دالها المعتاد في ظاهر العلامة الإشارية إلى فضاء أوسع,, ينسجه المتخيل الشعري بالصورة التي تمنحه حركية الانسان, وعلى نحوما تتأنسن بعض الأشياء فتصير -
كما الإنسان - عرضة للاغتراب والاستلاب على تعبير فاضل ثامر, ومن هنا يتحتم على القارئ بوصفه جزءاً من قيمة العملية الإبداعية,, ان يكون في تعرضه للنص على
ذات درجة المغامرة التي يقوم بها الشاعر في نصه, إذ يكون النصف فضاء لا نهائياً مرهونا بجدوى العملية الكشفية لاستجلاء الغائب عن ظاهر النص, ومن ثم رصد
حركية هذه الأشياء لا بوصفها علامات لغوية, وإنما بوصفها متحركات تجاوزت محدودية علاماتها الصريحة, انطلاقاً من رغبة القارئ ذاته في تقصي حركية النص
وصولاً إلى درجة من درجات التفاعل الإيجابي,, إذ إن النص كما يوصفه ألتوسير لايبوح بكل مافي باطنه وعلى القارئ ان يقوم بالكشف كما يقوم الطبيب به فاحصاً
الأعراض, وراصداً مايقوله المريض ليشخص المرض ,
ومع اننا نتفق كلياً مع المفكر في ضرورة الفعل الاستكشافي إلا أننا قد نختلف معه في توصيفه لنتيجة العملية القرائية على أنها وصول لتشخيص المرض وربما
الاختلاف هنا ناتج عن التأويل لأن توصيف التوسير ذاته قابل لأن يؤول على غير ماقصد إليه عمداً, فإذا أخذنا نتائج العمليات الكشفية على النص على أنها وصول
لمكامن المرض, فهذا يعني شيئين: إما أن يكون النص مليئاً بالأمراض بكثرة المقاربات القرائية التي جرت عليه, وإما ان يكون المقصد متمثلا في أن القراءات
جميعها ستصل في نهاية الأمر إلى تشخيص واحد, وفي تصوري ان عملية الاتفاق القرائي على هذا النحو شبه مستحيلة، لأنها أولاً وأخيراً محكومة بالمنهجية
المختلفة والاستناد إلى مرجعيات متباينة من الحتمي أن تترك أثراً بيناً على مقروئية النص,
من هذا اليقين حاولت الولوج إلى تجربة الشاعر احمد الملا من زاوية محددة داخل ديوانه ظل يتقصف الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر, فإذا كان النص
جسداً يستجيب للعملية الكشفية يظل هذا الجسد - النص - تركيبة عضوية على درجة كبيرة من التعقيد حركياً وفسيولوجياً, وقد اخترت الكشف عن صورة الدم في
الديوان بوصفها عضواً مهماً في تركيبة النص - التجربة - فالدم في ظل يتقصف يعطي بعداً مهماً في عملية تشّوف الواقع العام من خلال ذاتية الشاعر, وهو أي
الدم يتجاوز كونه دالاً على لون أو على فاعلية جسد واستمرارية حركته إلى أن يكون هو في حد ذاته كائناً له جسد, وبه روح, ولديه قدرة على الحركة , والتوثب,
والتطاير, وتلقي الصدمات واستثارة الحلم, وكذلك التوجع والتوظيف, والدلق, وإطفاء النار, وذلك عندما يدخل فاعلاً في نسيج اللغة متخلصاً من إشاريتها
المحدودة, فيبدو الدم الذي اعتدناه تمثيلاً لدورة تقليدية كلاسيكية في الجسد,, يبدو متحرراً من دورانه التقليدي ليتحول إلى أشياء مادية وأيقونية, لاتفصل
الدال كصورة صوتية,, عن المدلول كصورة ذهنية, فالشاعر في صور كثيرة عمد إلى توظيف الدم في غير مواضعه المعروفة في مرجعيتنا الذهنية, فبدل الخضوع إلى
انتظام الدورة التي يمارسها في هدوء الجريان وفق شروط وظيفته الطبيعية نراه أكثر حركية بالتوثب,
كان دماً يتوثب
الرصاصة أشفقت كمدية حارقة
وشقت فماً ليصيح ص9
الدم في هذا المقطع يبدو كاسراً لتقليدية جريانه بالتوثب المؤهل للصراخ, والخالص من العادية,, حتى وإن كانت المفارقة في الصرخة الغائبة او المكتومة التي
أنتجتها الرصاصة بتحريكها لسكونية الفم كي يصيح,
الجدار ملؤه دهشة الطين
