قراءة نقدية لمقالة نعوم تشومسكي
اللغة البشرية وأنظمة سيميوطيقية أخرى
ناصر بن عبدالعزيز الهذيلي
هذه قراءة نقدية لمقالة نَعُّوم تشومسكي اللغة البشرية وأنظمة سيميوطيقية أخرى ترجمة كاطع نعمة الحلفي، ضمن كتاب أنظمة العلامات في اللغة والأدب والثقافة
مدخل الى السيميوطيقيا ومقالات مترجمة ودراسات اشراف سيزا قاسم ونصر حامد أبوزيد ص195 دار إلياس العصرية- القاهرة,
فبعد قراءة متعددة لهذه المقالة أوجزت بداية الفكرة الرئيسة التي تدور حولها تلك المقالة ثم سرت مع الباحث حيث سار في جزئيات الدراسة والتحليل ملخصا
القضية المناقشة أو ناقلا محورهانصا، ثم أعقبها ببعض المناقشة والتعليق,
كما أنني جعلت المقالة منطلقا للتوسع في بعض جزئياتها التي قد تكون غير مقصودة لذاتها في أصل المقالة, ولا أنكر - كذلك- بأنني ربما غفلت - بغير قصد- عن
نقطة أو نقاط جوهرية في نظر الباحث لم اقدّر لها أنا ذلك,
وثمة ملحوظتان عامتان على هذه المقالة تتمثل الأولى في الحذر العلمي المميز والدقة الفائقة في التعبير لدى تشومسكي, اما الثانية فتتمثل في الاعادة
والتكرار، فلا يلبث ان يبدأ في قضية حتى يتركها معلقة ثم يدخل في غيرها ثم يترك هذه الى أخرى ثم يعود بعد فترة الى ما بدأه,,وهكذا,
تدور المقالة حول قضية مركزية كبرى تتلخص في الاجابة على سؤالين اثنين يشغلان حيزا كبيرا في الدرس اللغوي الحديث هما:
ما اللغة البشرية؟ وما اللغة؟
فبالتفريق بين هذين السؤالين وتحديد ماهية ومدلول كل منهما-رغم عمق الثاني وتعدد مهفوماته- يصح المنطلق في مسار البحث اللساني وبالتالي تصح النتائج,
وقد ناقش تشومسكي السؤال الأول - على نحو مقايسٍ لدراسة عضو في الجسم - عبر الأبعاد المختلفة التالية:
أ- المبادىء البنائية,
ب- الآليات الجسمانية,
ج- طريقة الاستخدام,
د- تطور الكائن الحي التطور الانطوجينتقي ,
ه- التطور التاريخي العرقي التطور الفيلوجننتيقي ,
و- قابلية الاندماج في نظام من الأبنية الادراكية,
وعلى ضوء هذه الأبعاد -ايضا- ناقش السؤال الثاني:
وقبل مناقشة هذه الأبعاد الستة تفصيلا بدأ بتفرقة أولية بين السؤالين السابقين ببيان للمنهج الأسلم - في نظره- لتحديد الاجابة على السؤال الأول, وبإثارة
أسئلة في سبيل الاجابة على السؤال الثاني,
يقول: يبدأ أحد المناهج التي تهمني بصفة خاصة من ملاحظة ان معرفة اللغة - تلك المعرفة التي يطلق عليها أحيانا الكفاءة -إنما تتطور في اطار سلسلة من
المراحل تصل في مرحلة ما قبل البلوغ الى حالة رسوخ مستقر يصير تغيير النظام بعدها أمرا هامشيا، ويمكن ان نفترض ان الكائن الحي ينتقل من حالة أولية الى
حالة نهائية من خلال قدر من التفاعل مع البيئة ,
أما المنهج الذي أشار اليه فهو ما جاءت به المدرسة التوليدية من تفريق بين جانبين مهمين في فهم اللغة الانسانية هما الأداء والكفاءة وهذان الجانبان
يمثلان حجر الزاوية في النظرية اللغوية عند تشومسكي (1) ,
فالنحو التوليدي يقوم على افتراض ان اللغات الانسانية كلها تشترك في خصائص تنظيمية عميقة الجذور والتي من المستبعد جدا انها تأتي عن طريق التعلم, هذه
القواعد الكلية الراسخة لابد انها ملكات فطرية جُبل عليها الانسان في تركيبه البيولوجي وطبعت فيه من الأصل لتشكل جزءا من بنيته الأساسية (2) ,
