة هي ابرز الصفات التي يتمتع بها جلالته في كل امور حياته,
عزيمته بعد الهزيمة
ان الملك عبدالعزيز يرحمه الله كان يتمتع بعزيمة لم تتوفر في اي قائد يقود المعارك، ويتقدم الجيش في كل معاركه، وخير دليل على عزيمته ما وقع له في معركة
جراب عندما هزم وقتل اكثر جنده ونهب جيشه ومخيمه وحملته,
فعاد يرافقه خمسة عشرة خيالا الى بريدة وفي اثناء سيره صادف فيصل الحمود الرشيد فلما رآه فيصل اخذ يبكي متأثرا بالهزيمة فقال عبدالعزيز:
،- يا فيصل لا تبك فأنا والله بالامس في حالة الخوف من ان يوكلني ربي على قوتي والآن في حال الرجاء ان ينصرني وسوف استرد قوتي بحول الله قبل نهاية الشهر,
واخذ الملك عبدالعزيز يعيد ترتيب جيشه وقبل نهاية الشهر جهز نفسه من بريدة ولمَّ شعثه واغار غارتين وطرد ابن رشيد الذي كان قد هزمه حتى ادخله حائل فكان
عبدالعزيز يرحمه الله من القليلين الذين يحولون الهزيمة الى نصر ويستمدون من الضعف قوة ومن القلة شجاعة ومن الغضب الحلم والاناة ومن التسرع الهدوء
والحكمة,
دهاؤه في الحروب
كان الملك عبدالعزيز يرحمه الله لا يدخل الحرب الا في احدى حالتين:
اولا: اذا كان واثقا من النصر
ثانيا: اذا ارغم على دخوها,
وكان جلالته واسع الحيلة والدهاء ويستعين بهاتين الخصلتين في التغلب على خصومه واعدائه اذا ما تعذر عليه الانتصار بالقوة,
وخير دليل على دهائه في الحروب ما حدث في احدى حروبه مع ابن رشيد حيث كان الملك عبدالعزيز يرابط في موقع قريب من قوات الرشيد وكانت قوات ابن رشيد اكبر
من قوات الملك عبدالعزيز ومن هنا بدأ دهاء الملك عبدالعزيز حيث ايقن انه لا يستطيع التغلب على خصمه بالقوة فعمد الى الخدعة الآتية:
اختار لقواته مكانا في ارض رباح وضرب فيها خيامه وترك فيها قوة صغيرة من الابل التي غنمها في معاركه السابقة واخذ معه قواته المسلحة ورابط بها في وسط
كثبان من الرمال حتى لا ترى وعند الغروب هجم جماعة بن رشيد على الخيام التي نصبها الملك عبدالعزيز ولم تستطع القوة الصغيرة المرابطة بها ان تثبت امام
هذا الهجوم فانسحبت وفزعت الابل الموجودة من صوت طلقات الرصاص فانطلقت في الصحراء واسرعت قوات ابن رشيد خلفها لتستولي عليها,
وبقي ابن رشيد وبعض افراد قلائل معه في المخيم وهذا ما كان يتوقعه الملك عبدالعزيز يرحمه الله وما كاد الفجر ينبلج حتى هجم الملك عبدالعزيز وجنوده على
هذا المخيم ولم تصمد امامه القوة الموجودة من جيش بن رشيد,
وقد استطاع ابن رشيد ان ينجو باعجوبة وعندما حل المساء كان اتباع ابن رشيد قد عادوا بغنيمتهم من الابل ودخلوا الخيام مطمئنين الى وجود ابن رشيد فيها فلم
يشعروا الا وجنود الملك عبدالعزيز تحيط بهم من كل جانب,
العفو عند المقدرة
لقد امتاز الملك عبدالعزيز بمزية قلما يعرف بها ملك في التاريح فقد عاش حياته مناضلا ومقاتلا ومحاطا بكثير من الخصوم والاعداء وكان يمتاز بشجاعة فائقة
وباخلاق عالية فقد قاتله عدد ليس بالقليل من القبائل والامارات المحيطة به وكان اذا ظفر بخصمه لا يحاول الانتقام منه بل على العكس من ذلك كان يرحمه يبالغ
