سبحانه وتعالى ليكون منقذاً للأمة مما تعانيه من فرقة سياسية واختلال في الأمن وتدهور في الاقتصاد وتدن في مستوى المعيشة، إضافة الى إحيائه لدعوة الشيخ
محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، وتأييده لعلمائها، حيث جعل منهم المستشارين والقضاة والمفتين، فكانت كلمتهم نافذة وأحكامهم مطبقة، فعاش الناس في ظل حكمه
ودستوره عيشة آمنة مطمئنة,
ولما كانت القصيم من أهم المناطق النجدية التي لعبت دوراً مميزاً في حروب الملك عبدالعزيز لتوحيد البلاد، فقد رأيت أن أبرز دور أهلها في هذه الحركة
التوحيدية التجديدية، ليعرف القارىء من خلال هذه الوقائع ان صدق الولاء واحترام البيعة والانضواء تحت راية ولي الأمر من أهم الاسباب لحفظ الدين وتحقيق
الوحدة والأمن وتأمين السبل وتوفير العيش وتنمية البلاد,
وإذا كان الماضي نواة للحاضر، فإن الدولة السعودية في دورها الثالث حلقة مكملة للدولة السعودية في دوريها الأول والثاني، لأن مبادئها متفقة، وأحداثها
متصلة، وكان للعقيدة السامية دورها المميز في تسيير أحداث هذه الدولة في أدوارها الثلاثة، ذلك ان رابطة اللسان لا تستقيم، ورابطة المصالح لا تدوم إذا لم
يكن هناك رابطة في الدين ينضم الناس تحت لوائها، فتؤثر فيهم، ويتأثرون بها، لذا رأيت أن أمهد للموضوع بذكر أهم احداث القصيم في الدولة السعودية الأولى،
لأبين الرابطة بين العهدين، وأوضح أهمية الدين في توحيد الشعوب,
القصيم,, الإنسان والأرض
ولما كانت القصيم هي مسرح الأحداث السياسية والحضارية في هذا الموضوع، فيجدر بنا التعريف بها قبل الخوض في أحداثه ليتضح لنا مدى أهميتها السياسية
والحضارية في ذلك الوقت، فيقول الشيخ محمد العبودي في معجمه: تعد القصيم إحدى المقاطعات النجدية التي تتصف بنقاء الهواء، ووفرة الماء، وخصوبة الارض، وكثرة
المراعي، كما أن أهلها اشتهروا بتحمل المشاق، وقوة البأس، وكانوا من أنشط النجديين في التجارة والصناعة والاتصال بالعالم الخارجي (1) ، ولعل رجال
العقيلات الذين وطئت أقدامهم أراضي العراق والشام ومصر والسودان,, وغيرها خير دليل على ذلك، حتى إن أولاد علي في مصر وهم رجال القصيم قد شاركوا في حفر
قناة السويس التي تم انجازها سنة 1869م (2) ,
وتتمتع القصيم بموقع استراتيجي جعل القوى المتصارعة تتسابق الى الاستيلاء عليها، لأنها بوابة نجد الشمالية الشرقية، فمن استولى عليها استولى على نجد كلها،
ومن كان أهل القصيم معه اطمأن أن نجداً ستكون تحت سلطته, (3) ,
ومن العوامل الهامة التي أبرزت رجال القصيم أن ولاءهم لمن أعطوه العهد عن رضا ورغبة لا يتغير، ولذلك فقتالهم في الغالب لأجل الدفاع عن الدين وتطبيقه
وتوسيع رقعة ولي الأمر الذي يقاتلون تحت رايته، كما أنهم أهل نخوة ونجدة، فقل أن تجد معركة من معارك نجد في تاريخ دولة آل سعود في أدوارها الثلاثة لم
يشترك فيها لواء أومجموعة منهم, ففي عهد الدولة السعودية الأولى أخذ أمير بريدة في ذلك الوقت حجيلان بن حمد آل أبو عليان يسعى جاهداً لتبليغ الدعوة