وفي موضع آخر عبر عن هذا التطور من الحالة الأولية الى الحالة النهائية الرسوخ المستقر عبر الشكل التخطيطي التالي:
،1- المادة الأولية- الملكة اللغوية- اللغة- التعبيرات المركبة,
فالملكة اللغوية مكونة من مكونات العقل/ الدماغ أي أنها جزء من الاعداد الاحيائي للانسان، فإذا قدم للطفل أو على الأدق قدم لملكته اللغوية المادة الأولية
فإنه سيكوِّن لغة ما أي انه سيكون نظاما حَوسبيا من نوع معين يعطي تمثيلات بنيوية للتعبيرات اللغوية تحدد أشكال هذه التعبيرات ومعانيها (3) ,
ثم يشير الى ان نحو اللغة المعنية هو الذي يحدد معاييرها أي تشخيص الحالة المكتملة المتحققة,
أما النحو الكلي فيعد تشخيصا لجانب مهم من جوانب الحالة الاولية وبناء على هذا فإن النحو الكلي يحدد الطبيعة الجوهرية للغة البشرية بينما لا يشخص كل نحو
سوى حالة خاصة بعينها ,
وعلى هذا جاء تعريفه للنحو الكلي بأنه المبادىء التي تدخل في عمل الملكة اللغوية الأصل، أو هو تفسير لحالة الملكة اللغوية الأولى قبل التجربة وهو يختلف عن
نحو أي لغة بذاتها في ان الاخير تفسير لحالة الملكة اللغوية بعد ان قدمت لها مادة التجربة الأولية (4) ,
وقد اثبت هذا بطريقة مقنعة جدا في مواطن كثيرة من كتابه اللغة ومشكلات المعرفة مدعمة بالأمثلة والدلائل, وسيعرض لنا شيء من ذلك لاحقا,
ونظرية النحو الكلي هذه التي يؤكدها تشومسكي هي التي جعلته ينتقد المنهج الوصفي في وقوفه عند البنية السطحية فقط, داعيا دارس اللغة ان يضع في حسبانه أولا
قدرة الانسان على اللغة ومن ثم فإن وصف البنية السطحية لا يقدم شيئا، بل لا يعد علما؛ لأنه لا يفسر شيئا، ولكن الأهم هو ان نصل الى البنية التحتية أو
العميقة؛ لأنها هي التي توقفنا على قوانين الطبيعة البشرية (5) , وينبغي ان نشير في النهاية الى ان مصطلح النحو ذو مفاهيم متعددة تتحدد بناء على الاتجاه
اللساني الذي تدرج فيه (6) ,
وفي إطار البعد (أ) ناقش الخاصية الاكثر أولية في اللغة البشرية التي تدور حول لا نهائية التعابير المتميزة وظيفيا، وهي لا نهائية لا يمكن احصاؤها على
العكس من الأنظمة التي تتميز بالاستمرارية والتواصل كما في رقص النحل أو التي تتميز بمحدودية شديدة الوضوح كما في مناداة القرود ويقول: ان هذا محدود
بنظام هو النحو ,
فاللغة الانسانية -إذن- تحتوي على خصيصة التميز غير النهائي وهي خصيصة غير عادية بل ربما كانت فريدة (7) وهو ما عبر عنه جون ليونز بالانتاجية حيث تمكن
أنظمة اللغات جميعا مستعمليها من تركيب جمل كثيرة بشكل غير نهائي ومن فهم تلك الجمل حتى ان لم تكن قد سمعت من قبل أو قرئت (8) وهذا مالا يتوافر في
الأنظمة الاتصالية لعالم الحيوانات فهي إما محدودة كعدد صيحات القرود فهناك عدد ثابت ولنقل اربعين، واما مستمر وهو ما يسمى بلغة النحل فعدد الاشارات فيها
غير نهائي لكنها غير متمايزة (9) كما ان هناك تنوعا في تلك الاشارات وعلاقة غير عشوائية بين الاشارة وفحواها بالاضافة الى ان هذا النظام لا يمكن ان
تستخدمه النحل لتوصيل معلومات عن أي شيء آخر خلاف بعد الرحيق ومصدره وجهته (10) فنظام الاشارات هذا يقوم على أسس مختلفة تماما وتسميته لغة لا يعدو ان
يكون مجازا مضللا (11) ,
أما أكثر الاشياء لفتا للنظر في انتاجية اللغات الطبيعية كما تتمثل في تراكيبها النحوية فهو التنوع والتعقد البالغان في القوانين الضامنة والمكونة لها إلا
