خلصنا في الحلقة السابقة إلى أن الملك عبدالعزيز - يرحمه الله - قد دخل بلاد القصيم بتأييد من أهلها ومواقف بطولية من رجالها, وقد كانت تلك الانتصارات
|
ساعتين يشيب اللي حضرها
يمة الجدي من روضة مهنا
كن ربي على الدنيا حشرها
تالي الليل غاب البدر عنا (1) ،
|
وفي هذه المعركة قتل عبدالعزيز بن متعب بن رشيد وعاد من سلم من جيشه الى حائل, اما الملك عبدالعزيز فقد صفا له الجو في القصيم، فذهب الى بريدة وعزل اميرها
صالح الحسن المهنا لعدم ولائه وعين مكانه محمد العبدالله ابا الخيل وهو من اسرة المهنا, ولكن يظهر ان الذين اثروا على صالح الحسن المهنا وزينوا له
الاستقلال، قد اثروا على محمد العبدالله ابا الخيل فزينوا له الخروج على الملك عبدالعزيز والتحالف مع امير حائل، ولما تأكد لاهل بريدة خروج اميرهم عن طاعة
ولي الامر، رفض أكثرهم مبايعته وفي مقدمتهم العلماء، ولم يلجؤوا الى مقاومته ومعارضته علنا حتى لا يعرضوا انفسهم واهلهم لبطش الامير وغضبه، ثم اخذوا
يراسلون الملك عبدالعزيز بأنهم معه ضد اميرهم، وانهم سيتحينون الفرصة المناسبة لدعوته وفتح احد ابواب سور بريدة له، ولما حانت الفرصة ارسل اهل بريدة الى
الملك عبدالعزيز يخبرونه انهم سيفتحون باب السور الشمالي عند أذان العشاء، فلما وصل الملك عبدالعزيز الى السور في الموعد المحدد، فتحوا له الباب، فدخل
المدينة وفرض الحصار على حصنها حتى استسلم محمد العبدالله ابا الخيل، فطلب الامان على نفسه، فأمنه الملك عبدالعزيز فنزل من الحصن وسافر الى العراق، وهكذا
استعاد الملك عبدالعزيز مدينة بريدة بمؤازرة وتأييد من اهلها دون اراقة دماء او قتل ابرياء وذلك في ربيع الآخر سنة 1326ه,, وقد عين الملك عبدالعزيز
الامير احمد السديري اميرا على منطقة القصيم، ثم اشرف الملك عبدالعزيز على التنظيمات الادارية والقضائية فيها، وجلس فيها بعض الوقت، ثم خرج منها ليواصل
سعيه لتوحيد البلاد، فخاض حروبا كثيرة فرض سيطرته خلالها على الاحساء وعسير وحائل والحجاز، وكان لاهل القصيم دور بارز في هذه الحروب حيث كان منهم القادة
والمستشارون، وكثير منهم قتلوا شهداء ان شاء الله في هذه الحروب التي قادها الملك عبدالعزيز لتوحيد صف المسلمين وجمع كلمتهم تحت راية لا إله إلا الله محمد
رسول الله,
الملك عبدالعزيز وعلماء القصيم
عندما وصلت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله الى منطقة القصيم تلقاها العلماء والطلبة بالقبول والتأييد، وانضم حكامهم الى حماة هذه الدعوة من آل
سعود، ولما كانت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب تركز على تصحيح ما اختل من عقيدة التوحيد مثل التبرك بالقبور والاضرحة,, وغيرها، وطلب النفع او دفع الضر
منها، فقد ظهر من علماء القصيم من تأثروا بعلماء من خارج ارض الجزيرة، فاختلفوا مع علماء الدعوة حول تكفير من تبرك بالقبور والاضرحة، وطال الجدل والخلاف
بينها، وقد شاءت ارادة الله سبحانه وتعالى ان يكون هذا الخلاف في وقت تفرقت فيه كلمة المسلمين في نجد، واصبحت الحروب السياسية هي السمة المميزة فيها،وذلك
من نهاية فترة الدولة السعودية في دورها الثاني وحتى قيام الدولة السعودية في دورها الثالث على يد الملك عبدالعزيز رحمه الله، وقد استغل المعارضون لهذه
الدعوة سقوط دولة حماتها، فاتصلوا بحكام آل الرشيد وحذروهم من علماء هذه الدعوة ، وشجعوهم على نفيهم والتضييق عليهم، فتعرض علماء الدعوة بالقصيم لصنوف من
