في الاسبوع الماضي كان لشرفات حديث ذكريات مع المواطن محمد علي القرني أول سعودي يقود القطار وقائد مارد الدهناء في رحلته الأولى الى العاصمة حيث استعرضه
أمام الملك عبدالعزيز في حفل بهيج اقيم صباح السبت 19 محرم 1371 (20 اكتوبر 1951) وكنا اشرنا للتدليل على سعة افق جلالة الملك عبدالعزيز وعبقريته رحمه
الله في جعل بناء الفرد هدفا وركيزة أساسية في خططه بواقعة زيارة قام بها لمدرسة المسيجيد في المدينة المنورة ليطلب من مديرها اختيار 60 طالبا وارسالهم
الى الدمام لتدريبهم على اعمال القطار سائقين وفنيين واداريين وكان ذلك قبل ان يتم بناء القضبان الى الرياض وقد روى لنا تلك الواقعة واحد من اولئك الستين
الذين اختيروا من مدرسة المسيجيد وهو المواطن نامي حامد الاحمدي الذي عمل فترة كمساعد للقرني في قيادة القطار وكان مساعده في الرحلة الافتتاحية الى
الرياض، التي استعرض فيها القطار امام الملك حيث يقول الاحمدي,
الملك ونداء الواجب
كنا تلاميذ صغارا نتعلم في مدرسة المسيجيد بين المدينة المنورة ومنطقة بدر,, وهي مدرسة اسسها عثمان وعلي حافظ وكنت حينها طالبا في الصف الخامس الابتدائي
وكنت يتيم الأب والأم واعيش في كنف جدي حتى قام جلالة الملك عبدالعزيز بزيارة الى مدرسة المسيجيد عام 1370 هجرية في نصف السنة الدراسية,, اثناء رحلة كان
يقوم بها رحمة الله عليه من مكة المكرمة الى المدينة المنورة حيث اقامت المدرسة حفلا بمناسبة زيارة جلالته، واثناء الحفل طلب من مدير المدرسة ان يختار له
ستين طالبا من سن الخامسة عشرة فما فوق للعمل في سكة الحديد بالدمام وقد اخترت ضمن الستين وكان قد سبقنا الى المنطقة الشرقية تسعة اشخاص ايضا طلبهم الملك
عبدالعزيز من مدير المدرسة في وقت سابق,
من المسيجيد إلى الدمام
،* هل تخلّف أحد من الستين؟
،- موضوع التخلّف لم يكن واردا لدى أي منا لعدة أسباب منها انها كانت رغبة الملك المعظم كما أن المعلم كان له تأثير في حياة التلاميذ وأولياء أمورهم من
ناحية التوجيه والإرشاد فقد تحدث مدير المدرسة الينا واسمعنا كلاما مؤثرا عن تلبية نداء الوطن وشرف مجيء الملك ونحن في ذات الوقت كنا سعداء بهذا الاختيار
والتغيير الذي سوف يطرأ على حياتنا والمستقبل الذي ينتظرنا ففي ذلك الوقت كان ابن الخامسة عشرة رجلا في إحساسه وتطلعاته، وقد كان الأغرب من ذلك هو اننا
حزمنا امتعتنا القليلة وتهيأنا بملابسنا الرثة وغادرنا الى المدينة المنورة في صباح اليوم التالي مباشرة بمباركة من أهالينا وبقينا هناك لمدة يومين اشتروا
لنا خلالها ملابس جديدة وكانت عبارة عن بدل (افرنجية) حتى جاءت سيارة ونقلنا الى جدة حيث التقينا معالي الشيخ عبدالله السليمان وزير المالية آنذاك وهو
بدوره وبعد ترحيب وجهنا الى فندق صغير في جدة بقينا فيه حوالي 20 يوما لعدم وجود وسيلة نقل الى ان جاءت طائرة تابعة لشركة الزيت العربية الامريكية
،(أرامكو) وأوصلتنا الى الظهران وقد استقبلنا عدد من زملائنا التسعة الذين سبقونا الى الشرقية وأقاموا لنا حفلا خاصا ولكن ما جاء بعد ذلك كان عكس سابقه فقد
كانت الحياة بسيطة والامكانيات أبسط,, فقد اقيم لنا مخيم للاقامة,, عبارة عن خيام متهالكة ومنصوبة بطريقة غير متقنة فننام فيها ونصحو الصبح وقد وقعت علينا
ونعيد نصبها من جديد وهكذا حتى قررنا انتخاب من يمثلنا لتغيير هذا الوضع وقد جعلنا شخصا اسمه عبدالله العدواني وآخر واشتكينا الى صالح اسلام وكان مديرا
للمالية بالدمام آنئذ وهو من المدينة المنورة وكان لحركتنا مفعولا طيبا فقد تدخلت ارامكو وزارنا بعض المسؤولين فيها وقرروا اننا مازلنا صغارا على العمل