السلفية، وضم البلاد المجاورة له أو البعيدة عنه لحكم آل سعود، فوصلت جيوشه الى بلاد شمر، وإلى حدود بادية الشام والعراق، وذلك في نهاية القرن الثاني عشر
الهجري وبداية القرن الثالث عشر الهجري، وقد ظل حجيلان بن حمد محافظاً على ولائه لآل سعود حتى سقطت الدرعية على يد ابراهيم بن محمد علي باشا سنة 1233ه،
وكان حجيلان بن حمد من ضمن من أخذه ابراهيم باشا معه من زعماء الدولة السعودية في دورها الأول، وقد توفي حجيلان بن حمد في المدينة المنورة سنة 1234ه, (4) ،
وفي عهد الدولة السعودية في دورها الثاني جدد أهل القصيم ولاءهم لآل سعود في عهد الإمام تركي بن عبدالله ومن بعده الإمام فيصل بن تركي، ولزموا البيعة
وشاركوا في حروب هذين الإمامين، وعندما نشب الخلاف بين أبناء الإمام فيصل بن تركي لم يشترك أهل القصيم في أحداث هذا الخلاف، بل لزموا الحياد، واستقل
امراؤهم بإماراتهم مكونين حكماً محلياً حتى تمكن أمير حائل محمد بن عبدالله الرشيد من ضم القصيم وإدخالها تحت سلطته وذلك بعد انتصاره على أهل القصيم في
معركة المليدا سنة 1308ه,
ولما بدأت شمس آل سعود تشرق على نجد من جديد، وأخذت طلائعهم على عهد الملك عبدالعزيز رحمه الله تسعى جاهدة لاستعادة حقهم المسلوب، تطلع أهل القصيم يتقدمهم
العلماء للانضواء تحت راية القائد الجديد، فكانت معركة الصريف، ومحاولة الملك عبدالعزيز استرداد حكم آبائه في الرياض للمرة الأولى سنة 1318ه، ثم استعادة
الرياض وما حولها، ثم القصيم ونهاية حكم آل رشيد فيها، وبما أن احداث هذه المعارك غير مجهولة، فإني سأركز على دور رجال القصيم في هذه المعارك لخدمة حماة
الدين من آل سعود,
معركة الصريف سنة 1318ه
بعد معركة المليداء سنة 1308ه والتي انتصر فيها ابن رشيد على أهل القصيم، انسحب من القصيم من استطاع الخروج من أمراء الأسر الحاكمة فيها، وكان من ضمنهم
أفراد من اسرة آل مهنا امراء بريدة، وافراد من اسرة آل سليم امراء عنيزة، وقد وصلوا الى الكويت فاستقروا فيها يعانون آلام الغربة ويتطلعون للعودة الى
بلادهم، ثم حدثت احداث جعلت أمير الكويت مبارك الصباح يقرر غزو ابن رشيد في نجد، فخرج من الكويت ومعه الامام عبدالرحمن الفيصل آل سعود وابنه عبدالعزيز
وكذلك آل مهنا وآل سليم، وفي الطريق انفصل الملك عبدالعزيز بسرية صغيرة قاصداً استعادة الرياض ولم يتحقق له ذلك، أما بقية الجيش فقد اتجه الى محاربة ابن
رشيد، وقبل وصول الجيش الى القصيم، ارسل الامام عبدالرحمن ومن معه من آل مهنا وآل سليم الى أهلها من يخبرهم بقدومهم، فاستقبل هذا الخبر بسرور تام، وأخذوا
يجمعون الأموال ويجهزون الرجال لهذه الحرب، وقد تمكن آل مهنا وآل سليم من دخول بريدة وعنيزة بعد أن هرب واليا آل رشيد فيهما, (5) ،
ثم لما وقعت المعركة اشترك كثير من أهل القصيم في هذه الحرب الى جانب الامام عبدالرحمن الفيصل، وكان من ضمن من أبلوا بلاء حسناً فيها أمير الربيعية في ذلك