التضييق، فنفوا من بلادهم، ولم يسمح لهم بالتدريس والفتوى، فتفرقت كلمة المسلمين، واصبح العلماء محل نقد وتجريح، او مدح وثناء من العامة، حيث ان كل فريق
التف حوله مجموعة من المؤيدين، فانقسم سكان القصيم وبخاصة مدينة بريدة الى قسمين: قسم يؤيد الدعوة بزعامة الشيخ محمد بن عبدالله آل سليم، وقسم يؤيد الفريق
الثاني (2) ،
ولما تمكن الملك عبدالعزيز من دخول القصيم والقضاء على الفتن التي ظهرت فيها، رأى انه من كمال الامن وتوفر الاستقرار القضاء على هذا الخلاف بتوحيد كلمة
العلماء فانتصر لعلماء الدعوة من المخالفين لهم، حيث ولاهم المناصب القضائية والدعوية، وبذلك وحّد الملك عبدالعزيز كلمة العلماء فتحقق على يديه رحمه الله
الامن الفكري الذي كانت المنطقة بحاجة ماسة له,
وكان لعلماء القصيم دور في حركة الملك عبدالعزيز لتوحيد البلاد، فقد اشتركوا معه في كثير من الحروب التي خاضها، واختار منهم رسلا لمحاولة القضاء على الفتن
بالطرق السلمية كما نشر منهم مجموعة في الهجر التي انشأها لتوطين البادية وتثقيفهم ففي اثناء حصار الملك عبدالعزيز لمدينة حائل كان الشيخ عمر بن محمد بن
سليم ممن اشترك مع الملك عبدالعزيز في هذا الحصار، ولم يشغل هذا الحصار الملك عبدالعزيز عن الدرس ومجالسة العلماء، فقد طلب الشيخ عمر ان يصحبه مع بعض
تلاميذه الى خارج معسكر الجيش، فلما انحازوا عن المعسكر قليلا جلس الملك عبدالعزيز وجلس الى جواره الشيخ عمر بن سليم، ثم القى الشيخ عمر درسه العلمي، وبعد
المناقشة والتعليق عاد الجميع الى معسكر الجيش، فاشتركوا في الحصار حتى تمكن الملك عبدالعزيز من الاستيلاء على مدينة حائل وذلك سنة 1340ه,
وعندما بدأت مشكلة الإخوان رأى الملك عبدالعزيز رحمه الله ان يرأب هذا الصدع بالحكمة والطرق السلمية، فأرسل فضيلة الشيخ عبدالله بن محمد بن سليم (قاضي
بريدة في ذلك الوقت) ليقوم بمفاوضة رؤساء الإخوان ودعوتهم الى الوحدة والسمع والطاعة لولي الامر، فلما وصل اليهم فاوضهم ونصحهم ونبههم الى وجوب طاعة ولي
الامر، وحذرهم من خطورة الخروج على الامام، ومن سفك دماء المسلمين والتعدي عليهم، وقد تأثر بنصائحه بعض زعماء الاخوان، الا ان اصحاب الاهواء قد نفروا
الناس من حوله واتهموه بالجهل والهوى، (3) فعاد الشيخ الى الملك عبدالعزيز يخبره بما دار بينه وبين الاخوان، ولما لم تجد الطرق السلمية مع الاخوان،
حاربهم الملك عبدالعزيز حتى قضى على حركتهم في معركة السبلة سنة 1347ه وقد شارك الملك عبدالعزيز في هذه الحرب كثير من اهل القصيم وعلمائهم، وبعد انتهاء
هذه المعركة بانتصار الملك عبدالعزيز، ذهب الملك الى القصيم، فاستقر في مدينة بريدة، واعطى الشيخ عبدالله بن محمد بن سليم مبلغ ثلاثة آلاف ريال فرنسي
ليوزعها على الفقراء وطلبة (4) العلم، وكان الملك عبدالعزيز في كل زيارة يقوم بها لمنطقة القصيم، يخصص بعض وقته لزيارة العلماء للاسترشاد بنصائحهم وحل
مشكلاتهم والانفاق عليهم وعلى تلاميذهم، حتى انه مع كثرة حروبه يقترض المال من التجار وينفقه على العلماء لينفقوه على الفقراء وطلبة العلم,
،*****************
العلاقة بين الملك عبدالعزيز وبين رعيته بالقصيم
لقد تميزت حروب آل سعود في ادوارهم الثلاثة بأنها حروب دينية اعلنوها وخاضوها نصرة للدين ورغبة في توحيد صف المسلمين، ولذلك تعلق بحكمهم اهل نجد خاصة، كما
سعد بحكمهم اهل المناطق الاخرى التي ضمها الملك عبدالعزيز الى حكمه، ومن شدة تعلق اهل القصيم بآل سعود انهم لم ينظروا الى عصبيتهم القبلية، او اطماع
امرائهم السياسية، بل وحّدوا جهودهم، وحافظوا على ولائهم للملك عبدالعزيز، فأمير الربيعية عبدالله بن حمود البازعي شمري الاصل ومع ذلك فقد حارب ابناء
عمومته من آل رشيد، فاشترك مع الامام عبدالرحمن الفيصل آل سعود في معركة الصريف وتعرض بعدها لصنوف من التعذيب الجسدي والخسائر المادية، ومع ذلك اصر على
ولائه وعهده مع آل سعود فاشترك مع الملك عبدالعزيز في كثير من حروبه، وتقدم جماعته من أهل الربيعية في معركة روضة مهنا سنة 1324ه وعندما سئل محمد بن
عبدالله الزمام وهو من اهل الربيعية ايضا عن اصله قال: انا شمري ولكني اقاتل تحت بيرق الملك عبدالعزيز آل سعود (5) كما ان الشيخ عبدالكريم بن ناصر
الجربوع والشيخ محمد بن عبدالله الشريدة وهما من اعيان مدينة بريدة لم يؤيدا امير بريدة محمد بن عبدالله ابا الخيل على استقلاله وخروجه عن طاعة الملك
عبدالعزيز وشاركهما في ذلك اغلب سكان بريدة، فراسلا الملك عبدالعزيز سرا، واخبراه انهما سيفتحان له باب سور مدينة بريدة الشمالي مع اذان العشاء ليلة
العشرين من شهر ربيع الثاني سنة 1326ه فلما قدم الملك عبدالعزيز فتح له الباب فدخل المدينة وبسط سلطته عليها، وعفا عن أميرها بعد ان امنه، فغادرها الى
العراق (6) وبعد معركة روضة مهنا تولى سعود بن عبدالعزيز بن متعب آل رشيد امارة حائل خلفا لوالده الذي قتل في هذه المعركة، فأشاع سعود آل رشيد ان الملك
عبدالعزيز قد قتل ، وطلب من اهل بريدة مبايعته بعد ان استولى على ابلهم ومواشيهم، فرد عليه اهل بريدة بان الحكم لآل سعود، وقالوا لرسوله لو لم يبق الا
امرأة من آل سعود رضينا بها، ولا نريد امارة آل رشيد ولا تدخلهم في امر بلادنا وقد كافأهم الملك عبدالعزيز بان اكثر من زياراته لهم، وتفقد احوالهم،
والانفاق على فقرائهم، كما جعل كبار اهلها من خاصته، ورجالها من ابرز عناصره في الحروب، ومن شدة تعلق اهل القصيم بالملك عبدالعزيز وتأييدهم له، ان امراء
القصيم في عهد الملك عبدالعزيز قد لمسوا هذا التأييد ، فأحبوا منطقة القصيم لذلك، ومن هؤلاء الامير عبدالعزيز بن مساعد الذي طلب منه الملك عبدالعزيز ان
ينتقل الى امارة حائل، فتودد للملك ان يبقيه في امارة بريدة، ولما سأله الملك عبدالعزيز عن السبب قال: نودي الناس في بريدة للنهوض لمحاربة عدوهم فخرج من
معه سلاح وحضر الى قصر الامارة من ليس في حوزته سلاح، ولما تأخر عليهم توزيع السلاح طالبوا به، فأخبرتهم بأني انتظر الكاتب ليسجل عليهم السلاح، فاندفعوا
ونهبوا السلاح وقالوا: الحي منا يأتي بسلاحه، والميت سلاحه ليس اغلى منه فأنا اقدر هذه الشجاعة والوفاء في اهل بريدة (8) ,وهكذا كانت علاقة اهل القصيم
مع الملك عبدالعزيز - مثل غيرهم - علاقة مودة وتضحية، حيث قدموا انفسهم واموالهم في سبيل الله اعزازا لدينه ونصرة للملك عبدالعزيز فقد قتل من اهل القصيم
كثير من الآباء والابناء، ومنهم محمد بن عبدالله الشريدة الذي قتل في معركة جراب سنة 1333ه, وقد كافأهم الملك عبدالعزيز بان ولاهم المناصب الهامة في
الدولة يقول المستر تويتشل عن القصيم: وقد انجبت مدنها بريدة وعنيزة وما يحيط بها كثيرا من الحكام لنظام الحكم السعودي في المدن والمقاطعات وافرادا من قوى
البوليس وقسما من الجيش الدائم (9) كما ان الملك عبدالعزيز قد اكثر من زياراته لمنطقة القصيم، واقام في بعضها مدة تزيد على ثلاثة اشهر، كما كان يختار
لمنطقة القصيم الامراء الاكفاء من ابناء البيت المالك، فقد اناط باكبر ابنائه وهو الامير تركي بن عبدالعزيز الاول مسؤولية الحفاظ على الامن والاستقرار في
المنطقة، وقد زاره الرحالة (هاملتون) في مدينة بريدة، واستمر الامير تركي في هذا المنصب الى ان توفي رحمه الله سنة 1337ه (11) وآخر زيارة للملك عبدالعزيز
كانت في سنة 1366ه واستمرت لمدة شهر من 4/17 الى 5/17 وقبيل هذه الزيارة امر الملك عبدالعزيز بانشاء مطار في القصيم، وبعث قائد الحرس الخاص محمد الذيب
للاشراف على انشائه، ولما تم الانشاء اخذت المؤن تفد الى القصيم من الرياض وجدة حتى بلغ ما وصلها من الاطعمة ما يقارب من ستين الف كيس ، وفي صباح يوم
السابع عشر من شهر ربيع الآخر اغلق الناس متاجرهم وتركوا اعمالهم، وخرجوا الى المطار لاستقبال الملك عبدالعزيز، وعند قبيل العصر وصل الملك عبدالعزيز الى
مطار القصيم فاستقبله الاهالي وتشرفوا بالسلام عليه، وفي الليل ضربت الدفوف وهزج الناس بالاناشيد وفي اليومين التاليين احتفل بجلالته حيث صف اكثر من ستين
الفا من المواطنين بطول 4 كم قرعت خلالها الدفوف، ورفعت الاعلام، واطلقت النيران في السماء طربا بهذه الزيارة الميمونة ، واستمر الاستعراض في كلا اليومين
الى قبيل اذان الظهر، وقد اعجب الملك عبدالعزيز بما ابداه الاهالي من التحمس والفرح بزيارته ، فجلس في بريدة قرابة شهر، وقبيل مغادرته المنطقة وزع على
الاهالي اكثر من مائة الف كيس من البر والدقيق والسكر والشاي والبن والهيل، كما انفق عليهم اكثر من مائتين وخمسين الف ريال (12) وكانت هذه آخر زيارة
يقوم بها الملك عبدالعزيز الى منطقة القصيم ,
رحمك الله ايها الامام الملك فقد قضيت طفولتك تعاني آلام الفرقة والاختلاف، وعانيت في شبابك آلام الغربة والبعد عن الاوطان، وفي بلوغك كابدت الآلام
وامتطيت الخيل والسلاح وطالت بك الايام حتى وحدت البلاد فنشرت العدل وامنت السبل، وحملت آلام الامتين العربية والاسلامية فكانت قضية فلسطين هي شغلك الشاغل
حتى فارقت الحياة مرحوما ان شاء الله,
،* كلية العلوم العربية والاجتماعية بالقصيم - قسم التاريخ
،* المراجع:(1) عبدالعزيز السنيدي ، مرجع سابق ، ص 62,
،(2) فصل القول عن هذا الخلاف الشيخ ابو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري في مجلة الدرعية، العدد الثاني ، ربيع الاخر 1419ه ص,ص 264- 326,
،(3) ناصر بن سليمان العمري مرجع سابق ص 346,
،(4) المرجع نفسه ص, ص 184 - 185,
،(5) المرجع نفسه ، ص 275,
،(6) ابراهيم بن عبيد آل عبدالمحسن، مصدر سابق ، ج 2 ، ص,ص 88 -89,
،(7) ناصر بن سليمان العمري مرجع سابق ، ص ، ص 273 - 274,
،(8) المرجع نفسه، ص 23,
،(9) محمد بن ناصر العبودي ، مصدر سابق، ج 1 ، ص 97,
،(10) عصام ضياء الدين السيد علي، يوميات هاملتون عن رحلته الى نجد 1335ه/ 1917م، الكتاب السنوي الاول، دارة الملك عبدالعزيز ، الرياض 1401ه ، ص,ص 104 -
،105,
،(11) ابراهيم بن عبدالعزيز المعارك، بريدة ماض مجيد وحاضر مزدهر ومستقبل مشرق ، ط1 1407ه، ص 26,
،(12) ابراهيم بن عبيد آل عبدالمحسن ، مصدر سابق، ج 4 ، ص, ص 236 - 240,
د, محمد بن عبدالله السكاكر*