محسن الهزاني يجيد صناعة الجناس والطباق في شعره
والجناس والطباق يعد بشكل عام نوعا من أنواع البديع ونحن حينما نقرؤه في نثر أو نظم الفصحاء لا نستغرب وجوده عندهم لعلمهم به، وبأنواعه المتعددة التي من
أجمل صياغة الجناس فيها الجناس المركب والمطلق، والجناس الملفق، وهذان النوعان يكمن في صياغتهما إيهام اذن السامع، وذلك كأن يذهب السامع الى معنى مغاير
تماما للمعنى الذي قصده الناثر او الشاعر وذلك عندما تتطابق كلمتان من الكلمات في اللفظ لا في المعنى, كقول ابي تمام
ما مات من كرم الزمان فإنه
يحيا لديّ يحيى بن عبدالله
أو في اللفظ والخط لا في المعنى كقول أبي الفتح البستي
إذا ملك لم يكن ذا هبة
فدعه فدولته ذاهبة
وفيما هو متجانس في اللفظ لا في الخط والمعنى قول المطوعي
لا تعرضن على الرجال قصيدة
ما لم تبالغ قبل في تهذيبها
فمتى عرضت الشعر غير مهذب
عدوه منك وساوساً تهذي بها
وقول ابن جابر وهو من الجناس غير التام
ايها العاذل في حبي لها
خل نفسي في هواها تحترق
ما الذي ضرك من بعدها
صار قلبي في هواها تحت رق
وبعض الشعراء يستحسن صناعة هذا اللون من البديع او قل انه يتعمد تطعيم بعض أشعاره به لاظهار مقدرته عل التلاعب بالألفاظ من ناحية ولتطريب القارىء من
ناحية أخرى,
أما الشاعر العامي فحسبي به أن البديع يأتي على لسانه بطريقة عفوية يقصد بها ترجمة الغرض الذي يريد الافصاح عنه او ايضاحه في نغمه قافية يتوافق اللفظ في
تركيب كلمته فيها, ويتباعد فيها المعنى في حال تفسيرها,
والشاعر محسن الهزاني وهو شاعر عامي لا يعرف البديع بجناسه وطباقه نراه قد أجاد صياغة هذه الأنواع من البديع، وذلك مثل قوله في وصف واحدة من جميلات رآهن
ففتنّه بجمالهن
والثالثة بيضا كما لون فضة
من شاف بارع زينها سال فضه
وجدي عليها حامي الوجد فضه
ولبست في طرق الهوى لبس درويش
فالفضة الأولى نوع من الحلي والثانية اللعاب، والثالثة من افتضاض الشيء تقول مثلا انفض الكلام أي انتهى,
وفي نفس القصيدة يقول
والرابعة قالت تخير حدانا
اللي حداك من المودة حدانا
رخص لنا ياشيخ فالوقت جانا
وحنا نجيك بليل من غير تطريس
فحدانا الأولى تعني احدنا, وفي الثانية حدانا، اضطرنا ومثل قوله في مطلع احدى قصائده
هافت غصون القلب يازيد والون
من فرط نار الشوق والوجد والون
على عماهيج لي او من ولون
نهار شديد الحني فوق الاضعان
فالون الأولى بمعنى ذبلن او يبسن، والون الثانية من الأنين ولون الثالثة من الالتواء,
ومثل قوله من قصيدة له
من عقب ماني ميّس منه جاني
عليه تفت كابع فيه قلت افت
والتفت نوع من القبا - القماش وافت قل رأيك, او أفتني في أمري فيك, ومثل قوله من قصيدة له
حط في قلبي من أسباب الهوى
له طعون في حشا روحي هوى
فهوى الأولى تعنى العشق, وهوى الثانية تعني السقوط,
ومثل قوله من قصيدة له
أكفكف دموع ألم الكف كفها
لها بين ملقا صبحن خدّي تتابع
فالكف الأولى هي اليد والثانية هي منع الدمع بالكف,
ومثل قوله من قصيدة له
خلّ نطبب ابطيب طيبة ونشفي
من حادث الدنيا الى ناب له ناب
أي نتشفى اذا كان لنوب الدنيا ومصابها فيه ناب أي ضرس ومثل قوله من قصيدة له
طفل نشاما شيف مثله ولا شهد
لا خمر لا ترياق ريقه ولا شهد
لاخد شفنا مثل خده ولا شهد
ولا شممنا قبل ريحه بالأرياح
والشهد الأولى بمعنى لم ير مثله، والثانية ريقه أحسن من طعم العسل والثالثة ولم يشهد شاهد بمثل حسن وصفاء خده,
ومثل قوله
له عين خرسا كنها عين شادن
واقصور حبه في حشا القلب شادن
خده تمر ورد والا نياب شادن
شبوب مرتكم المقاديم طياح
وشدن الأولى الظبي, والثانية البناء والتشييد، والثالثة شابهن شؤبون البرد بياضا,
ومن فنون البديع في شعر محسن الهزاني ما يعرفه بعض علماء اللغة والبلاغيين كابن معصوم وغيره بمتشابه الاطراف، وهو أن يعيد الشاعر لفظة القافية في أول