وكانت الشركة مازالت تعمل على وضع القضبان الاول للقطار والذي كان سيربط بين ميناء الدمام ومدينة الدمام فتم تحويلنا لتعلّم اللغة الانجليزية في مدرسة
بالدمام وتم اسكاننا هناك ايضا في مساكن من الاخشاب وبعد مضي خمسة شهور كان القطار قد بدأ رحلاته من الميناء الى الدمام، تم سحبنا من المدرسة وتم تفريقنا
على عدة أقسام او مجالات حيث توزعنا نحن الستين كمتدربين على عمل المحطات والحسابات والمراقبة وفريق منا كلف بالتدرب كفني على القطار وكنت من اخترت للتدرب
على قيادة القطار وقد وضعت متدربا مع سائق قطار لبناني وقد بقيت معه كمساعد حتى وصل القضبان الى ميناء العقير بالقرب من ضاحية الاحساء وكان رئيس السائقين
حينها موظفا سعوديا اسمه على الشمراني وهكذا دواليك وكان آخر من عملت معه مساعدا هو محمد بن علي القرني الذي قاد القطار الى الرياض في سفرته الاستعراضية
امام الملك عبدالعزيز بعد وصول القضبان الى العاصمة وكنت مساعده في تلك الرحلة وكان هو بالفعل اول سعودي يقود القطار,
ذكريات وأشجان
،* ماذا تتذكر من تلك الأيام؟
،- ذكريات كثيرة او قل ان اربعين سنة قضيتها في سكة الحديد من 1371 الى 1410 منها عشر سنوات سائقا للقطار,, كانت كلها اياما مشحونة بالذكريات البعيدة
والقريبة,, فأتذكر حياتنا السعيدة أنا وشركائي في البيت الذي كان عبارة عن غرفة خشبية نسميها البركس وكانوا من زملائي الستين القادمين من المسيجيد وهم
تحديدا خالي فايز خلف الاحمدي وكان عمره 16 سنة حينما قدمنا وحامد محمد الاحمدي وهو ابن عمي وعمل في قسم الحسابات وعائض عوض الاحمدي وكان مساعد سائق قطار
ثم أصبح سائقا وكنا نلقبه بالدكتور لمجرد ان له صديقا كان يعمل طبيبا في الدمام ولكن صديقنا عائض لم يبق معنا كثيرا فقد استقال وعاد ادراجه وهو الآن يعمل
في الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة,, اتذكر ايضا الدمام والظهران والخبر وهي مقفرة لاتشاهد فيها سوى الكثبان الرملية ومساكن عمال ارامكو الذين جاؤوا
من جميع قرى وبوادي المملكة بحثا عن الرزق في احوال لا يعلمها إلا الله وكان بعضنا لا يتقاضى أكثر من ريال كأجر يومي وكان يشدني منظر الرجال الطاعنين في
السن الى الحزن وهم يعملون بعيدا عن زوجاتهم وأبنائهم في تلك الغربة الأليمة ولا أنسى ازدراء هؤلاء للأجانب وكانت جماعة أي شخص تغضب منه لمجرد ان يشعروا
بأنه مقرب من هذا الأجنبي بحكم خوف غير مبرر احيانا على دينهم حيث كانت مفاهيم الناس محدودة أما من ضرب بشعور جماعته عرض الحائط واختلط بالأجانب وتعلم
لغتهم التي كان تعلمها عيبا ودليلا على الانسياق وراء هؤلاء فقد ترفع في وظيفته وبعضهم ابتعث للتدرب في الخارج وهؤلاء هم الذين تولوا المناصب العليا في
ارامكو فيما بعد او اصبحوا رجال أعمال مؤسسين للشركات والأعمال الناجحة حيث استفادوا من خبرات الأجانب ولم يفرطوا في دينهم فقد كانت طبيعتهم انفتاحية
ولديهم الاستعداد لفهم وتقبل التغيير في حياتهم,
وكادت تقع الكارثة
،* وماذا بعد؟
،- بعد ان ترفعت الى سائق قطار مررت بمواقف كثيرة لعل أبرزها تعرضي لموقف مخيف كان من الممكن ان يتسبب في كارثة وضحايا كثر فقد كنت عائدا برحلة من الرياض
الى الدمام وبعد توقفي في محطة الهفوف بالاحساء شاهدت على بعد بضعة كيلومترات غبارا يتطاير في الجو في حي المبرز وفي تلك الأثناء كان الركاب ينزلون من
قطاري والأنابيب موصولة بمطبخ القطار لتموينه بالمياه وقد خمنت ان ذلك الغبار هو لقطار مقبل بسرعة على غير البرنامج الذي ينظم حركة المرور على القضبان
فأدركت اننا سنتصادم لا محالة فقررت التحرك الى الخلف فورا واطلاق صافرة القطار للتنبيه واذا سقط احدهم ممن ينزلون من القطار فسوف يكون ذلك أرحم من ضحايا