ان تعقيد هذه القوانين وتنوعها مقيدان كما يؤكد ذلك تشومسكي أكثر من أي عالم لسانيات آخر مما يعني انهما محكومان بقوانين (12) لذا فهو يعبر عنها -أحيانا-
اللانهائية المقننة (13) ,
ثم يقرر تشومسكي بعد هذا- مدللا به على ما سبق- ان الطفل في تعلمه اللغة يطبق مبدأ عاما من مبادىء النحو الكلي,, وان هذا المبدأ واحد من مبادىء عديدة تفيد
في وضع اطار اساسي تتطور في داخله معرفة اللغة اثناء تقدم الطفل صوب الحالة الناضجة من هذه المعرفة,, وحين نتناول بالبحث مثل هذه المبادىء وتفاعلاتها
فإننا نبدأ في الولوج الى ثراء بناء ملكة اللغة التي تمثل أحد عناصر معطياتنا البيولوجية ,
يؤكد تشومسكي ان الاطفال في أي مجتمع يشبون فيه يكتسبون لغة واحدة هي لغة مجتمعهم ويتكلمونها وفق قواعد صوتية وصرفية ونحوية موحدة ومطردة لا تختلف من طفل
لآخر, هذا يشير الى ان الطفل لا يتعلم اللغة فقط عن طريق التقليد والاستجابة للمؤثرات الخارجية؛ لأن هذه تختلف باختلاف المحيط الذي ينشأ فيه الطفل، ولو
فسرنا النطق بأنه تقليد ومحاكاة فكيف نفسر الفهم الذي يسبق النطق, الأطفال الصغار يفهمون عبارات ويستوعبون جملا لا يقدرون على ترديدها والتلفظ بها, وليس
من المعقول ان اللغة بخصوصيتها الشديدة وتنظيمها المعقد تحشر في ذهن طفل لم يتخط الرابعة عن طريق التجربة والمؤثرات الخارجية التي تحددها الصدف المحضة
والظروف الطارئة (14) ,
وهذا -حقاً- مدهش وملفت للنظر وينفي ما كان سائداً- الى سنوات قريبة- من ان اللغة نظام للعادة أي انها نظام من أنظمة الاعداد السلوكي ويتم اكتسابها
بالتمرين والتحكم: وان أي مظهر من مظاهر الابداع في هذا السلوك إنما هو نتيجة للقياس (15) ,
أما عن البعد (ب) الذي يتناول الآليات الجسمانية فيقول: إننا لا نعرف عنه إلا اليسير,
وأحد جوانب المشكلة في بحث هذا الموضوع ان التجريب على بني الانسان مستبعد لأسباب خُُلقيَّة فنحن لا نرضى ان يكون الناس موضعا للتجريب، وهو ما نرضاه
للحيوان سواء أكان ذلك بحق أم بغير حق,, بسبب ذلك كانت محاولة اكتشاف العمليات التي يقوم بها الدماغ في ظل هذه الظروف صعبة جدا (16) ,
ويقول فيما يخص وظائف اللغة وهو المقصود بالبعد (ج):،
ان للغة استخدامات عديدة للتعبير الحر عن الأفكار ولارساء علاقات اجتماعية وتوصيل المعلومات,, الخ وان ليس هدف اللغة البشرية الأساس هو تحقيق الاتصال, كما
أنها لا تستخدم بصورة جوهرية لأغراض نفعية,
وظيفة اللغة تحتمل جدلا عريضا عند اللسانيين ويظهر هذا من خلال تعريفاتهم للظاهرة اللغوية, فبعضهم يحد الظاهرة اللغوية بناء على البنية العضوية لها,
ويحدها آخرون بناء على وظيفتها (17) ونجد سابير في تعريفه للغة يُغلّب جانب الوظيفة الاعلامية، بينما يغلب بلوخ وتريجر الوظيفة الاجتماعية لها, أما
تشومسكي في تعريفه للغة فلا يتكلم عن الوظيفة الاعلامية أيا كانت طبيعية أم غير طبيعية، كما أنه لم يتعرض للطبيعة الرمزية للعناصر أو للمتتابعات من هذه
العناصر, فغرض تعريفه التأكيد على ابراز الخصائص التركيبية البحتة للغة (18) , وهو هنا ينفي ان تكون الوظيفة الأساسية للغة البشرية تحقيق الاتصال أو
النفعية, ونحن هنا نسأل تشومسكي: ما الوظيفة الأساسية للغة البشرية إذن؟,