البيت الذي يليه، فتكون الاطراف متشابهة، ويكون تكرير اللفط ربطا محكما لتوثق الغرض المقصود بالتعبير، كتاب التكرير بين المثير والتأثير ص 136,
وذلك مثل قول قيس بن ذريح بن سنة بن حذافة ينتهي نسبه الى مدركة بن الياس من مضر بن نزار ولد سنة 4ه وتوفي سنة 70 ه تقريبا وهو صاحب لبنى بنت الحباب,
الى الله أشكو فقد لبنى كما شكا
الى الله فقد الوالدين يتيم
يتيم جفاه الاقربون فجسمه
نحيل وعهد الوالدين قديم
ديوان قيس لبنى 71,
أما قول محسن الهزاني والذي لا اخاله فيه إلا مجاريا الفصحاء فهو
كن جاشي يصطلي فوق الوقود
حين شفت اقرونهن الواردات
واردات طيبهن ريح خنين
والعذارى يخلفن قبل الذهين
وقوله من نفس القصيدة التي منها البيتين الآنفين
فان بغيت أفضى بصوت مستقام
ذا زمان به امور هايلات
هايلات والهوى ماله طريق
لا ترى حي ولا تلقى رفيق
كم شجاع في هوى غيه غريق
أغرقنه ساعيات بالوشاة
وقوله من نفس القصيدة
مخطر قلبي الى شفته يطير
بالخضيرا مع طيور طايرات
طايرات شاهرات مالهن
لامتاع ونوهن بي مينجعن
ناصيات روض عشب شبعن
ينجعن يمه هيا في مهزلات
وقوله من نفس القصيدة
فارس الهيجا وهوزبن الذليل
عالي الشوفات كساب الجميل
اشتكى له من جوى قلب عليل
من زمان له زروع هايفات
هايفات ما سقاهن الوصال
تالفات في هوى سمح الجمال
عين له سود تشادى للغزال
من عناديل الفلات المغزلات
وقوله من نفس القصيدة
عسكرت مسمارها في القلب طول
ذا مخالبها لقلبي صايدات
صايدات راس معلوفي وأنا
ميقن من شوق عيسى بالعنا
يانهى سدّى ويامكلي انا
اشتكى ياعيد هزل موجفات
ولقد طرب لهذه الصناعة الشعرية شعراء جاءوا بعد محسن الهزاني فأجادوا مجاراته في هذا التكرير,
ولا أريد الإطالة في تتبع ذلك عندهم ويكفي ان اذكر ما صنعه الشاعر ابن عمار واسمه محمد بن راشد بن عمار من أهالي ثادق في ألفيته المشهورة التي مطلعها,
الف أولف من جواب نظيف
وادموع عيني فوق خدي ذريف
وقد جعل قافيتها على أربعة أبيات فهي مثمنة القافية, التي مضى في بنائها على حرف التاء وجعل التكرير ما بين قافية البيت الثاني وصدر البيت الثالث في
جميع مثمناته التي بناها على حروف الهجاء من الألف الى الياء,
منها قوله على حرف التاء
التاء تبعث الزين والزين مقفي
أمشي وحتفي شايله فوق كتفي
لا شفت مجدوله وكتف وردف
مقوى التفت لو طوحوا لي بالاصوات
اصوات قالوا ياهبيل وسايح
طرد المقفى بالشقاوي فضايح
قلت ما ارد انا إلا شوركم والنصايح
مثل المطر فوق السحال المكفات
وقوله على حرف اللام
اللام ليت العمر ينكس لحله
قيمة ثلاثين السنة هي محله
الرجل قبل الشيب ياحلو دله
وان لاح فيه الشيب ما فيه لذات
ما فيه لذات ولا يقبلونه
لوحط له رده وكحل عيوينه
أهل الهوى عقب الغلا ينكرونه
لوه مصافيهم على فايت فات
ديوان الالفيات 45/1,
ولعله من المناسب جدا ان نتذوق شيئا من بعض أشعار الفصحاء خاصة فيما فيه تكرير بديع، وذلك مثل قول ليلى الاخيلية وهي تمدح الحجاج أمير العراق
اذا نزل الحجاج ارضا مريضة
تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها
غلام اذا هز القناة سقاها
سقاها دماء المارقين وعلها
اذا جمحت يوما وخيف أذاها
ومثل قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي المولود عام 23ه والمتوفى عام 93ه في بعض تغزلاته بهند
بعيدة مهوى القرط اما لنوفل
أبوها وإما عبدُ شمس وهاشم
ومدّ عليها السجف يوم لقيتها
على عجل تُباعها والخوادم
فلم استطعها غير ان قد بدا لنا
عشية راحت كفُّها والمعاصم
معاصم لم تضرب على البهم بالضحى
عصاها ووجه لم تلحه السمائم
ديوان عمر بن أبي ربيعة 208,
وتبقى الإشارة الى انني ما اردت هنا الاحصاء سواء من الشعر العامي او الفصيح بقدر ما اردت به التدليل على اتقان فن الجناس والطباق, وما تضمنته تلك الأبيات
العبقرية من بعض أنواع البديع الأخرى,
أحمد عبدالله الدامغ


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved