يعرفونه ولا يحسنون نطقه الصحيح إذا وجدوه مكتوباً أمامهم, فالغالبية من الناس يقرأ الكلمة حِجراً بكسر الأول, وليس هذا بمستغرب على المتأخرين، فهناك من
المتقدمين من التبس عليه أمرها؛ فقد ورد في رسم الأبرقين من معجم البلدان لياقوت الحموي وهو يتكلم عن أبرقي حُجر بضم الحاء الواقعين على جادة حاج
البصرة قوله:
،(فأكثر ما يريدون به أبرقي حُجر اليمامة),،
وهذا الخلط بين المواضع ليس من ياقوت الحموي، ولكنه جاء كما يبدو من النساخ الذين لم يفرقوا بين قول ياقوت، وبين ما كتب تعليقاً خاطئاً من غيره,
وفي الأسبوع الماضي بينما كنت أسير عبر أحد شوارع مدينة الرياض سررت عندما قرأت لوحة مكتوب عليها بالخط العريض صيدلية حَجر اليمامة فلم أتمالك نفسي حتى
دخلت هذه الصيدلية لأشكر من سماها بهذات الاسم, فسألت الصيدلي عن الشخص الذي أطلق اسمحَجر على هذه الصيدلية، فأجابني بقوله: أولاً، أحب أن أصحح لك لفظ
الاسم فهو حِجر اليمامة بكسر الحاء وليس بفتحها كما نطقته، أما الشخص الذي اختار هذا الاسم فهو صاحب الصيدلية الأول الذي اشتراها منه كفيلي الآن,
وكان الصيدلي من مواطني احدى الدول العربية فراح جزاه الله خيراً يزيد في شرحه عن الاسم, وأن اليمامة هي الحمامة إلى آخر الشرح الذي لم أدعه يكمله لأنني
على عجلة من أمري,
فقلت له بعد أن صححت له فهمه المغلوط: إذاً الشكر موصول لصاحب الصيدلية الأول لأنه هو الذي اختار هذا الاسم عن دراية ومعرفة!!،
وحَجرٌ، بفتح الحاء، وإسكان الجيم: مصدر كلمة حَجَرَ يقال (حَجَرَ يَحجُرُ حَجراً) ومنه حَجر القاضي على أي إنسان ومنعه من التصرف في ماله,
وإذا أطلقت هذه الكلمة على اسم مكان فهو حَجرُ اليمامة ,
أما كلمة حِجرٍ بكسر الحاء وإسكان الجيم؛ فإذا قصد بها المكان فمما تعنيه الحِجرُ حول الكعبة المشرفة، وكذا الحِجرُ ديار ثمود قوم النبي صالح عليه السلام
الواقعة على الطريق بين المدينة المنورة والشام، وقد ورد ذكرها في الأحاديث النبوية وفي القرآن الكريم (ولقد كذّب أصحاب الحِجر المرسلين),،
أما كلمة حَجَر بفتح الحاء والجيم فيسمى بها رجال منهم:
حَجَرُ: جد العالم الجليل أحمد بن علي بن حَجَر العسقلاني شارح كتاب صحيح البخاري، ومنهم والد الشاعر أوس بن حَجَر التميمي وحُجرٌ، بضم الحاء واسكان
الجيم: يسمى بها رجال ايضاً مثل والد الشاعر امرىء القيس بن حُجرٍ الكندي وأحد أجداده حُجر الملقب بآكل المُرَار,
وما يعنينا هنا هي كلمة حَجر بفتح الحاء وإسكان الجيم؛ فحَجرٌ هي سُرَّةُ اليمامة ومنزل السلطان والجماعة، ومنبرها أحد المنابر الأولية: مكة، والمدينة،
واليمن، ودمشق، واليمامة، والبحرين، والكوفة, (1) ،
سبب هذه التسمية:
كانت حَجرٌ تسمى قديماً الخضراء وعندما احتلها عُبَيدُ بن ثعلبة الحنفي وحَجَرها عليه وعلى بنيه من صلبه؛ سُميت حَجراً, قال الهمداني:
،(ثم القرية الخضراء خَضراء حجر التي التقطها عبيد بن ثعلبه بن الدول ولم يشرك فيها أحداً، وهي حضور طسم وجديس وفيها آثارهم وحصونهم وبُتُلهم، الواحد بتيل
وهو هَنٌ مُرَبَّع مثل الصومعةمستطيل في السماء من طين, قال أبو مالك: لحقت منها بناء طوله مائتا ذراع في السماء قال وقيل كان منها ماطوله خمسمائة ذراع من
أحدها نظرت زرقاء اليمامة إلى من نزل من حَوّجان من رأس الدام مسيرة يومين وليلتين، وكانت جديس تسكن الخِضرِمَة (2) وكانت طسم تسكن الخضراء) (3) ,
وقد ذكر ياقوت الحموي خبر احتجاز عبيد بن ثعلبة الحنفي لقصور الخضراء وحدائقها وتسميته لها ب حَجر حيث قال:
،(حَجرٌ: بالفتح، يقال: حجرت عليه حَجراً إذا منعته فهو محجور، والحِجرُ، بالكسر بمعنى واحد,
وحَجر: هي مدينة اليمامة وأم قراها، وبها ينزل الوالي، وهي شركة إلا أن الأصل لحنيفة، وهي بمنزلة البصرة والكوفة، لكل قوم منها خطة إلا أن العدد فيه لبني
عبيد من بنة حنيفة؛ وقال أبوعبيدة معمر بن المثنى: خرجت بنو حنيفة بن لُجيم بن صعب بن بكر بن وائل يتبعون الريف ويرتادون الكلأ حتى قاربوا اليمامة على
السَّمت الذي كانت عبدالقيس سلكته لما قدمت البحرين، فخرج عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة منتجعاً بأهله وماله يتبع مواقع القطر حتى
هجم على اليمامة فنزل موضعاً يقال له قارات الحُبَل، وهو من حجر على يوم وليلة (4) ، فأقام بها أياماً ومعه جار من اليمن من سعد العشيرة ثم من بني زبيد،
فخرج راعي عبيد حتى أتى قاع حَجر فرأى القصور والنخل وأرضاً عرف أن لها شأناً وهي التي كانت لطسم وجديس فبادوا,,,, فرجع الراعي حتى أتى عبيداً فقال:
والله إني رأيت آطاماً طوالاً وأشجاراً حساناً هذا حَملُها، وأتى بالتمر معه مما وجده منتثراً تحت النخل، فتناول منه عبيد وأكل وقال:
هذا والله طعام طيب!،
وأصبح فأمر بجزور فنحرت ثم قال لبنيه وغلمانه: اجتزروا حتى آتيكم، وركب فرسه وأردف الغلام خلفه وأخذ رمحه حتى أتي حجراً فلما رآها لم يَحُل عنها وعرف أنها
ارض لها شأن فوضع رمحه في الأرض ثم دفع الفرس واحتجز ثلاثين قصراً وثلاثين حديقة وسماها حَجراً وكانت تسمى اليمامة،,,,, ثم ركز رمحه في وسطها ورجع إلى
أهله فاحتملهم حتى أنزلهم بها، فلما رأى جاره الزبيدي ذلك قال:
يا عبيد الشرك! قال: لا بل الرضا، فقال: ما بعد الرضا إلا السخط، فقال عبيد: عليك بتلك القرية فانزلها، القرية بناحية حَجر على نصف فرسخ منها، فأقام
الزبيدي أياماً ثم غَرِضَ فأتى عبيداً فقال له:
عوضني شيئاً فإني خارج وتارك ما ههنا، فأعطاه ثلاثين بكرة، فخرج ولحق بقومه، وتسامعت بنو حنيفة ومن كان معهم من بكر بن وائل بما أصاب عبيد بن ثعلبة
فأقبلوا فنزلوا قرى اليمامة وأقبل زيد بن يربوع عم عبيد حتى أتى عبيداً فقال: أنزلني معك حَجراً,,, وقال لعمه:
عليك بتلك القرية التي خرج منها الزبيدي فانزلها، فنزلها في أخبية الشّعَر وعبيد وولده في القصور بحجر، فكان عبيد يمكث الأيام ثم يقول لبنيه: انطلقوا إلى
باديتنا، يريد عمه، فيمضون يتحدثون هنالك ثم يرجعون، فمن ثم سُمّيت البادية,, إلى أن قال:
فهذا هو السبب في تسميتها حَجراً,,,) (5) انتهى قوله باختصار, من النصوص القديمة يفهم أن اسم حَجر اليمامة جاء من حَجر عبيد بن ثعلبة، ما احتجره عليه
وعلى بنيه؛ إلا أن لأستاذنا عبدالله بن خميس رأياً يخالف هذا، حيث قال بعد إيراده للنصوص:
،(ويذهب بعض المؤرخين إلى أنها سميت حَجراً لأن عبيد بن ثعلبة الحنفي هو الذي احتجرها بعد أن بادت منها قبيلة طسم وسبق إليها عبيد هذا, والحقيقة ان اسم
حَجر كان موجوداً أيام طسم، وإنما احتجر عبيد جانباً منها وإلا فهي قديماً تسمى خضراء حَجر ، ويبدو أن تكوينها وطبيعة ارضها حيث تحتجزها الحزون من كل
جهاتها كانت هي سبب التسمية الأولى وهذا شيء طبيعي,,,) (6) انتهى,
ومع وجاهة هذا المنحى الذي مال إليه الأستاذ عبدالله؛ إلا أنه لم يورد لنا نصاً قديماً يتضمن وجود التسمية من أيام طسم,
ومن قبله كان لشيخنا حمد الجاسر رأي حول معنى اسم حَجر، فبعد أن أورد تعليل المتقدمين من المؤرخين بأن سبب التسمية هو احتجاز عبيد بن ثعلبة ما احتجز منها
فسميت حجيرته حَجراً، قال:
،(ولكن تلك المدينة كانت موجودة قبل نزول بني حنيفة فيها، في عهد طسم، حيث كانت تسمى خضراء حَجر ، وكلمة هجر والهاء والحاء حرفان حلقيان يكثر بينهما
الابدال يقصد بها في لغة العرب العاربة قرية ، قال الهمداني في صفة جزيرة العرب:
والهجر القرية بلغة حِمير، والعرب العاربة، فمنها هجر البحرين، وهجر نجران، وهجر جازان) (7) انتهى كلامه,
أقول:
الذي أميل إليه أن سبب التسمية هو ما ورد صراحة في أقوال قدماء المؤرخين من أنها جاءت بعد التقاط عبيد بن ثعلبة لها وتسميته إياها ب حَجر ,
ولم أجد فيما قرأته من أقوال القدماء من قال: إن اسم حَجر قديم وأنها كانت تسمى بهذا الاسم قبل حلول بني حنيفة فيها,
أما الاسم الوارد في صفة جزيرة العرب للهمداني خضراء حجر فهو في نظري مجرد تمييز للقرية الخضراء، حيث قال وهو يتكلم عن صفة العَرُوض والبحرين ونجد، وقد
مر معنا في النص المتقدم:
،(,,, ثم القرية الخضراء خضراء حجر التي التقطها عبيد بن ثعلبة بن الدول إلى أن قال وكانت جديس تسكن الخِضرِمَة وكانت طسم تسكن الخضراء,,,) (8) ,
أما كلمتا حجر و هجر فلا تقارب بينهما من حيث اللفظ أو المعنى؛ فكلمة حَجر بالفتح ثم السكون، أما كلمة هَجَر فهي مفتوحة الأول والثاني,،
والذي أراه: هو أنه لا يسوغ لنا العدول عما جاء بنص وارد صريح إلا بنص أقوى منه مع الترجيح,
ويبدو لي أن احدى العيون القديمة واسمها عين الخضراء منسوبة إلى هذه القرية التي سكنها عبيد بن ثعلبة وأسماها حَجراً,
وكانت مجاري هذه العين وغيرها ظاهرة فوق سطح الأرض يشاهدها الناس، وممن وقف عليها وتفحصها شيخنا حمد الجاسر حيث قال: (وكانت مدينة حجر تسقى قديماً من
العيون، ويشاهد المرء عندما يسير على شفير وادي البطحاء الغربي متجهاً من الرياض إلى منفوحة يشاهد سلسلة من الكظائم الخرز تمتد حتى تصل الى الروضة
الواقعة شمال منفوحة في مفيض الوادي التي تدعى الآن الخضرمة وقد عددت من تلك الكظائم في احدى المرات أكثر من ثلاثين خرزة وهي تمثل مجرى عين قديمة), (9) ،
ويقول الاستاذ عبدالله بن خميس وهو يتكلم عن عين الخضراء : (عين الخضراء: عين حَجر الرياض الآن تقبل هذه العين من شمالي الرياض مما يلي جبال مغرزات
وقف الموَنَّسِيَّة وما حولها، وتذهب منقادة مع وادي الوتر البطحاء الآن ,,, وقريباً عثر على نفقها تحت بناء مؤسسة النقد بأعلى البطحاء شرقيها فظنه بعض