يرقشه صراخ دمك
على وزنٍ غاب ص10
وهو هنا يدخل دائرة الفاعل حيث ينفلت من استسلامية النزف إلى الصراخ العلني, فلا يرضى بكونه مفعولاً به على أثر المأساة,, بل يسهم في رفع ستر السكونية
السلبية عنه, فيرقش بصراخه الجدار - الشاهد - على علنية الحركة الرافضة, ومع محاولات الشاعر بالانفلات عن طريق الدم كلفظة متحررة من ضيق إشاريتها
اللغوية,, يبقى ذلك الدم لدى الشاعر معادلاً للحياة, والحياة هي المساحة التي ينمو عليها الحلم, وبالتالي فكل شيء في الحياة يتحرك ويحلم, ولابد له من دمٍ
يفعل أنسجته, ويغذي التناميات الحركية فيه, وباتجاه الذي لم يتحقق بعد, والجماد عند الشاعر ليس مهملاً غابت عنه حركية الحياة, أو ديناميتها, فهو الآخر
يقبل أن يدب الدم في عروقه, ويتنهد بوجود حياة في جماديه,
فاستفاق المارة
وترجلوا ليروا حجراً
دبّ دمّ في عروقه
كلما تنهّد
سال إلى التراب ص62
والحلم بوصفه كائناً معنوياً يحفل أيضاً بمظاهر الحياة وحركية الدم, وهو لدى الشاعر عادة مهدد بالقتل، والفقد, والاستحالة, لكنه يمثل الناحية المثلى التي
تتجسد فيها جدوى الحياة، كأن تكون ذات أي شيء دون الحلم لاتساوي إلا الموت، لذلك نرى الحياة في تجربة الشاعر مرهونة بدينامية الحلم الحي المتحرك بفعل الدم
فيه,
ها هي مدية ,,أنجزت حلمي
وخرجت معتمة بالدم ص63
إن صورة الدم في الديوان تؤكد فاعلية دوالها المتعددة على اتجاهين غنيين,, الأول: بصري مشهدي ينتج عن تداخل الأفعال عليه في الظاهر الجملي او المقطعي,
والثاني: يتأسس على المتخيل فيتخطى حدود المفردة ليتعامل مع حقلها الدلالي في شمولية اوسع, وقد تعامل الشاعر معه ست عشرة مرة بصيغ مباشرة تدل على وجوده,
كلفظ وبصيغ كثيرة تدل على غيابه المباشر وحضوره القوي في المتخيل كوحدة في نسيج ذات جمعية مفطومة على الحلم,
الحلم سلّمهم ,,إذا تعثر الطريق
يرجمون به وحشة الفراغ ص79
ولأن الحلم في رؤية الشاعر محقق لمعادلة الحياة,, يوظف الدم دائماً على انه عابر لألفة المتحركات, ومن ثم يسوغ لوجوده في الجماديات والمعنويات وفي اللغة
ذاتها كأداة للنفاذ الفعلي، وتصوير الأشياء ظاهرياً وجوهرياً,, سواء برفض الكائن أو في صيغ التمنيّ,
لوذاك لنا,
لدفعنا حروف الروح
كي يستظل نخل عارٍ ص25
واستخدام الشاعر لكلمة يومية عادية من مثل يخبط في تقابلية جدلية مع الدم تعطينا إشارة حسية بحالة الصدام الذي يحدث صوتاً مخنوقاً في الظاهر ومرتفعاً حدّ
الصراخ في الغائب او السكوت عنه, لكنه ينتهي إلى إحداث فعل حركي نتج عن الصدام بين طرفين هما: الحجر في جماديته, والدم في مائيته,
أغمضت على بكائي
حجر يخبط في دمٍ
على تمتمات شيوخ
تعد الأيام بأن أتيبّس ص62
ثم أن الشاعر يعطي الدم خاصية بصرية وفاعلة رغم وقوع الفعل عليه في كثير من الجزئيات الشعرية وهو كذلك لايعتبر القصيدة آخر الوجع الذاتي, فيصورها مولوداً
له ذات الحركية بأبعادها العملية المختلفة، فتكون كائناً حياً وبه أفعال دم، بل ويكون لها مشروعية الحلم كما للشاعر ذاته في طلب التحقق, وهي ليست مكونات
للغة ضالة, أو جامدة, او مقيدة بظاهرية الدال المباشر, ولكنها كائن,, له جسد,, وفيه دم, وتعيش في نسيجه روح, وتتحرك فيها فاعلية أعضاء وهكذا يكون الدم في
تجربة احمد الملاّ إشارة إلى الحياة والفعل في كل مكونات الطبيعة على اختلافاتها وتنوع وظائفها, وبالتالي فإن النص لا يكون حياً إلا بحركية الدم والحياة
فيه,
القصيدة ,,بدمها
أطفأت نار الورقة ص102