في اكرامه ويعامله كأخوته وابنائه كان يدعوهم لحضور مجالسه التي اعتاد ان يقيمها بعد عصر كل يوم ويحضرها كبار الشخصيات من رؤساء الامارات ورؤساء القبائل
وكان من بين هؤلاء من حاربوه وانتصر عليهم وكان يتبسط معهم في الحديث ويتناول الطعام معهم على مائدته ويحاول بكل وسيلة ان ينسيهم خصومتهم السابقة له,
وكان اذا قتل رئيس قبيلة من خصومه في المعركة يأمر رحمه الله بأن يمنح ابناؤه جميع الهبات والعطايا التي كانت تمنح لوالدهم في حياته كما كان يأمر بأن يجلس
هؤلاء الابناء في المكان اللائق بوالدهم في مجلسه يرحمه الله,
نخوته
كان العداء مستحكما وعلى اشده بين الملك عبدالعزيز وبين سعود بن رشيد فزحفت احدى القبائل على مدينة الجوف واحتلتها فخرج ابن رشيد من حائل مع جنده ودخل
الجوف وحوصر فيها فأشار بعض الناس على الملك عبدالعزيز رحمه الله بان هذه فرصة للهجوم على حائل والقضاء على ابن رشيد وكان الجميع يتوقع من جلالته الموافقة
واستغلال ما وقع فيه ابن رشيد لصالحه ودخوله حائل ولكن نخوة الملك عبدالعزيز وحرصه على عدم الغدر بخصومه رفض هذا الامر بشدة وقال لو هاجم حائل احد وابن
رشيد في محنته لدافعت عنها وانا لست من يطعن من الخلف ,,
ومن هذا الموقف التاريخي لجلالة الملك عبدالعزيز يتضح لنا كرهه للغدر حتى ولو كان لخصومه,
تواضعه
اذا كان التواضع يصنعه الرجل فالملك عبدالعزيز رحمه الله صنع التواضع وتمسك به الى ان اصبح التواضع صفة الملك عبدالعزيز حيث كان الملك يرحمه الله يقف
لزائريه مبالغة في احترامهم وتواضع منه وتكريما لهم,
ومن عادته يرحمه الله كان يبتسم في وجه زائريه وكان يتصف باللطف والوداعة اللذين ياسر بهما قلوبهم ويستهوي نفوسهم,
وكان يرحمه الله يحب الاطفال الصغار ويعنى بهم عناية خاصة ويستجيب الى طلباتهم,
ديمقراطيته
كثيرا ما يتحدث عالمنا اليوم عن الديمقراطية ويشيدون بذكرها ولا اظن احدا بلغ في الديمقراطية ما بلغه الملك عبدالعزيز اضافة الى اتصافه الكامل بالبساطة في
مأكله وملبسه وفي احاديثه ومجالسه فلا تكلف ولا كبرياء,
ومن اجل ذلك نراه يحب حياة البادية ويود مخالطتهم لأنه يعيش بروح الديمقراطية الحقة فلا ملق ولا دهان ولا زيادة في الاحترام,
يدخل الرجل على جلالته فيلقي عليه السلام عن بعد ويجلس بدون استئذان ويخاطبه خطاب الند للند ويناديه باسمه (يا عبدالعزيز) من غير عبارات التفخيم
والاجلال ويطلقون عليه كلمة (الشيوخ) لا صاحب الجلالة ولا جلالة الملك والامثلة على ذلك كثيرة من ضمن المسلمين الذين دخلوا على جلالته في قصره بمنى احد
الحجاج الافغانيين ولما اقترب من الملك عبدالعزيز سجد امامه لكي يدلل على احترامه للملك وعندما رآه جلالة الملك عبدالعزيز ظهر الغضب على وجهه وملامحه
وقال بصوت مرتفع تدل نبراته على التألم السجود لا يكون الا لله السجود لا يكون الا لله السجود لا يكون الا لله انني لا ازيد عن احدكم بشيء,, إن الاسلام
ساوى بيننا وعلمنا امور ديننا لم يفضل عربي على اعجمي الا بالتقوى لقد تفرد رب العزة جلت عظمهته وتعالت قدرته بالربوبية والوحدانية فالسجود لا يكون الا
لله دون غيره,
هكذا ضرب لنا الملك عبدالعزيز يرحمه الله اروع الامثلة واسماها في الديمقراطية الحديثة التي كثيرا ما تغنى بها الكثير من رؤساء الدول وهم بعيدون كل البعد
عن الديمقراطية الحقة التي سلكها عبدالعزيز مع شعبه ومع ضيوفه في كل مكان وزمان,
وفاؤه
اذا كان من ابرز صفات العرب التي يتفاخرون بها الوفاء فإن الوفاء خليقة من خلائق الملك عبدالعزيز واذا كانوا دائما يحافظون على الجميل ويحرصون على رده
ويصادقون يخلصون في ودهم, فإن الملك عبدالعزيز يرحمه الله قد ضرب الرقم القياسي في الوفاء والاخلاق العالية والمكرمات السامية، فالملك عبدالعزيز دائما
يذكر ماضيه ويذكر اصدقاءه القدماء وكل من ساهم معه في استعادة امارته وتأسيس مملكته ويحرص دائما على مكآفأتهم على ذلك بأكثر مما كانوا يتوقعون والادلة على
ذلك كثيرة وكان جلالته اكثر شيء يخافه ان يقال عنه ان عبدالعزيز بن سعود لم يف لصديق من اصدقائه او لم يذكر جميل رجل من اعوانه او ممن سبق له ان اسدى الى
أحد من آل سعود جميلا لذلك حرص الملك عبدالعزيز على ذكر اصدقائه في الكثير من مجالسه وذكر محاسنهم ومواقفهم معه,
عدله
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العدل العدل اساس الملك ,
ولعل ابرز ما يميز الملك عبدالعزيز عدله الذي اتصف به,, عدله المجرد,, عن الهوى ولا تمليه عاطفة ابوة او صلة رحم,
ان المتتبع لحياة الملك عبدالعزيز يرى منه في العدل العجب العجاب يرى ضميراً حياً يخشى ان يظلم عن غير قصد او ان يطغى على عاجز احد من ابنائه وافراد رعيته
فهو رحمه الله بين خشية من ان يحيف في قضائه او ان يندبه عدله هذا الضمير الحي في العبد الفقير لله,
عبدالعزيز يرحمه الله لذلك كان رحمه الله يردد دائما قول الله تعالى الذين ان مكناهم في الارض اقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وامروا بالمعروف ونهوا عن المنكر
ولله عاقبة الامور ,
لذلك اقام جلالة الملك عبدالعزيز ملكه على اساس الشورى وعندما عهد اليه الامر في الحجاز دعا الناس الى انتخاب اشخاص من ذوي الدين والسمعة الحسنة الطيبة
ليؤلف منهم مجلسا استشاريا اطلق عليه في عام 1344ه اسم المجلس الاستشاري وعدل اسمه في عام 1345ه فأصبح مجلس الشورى وسن لهذا المجلس نظاماً خاصاً جعل
للمجلس الحق في ان يلفت نظر الحكومة الى خطأ وقع في تطبيق القوانين والانظمة,
وكان جلالته يجمع ذوي الحل والعقد في البلاد في قصره في كل مناسبة ويدعوهم الى التناصح ومناصرة الضعيف وكان رحمه الله يغضب اذا لم ير منهم جرأة على نصحه
ويقول:
،(ان شر الناس على الرعية الحكام الذين لا يحكمون بما انزل الله والعلماء الذين لا ينبهونهم الى مواضع الزلل) ويقول:
بل ان الناس جميعا مسؤولون امام الله بتركهم مبدأ التناصح لله ولرسوله ولعامة المسلمين فهم مسؤولون ان ينبهوا الامراء الى مواضع زللهم,
وان بابي مفتوح للعموم انصف المظلومين حتى من اولادي وذوي اقربائي وكان يرحمه الله يشرف على كافة شؤون رعيته بنفسه عاملا بقول رسول الله صلى الله عليه
وسلم (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته),،
ويحسن بنا ان نذكر على سبيل المثال لا الحصر حوادث وتصرفات تصور مبلغ عدل الملك عبدالعزيز يرحمه الله,
،1- وقفت ذات يوم امرأة مسنة على باب قصر جلالته تشكو اليه امر قضية في ميراث لها وقالت لجلالته ليس لي من يدافع عن حقوقي فنادها واخذ ما بيدها من الاوراق
ووعدها بأنه سيكون وكيلا عنها في الدفاع وبالفعل نظر في الحجج التي بيدها وارسل القضية للمحكمة الشرعية واخذ يسأل كل يوم عن تلك القضية حتى قررت المحكمة
في شأنها وابلغ المرأة الحكم وامر بانفاذه والامثلة على ذلك كثيرة,
كرمه
لقد اشتهر العرب من قديم الايام بالكرم حتى كان من ابرز صفاتهم التي اقرهم عليها الاسلام وامتدحهم بسببها, والملك عبدالعزيز يرحمه الله اشتهر بصفات الكرم
بل يعتبر من اكرم الناس قاطبة في عصرنا الحاضر لأن الملك عبدالعزيز عرف الله حق المعرفة وايقن ان كل ما اوتي من مال وخير ما هو الا من محض كرم الله فيجب
ان لا يضن به على عباد الله,, لذلك كان الملك عبدالعزيز يكرم الضيف ويجزل العطاء لكل زائر وكان يرحمه الله يردد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (انفق
بلالا ولا تخشى من رب العرش اقلالا) وقد اغدق الله عليه بسبب ذلك الخير الكثير وفتح له كنوز الارض وهناك امثلة كثيرة تدل على كرم الملك عبدالعزيز منها:
،1- اشتهر الملك عبدالعزيز بحبه للضيوف وقصده الكثير من الناس من كل جهة وخصوصا رجال القبائل فلا يمضي يوم الا وقصره مكتظا بمختلف الوافدين,
،2- لقد عرف الفقراء حب الملك عبدالعزيز للانفاق فصاروا يلاحقونه في ذهابه وايابه ويصطفون له على جوانب الطرق التي يمر بها في المدن والقرى وفي قلب الصحراء,
لذلك كان الملك عبدالعزيز لا يركب سيارته الا بعد ان يملأها بمئات الريالات بل الالوف وكلما صادف فقيرا اوقفها وامر مرافقه باعطائه حتى يصل داره او يبلغ
الجهة التي يسافر اليها,
،3- بنى الملك عبدالعزيز يرحمه الله في الرياض دارا تسمى (ثليم) اعدها للفقراء عموما ورجال البادية خصوصا واطلق عليها (المضيف) يؤمه في اليوم آلاف الناس
صباحا ومساء,
،4- جبل الملك عبدالعزيز على قضاء الحاجات ولذلك ترفع له كل يوم مئات الطلبات من جميع طبقات الشعب فلا يهمل الرد عليها وتحقيق ما يمكن تحقيقه منها ويأمر
بمساعدة من هو في حاجة الى المساعدة بمختلف المساعدات فمنح قطع الاراضي وبنى منازلا ويسر الزواج ورتب لبعضهم مرتبات شهرية او قاعدة سنوية ليست في مقابل
عمل وغير ذلك من كرمه الذي غمر كل بقاع الجزيرة العربية,
،5- عندما وقعت الحرب العالمية الثانية ودخلت ايطاليا الحرب لاح للناس شبح الموت نتيجة امتناع المسلمين عن الحج بسبب الحرب خشية توقف سير السفن في البحر
الاحمر اخذ كل واحد يعمل لادخار الارزاق في بيته ولسان حال كل واحد منهم يقول نفسي نفسي,
واذا بجلالة الملك عبدالعزيز يرحمه الله يخاطب زعماء قومه ويطمئنهم على حياتهم قائلا: لا تخافوا سنشاطركم ما لدينا من مال وارزاق ,