الصحفيين كهفاً، فنقل خبراً عنه في جريدة الرياض فصححنا هذا الخبر بوقته وبينا أنها عين حجر اليمامة), (10) انتهى,
أقول: مما يؤيد كلام الأستاذ عبدالله بن خميس في قوله إن هذه العين تقبل من شمالي الرياض من جهة مغرزات وقف المونسية أنني أثناء تتبعي للطريق التجاري من
حجر اليمامة إلى الكوفة حرصت كثيراً على التعرف على أول ماء يردونه وهو ماء الحُبَل المنسوبة له قارات الحبل التي نزل عندها عبيد بن ثعلبة عندما قدم
إلى اإليمامة وعثر على حَجر وسكنها, وبما أن هذا الماء الذي يرده المسافرون من حجر إلى الكوفة يبعد عن حَجر خمسة فراسخ فقط، أي ثلاثين كيلاً؛ فقد قدرت
مكان وجوده وبالبحث والتحري في المكان وجدت أن الأرض قد تغيرت معالمها، وقد أفادني ابن الخال الرائد عبدالعزيز عبدالله الشايع أن الشركة المنفذة لأحد
المشاريع في الموقع واجهتها مشكلة وجود حفرة في الأرض كلما ملؤوها رملاً وصبوا عليه الماء غار الماء والرمل مع نفق طويل، وقد عرفني على من كان مرافقاً
للشركة المنفذة للمشروع فأفادني بأنه نزل مع بعض المهندسين الأجانب داخل هذا النفق فلم يجدوا له نهاية وفي الأخير طمروه وقام عليه حديقة، وعندما أوقفني
على مكانه لاحظت أن الموقع قد تصدعت أرضه ونزلت بسبب سقيا الحديقة، كما أفاد بأنهم التقطوا لهذا النفق عدة صور حفظت لدى الجهة التابع لها المشروع، وقد
حرصت على الاطلاع على هذه الصور فلم يتيسر لي ذلك في حينه، ومن وصفه وهو وصف مشاهد نزل في هذا الحفر ومشى مع النفق اتضح لي أنه مجرىمائي وقد يكون أحد
المجاري التي تغذي العين الخضراء, وقد تكلمت بإسهاب عن الحبل وقاراته في ما كتبته عن طريق الكوفة من حجر اليمامة,
ولعل هذه المجاري المائية القديمة البادية آثارها إلى عهد قريب هي التي حدت بالإمام فيصل بن تركي (رحمه الله) منذ أكثر من مائة وسبعة وثلاثين عاماً أن
يفكر بجلب المياه عبر قنوات من الأماكن المرتفعة البعيدة عن الرياض، وقد أشار الى هذا المقيم البريطاني في بوشهر الليفتنانت كولونيل لويس بلي الذي قام
برحلة على ظهور الابل من الكويت إلى الرياض لمقابلة الإمام فيصل عام 1282ه الموافق 1865م,
ومن الأمور التي دار النقاش حولها بين الإمام فيصل والمقيم البريطاني بلي مشكلة المياه وما قاله بلي في كتابه عن رحلته تلك:
،(إن نجداً نفسها تحتوي بين تلالها على بقايا قنوات ري كثيفة قديمة، وكانت تراود الإمام الرغبة في إصلاح بعض هذه القنوات؛ وخاصة تلك التي تتجه من المناطق
المرتفعة إلى سدير),،
كما ذكر بلي أن الإمام أمر بإجراء اتصالات معه عن طريق سكرتيره أي سكرتير الإمام مفادها أنه سيكون مسروراً إذا أمكن جلب بعض الآلات إلى ضواحي العاصمة
لرفع الماء بحيث تكون من نوعية أفضل من آلة الدولاب الشائعة وأقوى منها,
وقال بلي: وقد أكدت له أنني سأكون سعيداً في أن أساهم في عمل حكيم كهذا، وقد تم الاتفاق في النهاية على أن أقيس عمق الماء في الآبار وأن أحصل له على زوج
من المضخات المطورة أو أية آلات أخرى من انجلترا,, وأردف قائلاً: إنه فوض من قبل وزارة خارجية بلاده برصد مبلغ (150) جنيهاً لشراء مضخات لتقديمها للإمام,
ثم قال: لقد بينت الأحداث اللاحقة أنه لم يكن من المستحسن أن أقوم بإهداء المضخات في ذلك الوقت,,) (11) ,
أقول: سبحان مغير الأحوال: لقد بخل بلي بمضختين كانتا حلماً يراود الإمام فيصل بن تركي تغمده الله برحمته، والآن بحمد الله نرى الماء يضخ من البحار
عذباً زلالاً تشرب منه مدينة الرياض وغيرها من مدن المملكة، وهذه نعمة يجب علينا نحن أبناء هذا الجيل شكر الله عليها,
موقع حَجر اليمامة:
من قراءتي في كتب قدماء المؤرخين وعلماء المنازل والديار؛ اتضح لي أن موقع حجر اليمامة هو المكان الذي تتربع عليه الآن عاصمة المملكة العربية السعودية
الرياض وهذا ما أجمع عليه المؤرخون والباحثون في وقتنا الحاضر ومنهم:
الشيخ محمد بن بليهد في كتابه صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار ,
الشيخ حمد الجاسر في كتابه مدينة الرياض عبر أطوار التاريخ ,
الشيخ عبدالله بن خميس في كتابيه تاريخ اليمامة، ومعجم اليمامة ,
الدكتور صالح بن سليمان الوشمي رحمه الله، في كتابه ولاية اليمامة ,
الاستاذ خالد بن أحمد السليمان في كتابه معجم مدينة الرياض ,
الاستاذ ابراهيم بن عبدالعزيز السبيعي في كتابه الجغرافيا التاريخية لمنطقة الرياض ,
الاستاذ فهد بن عبدالعزيز الكليب في كتابه الرياض ,
كل هؤلاء وغيرهم أجمعوا على مكان حجر اليمامة ، ولم أكن أتصور أن أحداً يشك في أن موقع حجر اليمامة هو المكان الذي قامت عليه الرياض إلا بعد أن بدأت
بتحقيق طرق الحج والتجارة من اليمامة وحجر اليمامة فبعد أن قطعت شوطاً كبيراً في تتبع مسارات هذه الطرق ورصد أعلامها؛ جمعتني بالاستاذ الدكتور عبدالرحمن
الطيب الأنصاري جلسة صارحته خلالها بما كنت عزمت عليه من تحقيق لهذه الدروب والمسالك، وأنني مستمر الآن بتحقيق الطريق الأيمن لحاج حَجر اليمامة ,
ولشد ما دهشت عندما وجه لي سؤالا مقتضبا هو:
ولكن اين تقع حَجرُ اليمامة؟!،
ولأول وهلة عرفت أن وراء هذا السؤال السهل الموجه من أستاذ كبير مثل الدكتور عبدالرحمن إجابة صعبة,
ولكن رددت على هذا السؤال بإجابة قصيرة على قدر السؤال الموجه، فقلت: حَجر اليمامة هو هذا المكان الذي قامت عليه مدينة الرياض، وخصوصا الجهة الجنوبية
الغربية منها شرقي وادي حنيفة,
فقال لي: هذا ما استقر عليه رأي الباحثين، ولكن هناك رأياً مغايراً حول تحديد مكانها, وهذا الرأي قال به أحد الباحثين حيث خلص في بحثه إلى أن حَجر اليمامة
هو مايسمى بلدة اليمامة في محافظة الخرج الآن ؛ لذا يجمل بك الرجوع إلى ما قاله هذا الباحث لعلك تخرج بنتيجة واضحة حول ما أثير,
وقد شكرت للدكتور عبد الرحمن الأنصاري تنبيهي الى هذا اذ انني لم اطلع على هذا البحث عندما نشر في حينه,
وبما أني اود ان تكون انطلاقتي في تتبع الطرق في اليمامة وحجر اليمامة مبنية على اسس سليمة، لذا حبذت الوقوف على وجه الخلاف حول تحديد موقع حجر اليمامة ,
وبعد قراءتي لهذا البحث المناقض لجميع الآراء اتضح لي ان ما جاء فيه بعيد عن الصواب، وفي حينه جرى نقاش بيني وبين كاتب هذا البحث على صفحات جريدة الرياض,
ولم ينه هذا النقاش الا تدخل شيخنا حمد الجاسر حيث كتب مقالاً بعنوان: وهل موقع مدينة حجر من الجهالة الى هذا الحد؟! ,
وبهذا المقال وضع الشيخ حمد النقاط على الحروف - كما يقولون - وأجاب عن التساؤلات الحائرة حول موقع مدينة حجر وبذا قطعت جهيزة قول كل خطيب,
وقد دعاني الى التنبيه الى النقاش الدائر حول هذا الموضوع في كتابي الذي صدر مؤخراً باسم بين اليمامة وحجر اليمامة امران:
الأول: ان ما دار من نقاش قد تخلله امور اثرت الموضوع المناقش، وذلك باضافة نصوص واقوال كشف عنها كثرة الطرق على بوابة حجر,
الأمر الثاني: خشية ان يأتي - فيما بعد - من يشكك في الموقع الصحيح لحجر اليمامة فيعيدها جذعة,
وما رأيته حول موقع حجر اليمامة موافق لاجماع المؤرخين والباحثين في وقتنا الحاضر, مع ان تتبعي لمسارات الطرق من اليمامة وحجر اليمامة كشف عن براهين
دامغة تكفي لوحدها على التعرف على مكان حجر ,
حدود حَجر اليمامة
من الصعوبة بمكان ابداء رأي جازم ودقيق بتحديد الحيز الذي كانت تشغله حجر اليمامة في عصرها الأول، الا انه من اقوال السابقين واللاحقين نستخلص القول
بتحديدها على منحيين:
المنحى الأول يتكلم عن قرية محدودة الامتداد تحيط بها النخيل والمزارع وهي ما يسمى بالقرية الخضراء التي احتجزها عبيد بن ثعلبة الحنفي وقصرها عليه وعلى
بنيه من صلبه,
والمنحى الثاني: اطلاق مسمى حجر على تلك القرية وما جاورها من قرى ومزارع وان نأت عنها قليلاً,
ولعل هذا المنحى الأخير هو ما ذهب اليه الشيخ حمد الجاسر، حيث قال: (يفهم من كلام المتقدمين ان مدينة حجر تشمل قصوراً متفرقة ومحلات تتخللها حدائق النخيل
وانها كانت تمتد على ضفاف وادي الوتر من الشمال الى الجنوب باتجاه الوادي، وتنتشر فيما بينه وبين وادي العرض ويرى المتقدمون ان عبيد بن ثعلبة الحنفي لما
نزلها نزل منها في الشط ، قرية كانت في قبلة حجر بين الوتر والعرض قد اكتنفها حجر وفيها حصن معتق الذي تحصن فيه عبيد الحنفي لما نزل حجراً ,,,,
ومدينة حجر كانت تقع بين هذين الواديين الا انها تنتشر على جوانب البطحاء شرقاً وغرباً، وتمتد بامتداد الوادي في الربوات التي تنخفض عن التلال الصخرية
وترتفع عن مجرى السيول فيما بين الجبل المعروف قديماً باسم الخُربة وحديثاً باسم ابو مخروق حتى تقترب من منفوحة (12) انتهى كلامه,
والذي أميل اليه حسبما ظهر لي من اقوال القدماء هو: أن حجر اليمامة مدينة محدودة المساحة وهي القرية المسماة الخضراء - خضراء حجر - يحيط بها العديد من
النخيل والقرى,
وفي تصوري ان هذه المدينة تمتد على ضفة وادي الوتر الغربية من الشمال مكان يعرف بقصر ثُلَيم وجنوبا ما يعرف الآن بشارع القري ثم تمتد غرباً الى قصر
الحكم الآن والمصمك والمسجد الجامع اما ما كان غرباً من ذلك فهو موقع سوق حجر وهذا السوق من اسواق العرب القديمة، وقد اطلت الكلام حول تحديد موقعه في
كتابي بين اليمامة وحجر اليمامة
من الأمور الدالة على ان مدينة حجر اليمامة محدودة المساحة على رقعة صغيرة من الأرض الواقعة على الضفة الغربية لوادي البطحاء - الوتر قديما- وخاصة في
العصر الجاهلي وصدر الاسلام؛ وصف المؤرخين وعلماء المنازل والديار، وتحديدهم للمسافات بينها وبين القرى القريبة منها، وكذا موارد المياه الواقعة على الطرق
القديمة فمثلا على ذلك:
،1- تحديدهم لقرية البادية بأنها واقعة جنوب حجر على بعد نصف فرسخ فقط: أي ثلاثة أكيال، وهذا يعني أنها واقعة بين حجر ومنفوحة وهي الى منفوحة أقرب,
،(13) ،
،2- ما ذكره صاحب كتاب بلاد العرب عن قرية منفوحة حيث قال:
وهي بين حجر ومهب الجنوب، على طريق جوٍّ من حجر، وهي من سوق حجر على ميلين (14) ,
إذاً قرية منفوحة كانت تقع جنوب حجر على بعد ميلين؛ أي أربعة أكيال فقط وفيما بينهما تقع البادية التي اصبحت تسمى المُحرَّقة بعد احراقها حينما دب
الخلاف بين ابناء عبيد بن ثعلبة بعد موت أبيهم,
،3- تحديدهم لقرية وبرة بأنها تبعد عن سوق حجر نحو من ثلاثة أميال (15) ,
ومعروف ان المدن والقرى كانت في الماضي ذات حجم صغير نظرا لتقارب مبانيها وضيق أزقتها لظروف كانت تحتمها الحالة الأمنية,
وفي الأمس القريب أدركنا مدينة الرياض محدودة المساحة محاطة بأسوار ذات أبراج دفاعية، فما بالك بأصلها مدينة حجر في سابق عهدها,
متى أختفى اسم حَجر وظهر مكانه اسم الرياض
كما هو معروف فإن مدينة حجر اليمامة ازدهر شأنها في العصر الجاهلي عندما سكنها بنوحنيفة، واصبحت تضم سوقا من أكبر اسواق العرب في الجاهلية والاسلام، وقد
استمر هذا الازدهار في عهد الخلفاء الراشدين وعصري الدولتين الأموية والعباسية إلا انه بعد ان توالت الفتن والقلاقل في جزيرة العرب منذ بدء الضعف في
الخلافة العباسية في القرن الثالث الهجري ومن ذلك العهد بدأ شأن مدينة حجر يقل ويضعف,, حتى اصبحت في القرن العاشر الهجري عبارة عن قرى صغيرة متفرقة (16) ،
,،
ففي القرن الثامن الهجري في سنة 732ه زارها الرحالة ابن بطوطة وقال عنها انها مدينة اليمامة، وتسمى حجر ووصفها بأنها مدينة حسنة، خصبة، ذات أنهار
وأشجار,
أما في القرن التاسع الهجري فذكر الشيخ حمد الجاسر ان من أبرز أخبار مدينة حجر في منتصف هذا القرن 850ه ما ذكره بعض المؤرخين عن وفود ربيعة بن مانع الجد
الثاني عشر للمغفور له الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل، على صاحب حجر والجِزعة وهو ابن درع وربيعة هذا من عشيرة ابن درع,
ولهذا منحه ابن درع أرضين في نواحي الدرعية (17) ,
بعد ان ذكر الشيخ حمد الجاسر بعض الحوادث التي جرت خلال القرن الحادي عشر قال: وفي هذه الحقبة برز اسم الرياض، بعد زوال اسم حجر عنها، وانحصاره في جزء
صغير من موضع المدينة القديم، وما زال يتقلص حتى صار علما لبئر كانت تقع على الضفة الغربية من وادي الوتر المعروف الآن باسم البطحاء (18) ,
أقول:
مما يدل على ان اسم حجر قد حل مكانه اسم الرياض في أول القرن الثاني عشر ما جاء في قول الشيخ عبدالرحمن الجبرتي وهو يؤرخ لأحداث سنة 1236ه ويذكر ما
جرى بعد تخريب الدرعية حيث قال:
,,,, واما عُمر وأولاده وبنو عمه فتحصنوا في قلعة الرياض المعروفة عند المتقدمين بحجر اليمامة، وبينها وبين الدرعية أربع ساعات للقافلة (19) ,
وقد ازدهرت الرياض في عهد الإمام تركي بن عبدالله مؤسس الدولة السعودية الثانية, وفي عهد ابنه الامام فيصل بن تركي زار الرياض الرّحالة بلغريف سنة
،1279ه الموافق 1862م ووصفها بقوله:
وفي المنحدر الصخري الذي كنا واقفين على قمته، تقع مدينة الرياض، في رقعة مربعة واسعة تتوجها بروج عالية واسوار دفاع قوية، وتتعالى بين أشجارها شرفات
البيوت، التي يبرعها كلها بعلوه وضخامته قصر الإمام فيصل بن تركي (20) ، وبالقرب منه قصر ابنه البكر عبدالله ولم يكن سكنه بعد (21) ,
الطرق من حَجر اليمامة وإليها:
أعني بالطرق هنا، الطرق القديمة التي كان يسلكها العرب في أسفارهم على ظهور الإبل للحج أو التجارة,
وحجر اليمامة واقعة على ملتقى طرق عديدة كان العرب يسلكونها منذ العصر الجاهلي الى عصور متأخرة,
وعند انتهائي من تتبع مسار طريق الحج البصري وتحقيق أماكن أمياله ومنازله من منزل النباج شمال شرق القصيم الى ميقات ذات عرق أدركت ان مسارات الطرق
القديمة تعين كثيرا على تحقيق الأماكن التاريخية والجغرافية في بلادنا؛ لذا صوبت نظري نحو حجر اليمامة - الرياض حاليا- عسى ان اهتدي الى تحقيق مسارات
الطرق القديمة الخارجة منها,
وأصدقكم القول بأنني حاولت فارتد نظري حسيرا، والسبب هو ما وجدته في النصوص القديمة من التداخل، وعدم الوضوح؛ تلك النصوص التي من قرأها حسب أنه امام أحاج
ومعميات يصعب حلها,
وقد ادركت ما عانى منه استاذنا عبدالله بن خميس حينما قال عن النصوص التي تكلمت عن الطرق الخارجة من حجر اليمامة :
هذا ما حدده صاحب كتاب بلاد العرب عن طريق اليمامة الأيمن ولم يحدد مساره، ولم يفرق بينه وبين طريق المنار،وطريق المنكدر؛بل جاء في تحديده لهذين الطريقين
بما يحير العارف بين ما يعدده ويورده وبين الواقع (22) ,
وقد صدق الأستاذ عبدالله في قوله هذا، فبعد ان توفر لدي العديد من النصوص، وتعرفت على العديد من الأماكن التي تمر عليها هذه الطرق؛ احترت كثيرا امام هذه
المعميات؛ مما جعلني اطوي وريقاتي وأحفظها الى حين,
وعن طريق الصدفة بينما كنت في احدى جولاتي في وسط عالية نجد شاهدت كومين من الحجارة فوقفت امامهما متفحصا ومتسائلا عن كنههما، ولماذا وضعا في هذا المكان
على هذه الصورة,
ولست أدري كيف شبهتهما بأعلام وأميال طريق الحج البصري التي كنت حديث العهد بها,
وقد انحصر تساؤلي في سؤال واحد وهو: ألا تكون هذه الحجارة المركومة من علامات الطرق القادمة من اليمامة الى مكة المكرمة؟,
وعندما ألقيت هذا السؤال على مرافقي في هذه الرحلة - الأستاذ سعد بن علي الماضي ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة؛ فادركت مدى استغرابه من مجرد التفكير بمثل
هذا التعليل,
وقدرت ان احرى طريق يمر من هذا المكان هو الطريق الأيمن لحاج حجر اليمامة فقررت العودة باتجاه قرية معدن الأحسن- البجادية الآن- لأن هذه القرية أقرب مكان
من ناحية الشرق للمكان الذي نحن فيه، حيث ذكر في النصوص ان هذه القرية من موارد هذا الطريق, وما كدنا نسير قليلا حتى عثرنا على علم بارز ثم علم ثان وثالث
وهكذا فأمسكت بطرف الخيط, وقد أسميت هذين العلمين مفتاح الطريق لمعرفتي بسببهما ان للطرق من اليمامة وحجر اليمامة أعلاما شبيهة بما هو موضوع على مسارات
الطرق من الشام والعراق,
ولا غرابة في ذلك فقد سمي احد الطرق المتجهة من حجر اليمامة الى مكة بطريق المنار ,
عند ذلك عدت الى وريقاتي التي طويتها ونفضت عنها الغبار، وبدأت القيام برحلات مكثفة في وسط عالية نجد وحول مدينة الرياض واليمامة في محافظة الخرج الآن ,
وبسبب مفتاح الطريق هذا تكشفت لي مسارات الطرق على ظهر جبل طويق ومنحدراته فتتبعت مسارات هذه الطرق وسجلت مئات الأعلام، وحققت العديد من الأماكن
التاريخية والجغرافية الواقعة على مسارات هذه الطرق,
وقد انتهيت من تتبع مسار الطريق الأيمن لحاج حجر اليمامة وصدر بذلك كتاب حددت فيه أماكن اعلامه وموارده,
وقد انحصرت الطرق التي تعرفت عليها منطلقة من اليمامة وحجرها بالطرق التالية:
،1-الطريق الأيمن لحاج حجر اليمامة,
،2- طريق المنار من حجر اليمامة الى مكة,
،3- طريق تجاري من حجر اليمامة الى الكوفة,
،4- طريق تجاري من حجر اليمامة الى البصرة، ولها أكثر من طريق,
،5- طريق المنكدر، وهو طريق حج قديم قادم من البصرة ويمر شمال حجر اليمامة ,
أما الطرق المنطلقة من اليمامة بمحافظة الخرج الآن فهي:
،1- الطريق الأيمن لحاج اليمامة ,
،2- الطريق الأيسر لحاج اليمامة ,
،3- طريق تجاري يتجه الى الكوفة,
،4- طريق تجاري يتجه الى البصرة,
وبعض هذه الطرق تتبعت مساراتها ووقفت على أعلامها وتعرفت على منازلها ومواردها، وحققت العديد من الأماكن التاريخية والجغرافية التي تمر بها,
على ان هناك طرقا اخرى تجارية لم اتعرف على مساراتها بعد إلا ما مررت على أعلامه منها عرضا فقد سجلتها لدي واعرف مساراتها واتجاهاتها,
أعلام الطرق المثيرة للدهشة والجدل:
بما ان كثافة اعلام الطرق في نجد على اختلاف اشكالها وانماطها تدعو للدهشة والاستغراب، فبعد ان انهيت تتبع اعلام الطريق الايمن من حجر اليمامة الى مكة
المكرمة، ورصدت اعلامه ومنازله، وسجلت مئات الاعلام وحددت اماكنها على مختلف مسارات الطرق؛ احببت ان استطلع آراء المتخصصين بالآثار عما لديهم حولها,
فنشرت مقدمة كتابي بين اليمامة وحجر اليمامة في جريدة الرياض عام 1416ه، وقد نقضت بما قلته حول أعلام الطرق ما كان سائدا عند البعض من مفهوم حول المذيلات
والركامات الحجرية الموجودة على المرتفعات والآكام حيث قال عنها فريق اجنبي من علماء الآثار بأن هذه المذيلات والركامات ما هي إلا مدافن ومقابر من العصر
الحجري,
وعندما قلت بما نشرته ان غالبية ما شاهده هذا الفريق ما هو إلا اعلام للطرق وليس مدافن أو مقابر، رد عليّ أحد المتخصصين بالآثار ردا قاسيا مدافعا عن هذه
المذيلات والركامات، وقد عقبت على رده في حينه، لأن رده كان مبنيا على تأثره بما قاله هذا الفريق الأجنبي، ولم يأت بشيء جديد مقنع إلا اللهم بعض التساؤلات
الحائزة التي تربك من يبحثون في هذا المجال,
ومن ذاك الوقت ضربت صفحا عن هذا الاعتراض واستمررت على ما ظهر لي من حقائق ملموسة، وقد اقتنعت بصدق المثل القائل:
مغني الحي لا يطرب ,
ومع انني لا أنكر بأن هناك بعض الركامات والمشاهد الآثارية المشابهة لأعلام الطرق وتشترك معها في كثير من السمات، أو التسمية سواء كانت مساكن أو مدافن،