الوقت عبدالله بن حمود البازعي وهو شمري الأصل ولكنه فضل ولاء الدين على ولاء القبيلة، ومنهم اسرة الربدي وأسرة الجربوع وغيرهم كثير، إلا أن هؤلاء قد وقع
عليهم العبء الأكبر بعد انتهاء المعركة, فقد سلم البازعي للامام عبدالرحمن ما عنده في بيت المال الخاص بالربيعية والشماسية والنبقية، كما ساهم عبدالرحمن
وابراهيم الربدي بأموال كثيرة في هذه الحرب، وشارك الجربوع بنفسه في هذه الحرب، وبعد انتهاء المعركة بانتصار ابن رشيد وهزيمة جيش مبارك الصباح، تفرغ ابن
رشيد للانتقام من هؤلاء الذين بقوا في مدنهم ولم يغادروها، فقد قبض على البازعي وفرض عليه غرامة مالية كبيرة وهدده بالقتل إن لم يسددها، وقد يسر الله عز
وجل له تسديد هذا المبلغ، حيث طلب قاضي الشماسية الشيخ ضيف الله بن سيف من جماعته أن يتبرعوا باضحياتهم لأمير الربيعية، كما وصلته تبرعات من أهل الربيعية
والنبقية، (6) وأما اسرة الربدي فقد عانت من قسوة وظلم ابن رشيد لها، فقد قتل عبدالعزيز بن متعب بن رشيد كبير اسرة الربدي وهو الشيخ عبدالرحمن الربدي
وابنه سليمان، كما صادر اموالهم وتقدر بثمانين الف ريال فرنسي، وكذلك ابلهم وخيولهم، كما قبض على ابراهيم شقيق عبدالرحمن وأودعه السجن، وطلب منه ان يسلمه
دفاتر حساباتهم مع الناس الذين يتعاملون معهم لتصفية أموالهم والاستيلاء على ما في ذمم الناس من ديون، كما تعرض للأذى والقتل كثير من أفراد أسر القصيم ممن
اشتركوا في هذه المعركة, (7) ،
وإذا كانت هذه المواقف تنبىء عن مظاهر بطولية لأهل القصيم الذين أيدوا الحق ووقفوا الى جانبه في جميع احداث القرن الهجري الماضي، حيث بخلوا بأموالهم
وأنفسهم على من فرض سيطرته بالقوة عليهم، وعرضوا مصالحهم للخطر وهم مدركون له، فإنهم على النقيض من ذلك في ولائهم وطاعتهم لآل سعود حيث جادوا بأنفسهم
وأموالهم في سبيل نصرتهم وتأييدهم، ومن الأمثلة على ذلك ما قدمه الشيخ ابراهيم الربدي من كرم وأدب وحسن تعامل مع الملك عبدالعزيز، فبينما كانت الحروب
قائمة احتاج ا لملك عبدالعزيز الى مبلغ من المال وهو بعيد عن الرياض، فطلب من الشيخ ابراهيم الربدي اقراضه هذا المبلغ حيث ارسل اليه رسولاً يحمل معه رهن
المبلغ، فقال له الشيخ ابراهيم: نحن والمال تحت اشارة الملك عبدالعزيز، ولسنا بحاجة الى الرهن أو التوثيق، فإن سلم الله الإمام عبدالعزيز فإن المال سيعود،
وإن كان غير ذلك فليس المال بأعز علينا من الإمام نفسه, (8) ،
معركة البكيرية سنة 1322ه
بعد معركة الصريف وما حدث فيها من انتصار لابن رشيد، وما أعقبها من محاولة انتقام من ابن رشيد ضد أهالي القصيم الذين انضموا الى الامام عبدالرحمن الفيصل
حيث كثر القتل والتعذيب ضد أهل القصيم، فلا يوجد بيت من بيوتهم الا وفيه قتيل أو جريح أو طريد، وكان الشاعر محمد بن عبدالله العوني ممن عاصر هذه الحادثة
وتألم من مآسيها، فكتب قصيدة طويلة يستحث بها همم أهل القصيم من تجار عقيل، ويهيب بهم العودة إلى القصيم للدفاع عنها وطرد المعتدين، وقال في مطلع قصيدته