بالعشرات واذا تقطعت انابيب المياه فسيتم اصلاح التلفيات,, المهم ان ننجو من الكارثة وبعد عودتي لمسافة أكثر من كيلومترين استقر القطار القادم في نفس
مكاني وبصعوبة وكان محملا ببضائع في 40 عربة واتضح فيما بعد انه كان لديه خلال في الفرامل, وقد اعيد الى الخلف وتم تحويله الى موقف عربات البضائع وعدت انا
الى مكاني فكانت لحظات لا تنسى حين علا التصفيق من العاملين والركاب في المحطة واذكر ان بين الركاب يومها رجل اعمال كبيراً اسمه علي الملحم وكان متوجها
إلى الدمام مع اسرته وقد صفق كثيرا وقابلني في قمرة القيادة وشكرني بحرارة,
قصة خاصة جداً
أما القصة الثانية من هذه الذكريات,, فأتذكر انه بعد وفاة الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه جاء قطار سريع من الباكستان هدية للملك سعود اذا لم تخني
الذاكرة وكان مزودا بغرف للنوم وصالونات جميلة مزودة بأشكال من النحاس والديكورات وتلفزيون وبعد اختبار للسائقين اجرته سكة حديد الحكومة السعودية كما كان
يطلق عليها حينئذ فزت بشرف قيادة ذلك القطار الخاص بالعائلة المالكة الكريمة وعملت عليه لمدة ستة اشهر حيث انقل بعضهم من الرياض الى الخرج والعكس ومما
اتذكره من تلك الفترة هو ان الامير ماجد أمير منطقة مكة المكرمة والأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية حاليا كانا في سني الشباب الأول وعنفوانه ومقبلين
على الحياة برغبة شديدة في معرفة كل شيء , وقد اقنعاني ان آخذهما في طلعات خاصة واعلمهما قيادة القطار وقد كان لهما ما ارادا ، ومما اتذكره انه كان الواحد
منهما يحرك القطار 500 متر الى الأمام والآخر يعيده الى حيث كان، وكانا يبدوان سعيدين بذلك دون ان يضغطا علي بأكثر من هذه المسافة وكان ذلك يتم على
قضبان خاص يبعد عن الرياض بحوالي عشرة كيلومترات , وكنت احاذر عن طريق متابعة حركة القطارات بواسطة الراديو من باب زيادة الاطمئنان الى خلو السكة من
قطارات اخرى,
رحلات ومصاعب
،* كم كانت تستغرق الرحلة من الدمام الى الرياض؟
،- حوالي 13 ساعة أو أكثر ثم بدأت المدة تتناقص مع كل تحسين يدخل المعدات والمناطق الرملية المحيطة بالقضبان حيث كنا نستطيع ان نقطع المسافة في وقت اقصر
ولكن التعليمات كانت واضحة وهي تهتم بالجانب الوقائي أكثر من أي شيء وكنا نحاذر كثيرا من الإبل وزحف الرمال على القضبان وكثيرا ما كان القطار يخرج عن
القضبان ونضطر لاضاعة الوقت في اعادته لها,
،* هل تحن الآن لعملك السابق وضجيج القطار وهل تلتقى بأحد من زملائك؟
امضيت نحو اربعين عاما في الخدمة عرفت خلالها الكثير من القدماء والجدد، واحلت للتقاعد عام 1410ه، وأحن احيانا الى ذلك الماضي الجميل بكل ما فيه من تعب
وشقاء ولكن عامل السن جعل حياتي من البيت الى المسجد والعكس وذاكرة تجول في الماضي ولا أكثر,, لقد اتيت من المسيجيد في خطوة لم تكن تخطر على البال ولا على
الخاطر وكنت وقتها صبيا صغيرا وعشت هنا وعشقت هذه المنطقة (الدمام) وتزوجت وانجبت يوسف وهو مدرس الآن ولديه حفيداي وله اربعة اخوة وبنتان والله أسأله
العفو والعافية,
في سطور
سجل نامي حامد مرشود الاحمدي في المؤسسة العامة للخطوط الحديدية يقول انه
،* من مواليد 1350ه في المسيجيد بالمدينة المنورة,
،* التحق بالخدمة في سكة حديد الحكومة السعودية ابان كانت تابعة لأرامكو في 1371/7/1ه( 1951) براتب قدره 230 ريالا في الشهر,
،2 تدرج في الوظائف من متدرب الى مساعد سائق قطار الى سائق قطار الى رئيس سائقي القطارات الى مدير شعبة سائقي القطارات حتى تقاعد في 1410/7/1ه,