ثم امر جلالته باجراء مبرة ملكية من الخبز في سائر المدن والقرى واعطاء كل فرد رغيفا واحدا حتى بلغ ما وزعه في انحاء المدن مليون رغيف وقد بلغ ما ينفق
في مكة المكرمة فقط من العيش 125 الف رغيف وهذا كله من مبرة جلالة الملك عبدالعزيز,
ولم يقف حد كرم جلالته عند هذا الحد بل امر بأن يخصص لكل فرد من رجال البادية ونسائها كل شهر ثلاث كيلوات من الارز وعشرة ريالات مضافا اليها كسوة كاملة
في الصيف واخرى في الشتاء ترسل اليهم في قراهم بواسطة السيارات ويوزعها رجال امناء من قبله,
ان جلالته ينفق كل هذه النفقات ويعطي جميع هذه العطايا وهو يقول لشعبه (اني لم احصل على هذه الاموال بمجهودي بل هو رزق من الله قدره لي وجميعكم شركاء لي
فيه ولذلك ارجو ان ترشدوني الى ما يقربني الى ربي ويكون وسيلة لغفران الله لي,
فهل سجل التاريخ كرما كهذا الكرم وفضائل كهذه الفضائل,
عفوه
لقد اشتهر الملك عبدالعزيز بعفوه، ولم يكن عفوه ينصبّ على اشخاص بينه وبينهم خصومات بل كان يعفو عن اشخاص دارت حروب طاحنة بينه وبينهم، وما سمعنا ولم يسمع
احد من الناس ان احدا في عصرنا الحديث اتصف بهذا الخلق العظيم وجبلت نفسه على العفو والصفح عن خصومه واعدائه ثم الملك عبدالعزيز يرحمه الله بل ان جلالته
كان اعظم السرور لديه اذا قدر له ان يظفر بخصمه ثم يعفو عنه وهذا ناشىء عن امرين هما:
،1- انه جبل على عدم حمل الحقد في نفسه لأحد كائنا من كان,
،2- انه يؤمن بالله منتهى الايمان ويصدق بآيات القرآن منتهى التصديق ومن كلماته الخالدة لخصومه اذا وقعوا في يديه: عاهدوني على الاخلاص لله والعمل على
سعادة المسلمين واما شخصي فدعوه جانبا,
حزمه
لقد عرف جلالة الملك عبدالعزيز يرحمه الله بالحزم واخذ الامور بالحكمة الى جانب العدل والرحمة كما عرف بغيرته الشديدة على حقوق الله فلا يتساهل قط في امر
من امور الدين فإذا علم بحادث قتل لا يهنأ له بال حتى يقيم حد الله ويأخذ حق المقتول من القاتل,
واذا علم بأمر لا يرضي الله استفتى العلماء فيه ونفذ في الفاعل ما يفتي به العلماء واقام الحدود بقتل القاتل وقطع يد السارق وعزر من يتعاطى المسكرات
فانتشرت مهابته في كل مكان ورفرفت ألوية الامن في قلب الصحراء واثبت للعالم مزية العمل بكتاب الله,
تقواه
لقد تجلت صفة التقوى بأجل مظاهرها في شخصية الملك عبدالعزيز يرحمه الله يشهد بذلك كل من له ادنى صلة بجلالته,
وكان يرحمه الله يكظم غيظه ويعفو عن خصومه بل ويحسن اليهم اعظم الاحسان وهو دائم الذكر لله والخوف منه واستغفاره والتفكير فيما يقربه اليه جل وعلا وهو
الى جانب هذا شديد الحرص على تربية ابنائه وجميع افراد شعبه على الصلاح والتقوى والترفع عما يغضب الله ان من اكبر فضائل المليك اجلاله لرجال العلم
واستفتاؤهم في كل صغيرة وكبيرة والاصغاء لنصحهم والعمل بمشورتهم,
المراجع :
،1- أصدق البنود في تاريخ عبدالعزيز آل سعود تأليف : عبدالله العلي المنصور الزامل ,
،2- من شيم الملك عبدالعزيز: تأليف : فهد المبارك,
،3- البلاد السعودية تأليف فؤاد حمزة,
،4- ملوك المسلمين المعاصرين ودولهم تأليف: امين محمد سعيد,