إلا انه يمكن التفريق بين هذه وتلك,
ويمكنني بفضل الله التفريق بين أعلام الطرق والآثار الأخرى القديمة، وان سميت بمسمى واحد, وهذا مثال على ما أقوله:
قال صاحب لسان العرب :
الإرَمُ: حجارة تنصب علماً في المفازة والجمع آرَامٌ، وأُرُمٌ مثل ضِلَع وضُلُوعٌ, وفي الحديث: ما يوجد في آرام الجاهلية وخِربها فيه الخُمس,
والآرَامُ: الأعلام، وهي حجارة تجمع وتنصب في المفازة يهتدى بها، واحدها إرَم كَعِنَب,
عند تحقيقي لمكان أُود وهو من الأماكن التي وردت في الشعر العربي وغير معروف في وقتنا الحاضر, استرشدت ببيت الفرزدق الذي يقول فيه:
والحَوفزان تداركته غارة
منا بأسفل أُودَ ذي الآرَام
وأُودُ هذا من الأماكن التي عولت عليها كثيرا في تحقيق الأماكن الواردة في معلقة امرىء القيس وبسبب هذا البيت من الشعر اهتديت اليه، وهو واقع في وسط
حَزَن بني يربوع شمال غرب حفرالباطن وعندما وصلت الى أسفل أود وجدت الآرام التي ذكرها الفرزدق وهي آثار مساكن موغلة في القدم تمتد بامتداد فيضة من
أجمل الفياض التي شاهدتها, ولم أقل عن هذه الآرام بأنها أعلام طرق,
وهناك شاعر آخر ذكر آراماً ولكنها واقعة في وسط عالية نجد ذكرها الشاعر جامع بن عمرو بن مُرخية بقوله:
نظرت بذي الآرام يوما وعادني
عداد الهوى بين العناب وخنثل
وقد وقفت على هذه الآرام الواقعة بين العناب وخنثل، وحكمت على ما شاهدته هناك فإنها أعلام طرق وليست مساكن أو مقابر، وهي أعلام مكثفة تعد بالعشرات، وتكثفت
هناك لمرور أكثر من طريق في تلك الناحة,
ومثلها ما أشار اليه الشاعر زياد بن منقذ في قصيدته المشهورة وهو يحن الى بلدته أُشيّ التي يقول فيها:
متى أَمرُّ على الشَّقراء مُعتسفاً
خلَّ النَّقا بمروح لحمها زِيَمُ
ياليت شعري عن جنبي مُكشَّحةٍ
وحيث تُبنى من الحِنَّاءة الأُطُمُ
عن الأشاءَة هل زالت مخارِمُها
وهل تغيّر من آرِامها إِرَمُ
بالنسبة لي لم يعد عندي أدنى شك في أن ما يشاهد فوق الآكام، والظِّراب والقفاف، والجبال من مذيلات ورجوم أو دوائر حجرية، ان الغالبية العظمى منها أعلام
للطرق، وان اختلطت بآثار مساكن قديمة أو مدافن للموتى - وهذا نادر- فإنه يمكن تمييز هذه من تلك,
والاعلام الموضوعة على مسارات الطرق لها أشكال مختلفة منها العلم المخروطي الشكل، والعلم الدائري، والعلم المذيل، والعلم الذي يجمع بين هذه الأشكال كلها
أو بعضها, ولاشك ان لكل علم دلالته التي يرمز اليها، ومثل هذه الدلالة تحتاج الى دراسة متعمقة تبنى على المقارنة بين اعلام تلك الطرق,
والكلام عن مدلالات هذه الأعلام يحتاج الى كتاب مستقل، بعد حصر الكثير من الأعلام ووضعها في مجموعات، ثم التعرف على العناصر التي تربط بينها والغرض الذي
وضعت من أجله في مكانها الذي بنيت فيه,
وأقول: لو أصر البعض على ان اليمامة ونجد لا يوجد فيها أعلام طرق- كما قيل- واصبح ما نشاهده من آلاف تلك المشاهد الآثارية ما هو إلا مقابر ومدافن للموتى
منذ عصور متقدمة؛ فالصواب ان يغير مسمى جزيرة العرب الى مقبرة العرب ,
ومما اثلج صدري انه بعد ان نشرت ما كتبته عن اعلام الطرق في جريدة الرياض عام 1416ه؛ بدأ بعض من يكتبون عن الآثار بتسمية بعض مشاهداتهم بأعلام الطرق, وقد
أهدى اليّ الأستاذ عبدالله بن سعد الراشد نسخة من رسالته التي قدمها لنيل درجة الماجستير عام /1418 1419ه, باسم دراسة أثرية للمواقع الاسلامية بمنطقة
مراة وقد لاحظت انه سمى الركامات الواقعة فوق المرتفعات المطلة على الشّمس والشُّميسة علامات طرق، ولاشك انه أصاب في قوله هذا,
وما زلت أتتبع مسار الطريق الذي هذه من أعلامه، وقد قطعت فيه شوطا لا بأس به,
ومما يدل على ان من رد عليّ عندما نشرت عن أعلام الطرق لأول مرة ما زال على رأيه وشكه حول ما توصلت اليه؛ ما نشره مؤخرا في جريدة الرياض حول تلك الركامات
والمذيلات الموجودة فوق الصفراء الواقعة جنوب شرق مراة حيث وقف عليها مع عدد من زملائه علماء الآثار، ومما كتب يتضح انه ما برح في شكه وتساؤله حولها,
والكلام عن الطرق وأعلامها يطول، والمقام لا يتسع للإطالة,
وان كان لي من اضافة أختم بها القول عن أعلام الطرق فهي:
يجب علينا توخي الحذر والحيطة مما يكتبه الرحالة والمستشرقون عن تاريخ وآثار بلادنا وألا نُسلِّم بكل ما قالوه,
ولست بهذا أنكر ما لهم من فضل، وما اضافوه من علوم ومعارف فيما دونوه عن بلادنا؛ إلا ان عدم المامهم بأمور ديننا، وعاداتنا، وطرق معيشتنا يجعل آراءهم حول
تاريخ وآثار بلادنا غير دقيقة؛ هذا مع تحسين الظن, ومثالا على هذا ما قاله آدم مِتز وهو يتكلم عن المواصلات البرية عند العرب في كتابه الحضارة الإسلامية
في القرن الرابع الهجري، أو عصر النهضة الإسلامية حيث قال:
لم يعمل العرب أيام سيادتهم على تقدم نظام الطرق البرية في بلاد المشرق، لأن العرب أمة ركوب لا تميل الى تمهيد طرق الجيوش ولا الى اتخاذ المركبات,, على ان
فرق المشاة الرومانية كانت قد مهدت بعض الطرق في جزء من بلاد العرب، ولكن لم يبق من آثارها إلا الفاظ قليلة مأخوذة من اللاتينية مثل كلمة سراط ومعناه
الطريق عند أهل الدين، وكلمة أيتار التي تستعمل نادرا بمعنى الطريق وهي مأخوذة من اللاتينية؛ هذا الى جانب علامات الطرق المسماة بالأميال,
أما الأيتار المُليكي الطريق السلطاني فقد أخذ العرب طريقة انشائه عن الفرس؛ كما أخذوا عنهم هذه التسمية,
ولعل طرق ذلك العهد شأنها شأن طرق اليوم لم تكن إلا شبكة من المسالك المطروقة لا يربطها نظام، ولانسمع عن عناية العرب بتعهد الطرق,, (23) ,
أقول يا سبحان الله؛ أبمثل هذه الأقوال يطمس ما للعرب والمسلمين من مجهودات عظيمة في انشاء الطرق القديمة؟
ويقيني ان آدم مِتز لو سار مع الطريق السلطاني درب زبيدة كما سار معه الدكتور سعد الراشد عندما حقق لنا مساره، أو سار مع طريق الحج البصري كما سرت
معه؛ وشاهد أميال وأعلام هذين الطريقين وتنقية ما يعترض الطريق من موانع كحجارة الحِرَار والقفاف، وشاهد اقامة الاستراحات ومصادر المياه من آبار وبرك لحفظ
مياه السيول؛ لما قال ما قاله هنا,
وظني أن آدم مِتز ما دام على هذه النظرة للعرب والمسلمين لو أنه شاهد ما شاهدته من أعلام الطرق المنتشرة في طول البلاد وعرضها والتي تعد بالآلاف وكان
سكان البلاد وغيرهم يستدلون بها عندما يسافرون على ظهور الإبل من شرق الجزيرة الى غربها، ومن جنوبها الى شمالها,
ظني به ان الدهشة ستسيطر عليه وقد يقول بما قاله من جاء بعده بأن هذه مقابر ومدافن من العصر الحجري,
واقول من فوق هذا المنبر بأني على أتم استعداد بصحبة من يود الوقوف على أعلام الطرق عبر مختلف مساراتها، وخصوصا تلك التي انهيت تحقيقها أو كدت لكوني احتفظ
بدرجات مواقعها وصورها,
وفيما يلي سأعرض لكم نماذج لأعلام الطرق على اختلاف أنواعها,
وبالله التوفيق,
الهوامش:
،(1) زرقاء اليمامة كانت نظرتها من أحد بتل اليمامة الواقعة في محافظة الخرج الآن لأنها متزوجة في جديس وبالخضرمة منازلهم، ويبدو ان أبا مالك شيخ
الهمداني كان يتكلم عن بتل طسم وجديس في الخضرمة وحجر, أما كونها نظرت من أحد بُتل حجر اليمامة فأمر مستبعد نظرا لتعذر الرؤية منها لمن ينزل من مرتفعات
الدّام جنوب الخرج؛ لوجود موانع طبيعية تحول بين زرقاء اليمامة والجيش القادم من هناك,
،(2)قارات الحُبَل: هي ما يسمى الآن مُغرّزات وهي تقع شمال مدينة الرياض، وقد امتد اليها العمران في الوقت الحاضر، والقول بأن بينها وبين حجر يوم وليلة
قول فيه نظر, والصحيح ان بعدها عن حجر مسافة ليلة فقط كما ورد عند البكري في معجمه رسم قارات ,
،(3)كتاب بلاد العرب: للأصفهاني, تحقيق حمد الجاسر، وصالح العلي، ص357,
،(4)صفة جزيرة العرب: للهمداني, تحقيق محمد الحوالي واشراف حمد الجاسر، دار اليمامة سنة 1397ه-1997م,ص284,
،(5)معجم البلدان: ياقوت الحموي, دار بيروت سنة 1408ه-1988م,ص221/2,
،(6)معجم اليمامة: عبدالله بن خميس,ط2 سنة 1400ه-1980م,ص294/1,
،(7)مدينة الرياض عبر أطوار التاريخ: حمد الجاسر,ص14
،(8) قال ياقوت الحموي في رسم خَضراء خضراء موضع باليمامة، وهي نخيلات وأرض لبني عطارد , ومن كلمة نخيلات يفهم انها مكان آخر غير الخضراء ذات الشأن
والتاريخ العريق,
،(9)مدينة الرياض عبر أطوار التاريخ: حمد الجاسر,ص20
،(10)معجم اليمامة: عبدالله بن خميس,ص197/2,
،(11)رحلة الى الرياض: لويس بلي, ترجمة وتحقيق عبدالرحمن الشيخ وعويضة الجهني, جامعة الملك سعود، سنة 1411ه,ص80,
،(12)مدينة الرياض عبر أطوار التاريخ: حمد الجاسر، ص15-16,
،(13)معجم البلدان: ص221/2,
،(14)بلاد العرب: ص361,
،(15)بلاد العرب:ص358,
،(16)مدينة الرياض عبر أطوار التاريخ:ص80,
،(17)مدينة الرياض عبر أطوار التاريخ:ص85,
،(18)مدينة الرياض عبر أطوار التاريخ:ص92,
،(19)تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار: عبدالرحمن الجبرتي, دار الجيل- بيروت، ص 628/3,
،(20)كتب الاسم في المرجع تركي بن فيصل ولاشك انه سبقة قلم من المترجم,
،(21)الإمام تركي بن عبدالله: منير العجلاني: ص295,
،(22)معجم اليمامة: عبدالله بن خميس, ص102/2,
،(23)الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري: آدم متز, تعريب محمد ابوريدة, دار الكتاب العربي، ط1387ه- 1967م, ص404/2,
* تم القاؤها ضمن موسم دارة الملك عبدالعزيز مساء الأحد 1419/8/24ه في قاعة مكتبة الملك فهد الوطنية,