أما المقصود بالبعد (د) وهو دراسة تطور الكائن الفرد فذكر انه يشمل أولا النحو الكلي الذي حدد الاطار الأساسي الذي يتحقق في داخله نمو اللغة عند الفرد بل
ويحدد أبعد من ذلك كل ما يمكن معرفته حول بداية اللغة، وخصائص هذا النمو,, ثم يقول: ان هناك عددا من النظريات التي تبشر بالخير تنطوي على مبادىء قد تكون
لها قدرة التفسير ,
ومن ذلك ما أشير الى شيء منه سابقا, هذا وقد توفر تشومسكي على هذا المنحى في دراساته المتأخرة وقد توصل - في هذا- الى نظريات مذهلة جدا وهي ذات ابعاد
فلسفية وعقلية متعددة كما في كتابه اللغة ومشكلات المعرفة الذي ألفه بعد هذه المقالة بنحو ثماني سنوات,
ويقول فيما يخص تطور اللغة النشوئي وهو المعني بالبعد (ه):،
إن الدليل عليه ما يزال ضئيلاً, ويبدو معقولاً أن نفترض أن تطور ملكة اللغة كانت طوراً خاصاً بالجنس البشري بعد مرور زمن طويل، كما يبدو معقولاً كذلك أن
نفترض أن امتلاك هذه الملكة اللغوية قد منح الجنس البشري مزايا عظيمة بالنسبة لعملية الانتقاء,, والنجاح المتميز في التكاثر ,
ونحن إذ نوافق تماماً فيما ذهب إليه من أن الملكة اللغوية خصيصة إنسانية، وأنها تمنح الإنسان مزايا عظيمة, إلا أننا لا نوافقه في كون الإنسان انفصل قبل
زمن طويل عن القردة العليا, ففرضية النشوء والارتقاء هذه محسومة بالنسبة للمسلمين وخصوصا فيما يتعلق بموضوع الإنسان بالذات من أنه خلق خلقاً مستقلاً وأنه
ذرية لآدم عليه السلام وزوجه, قال تعالى: (الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين, ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين, ثم سواه ونفخ فيه من روحه
وجعل لكم السمع والابصار والافئدة قليلاً ما تشكرون) السجدة 7-9 , بل إن هذه الفرضية معارَضَة على مستوى عريض من علماء الأحياء أهل الاختصاص (19) , هذه
قضية عارضة سأتجاوزها إلى ما هو في مجالنا هنا,
ويقول فيما يتعلق بتفاعل ملكة اللغة مع أنظمة إدراكية أخرى: إن الدراسة مازالت في مرحلة ما قبل النضج في انتظار التوصل إلى تحليل أعمق لأنظمة وثيقة الصلة
بها,
وهذا ما أكده لاحقاً دراسته المتأخرة في كتاب اللغة ومشكلات المعرفة (20) ,
،* أما السؤال الثاني المتعلق بماهية اللغة:
فيجب أن نشير في البداية أن السؤال (ما اللغة؟) مشابه في عمقه وبعده الفلسفي لسؤال آخر هو (ما الحياة؟),, فعالم الأحياء كغيره من العلماء غالباً ما يكون
منهمكاً في تفصيلات بعض المسائل العلمية المحدودة التي قد تشغله عن تقليب النظر فيما يترتب على أسئلة عامة كهذا السؤال, وهذه حال عالم اللسانيات حيال
السؤال ما اللغة؟ (21) ،
وتشومسكي فيما يتعلق بالسؤال ما اللغة؟ بحث أولاً مدى صلة هذا السؤال بالعلم فإذا عدَّت الأنظمة الاتصالية الأخرى كالموسيقى أو الرياضيات أو نظام اتصال
النحل,,إلخ إذا عدَّت هذه لغات فإن السؤال ما اللغة؟ يخرج عن إطار العلم, أما إذا كان المقصود باللغة اللغة البشرية فإنها لا شك تدخل في إطار العلم لأن
لها خاصية بيولوجية يمكن دراستها كما يدرس نظام الإبصار البشري,
أما عن (علمية اللغة) فإن تشومسكي لم يعط إجابة قاطعة على ذلك بل يقول: إن تساؤلات كتلك تطرح مشكلات تتطلب تحليلاً نظرياً عقلياً,
،(علم) هو المسؤول عن كل هذا فالكلمة Science ويظهر أن هذه المسألة تحتمل جدلاً عريضاً عند اللسانيين, ويقول جون لوينزو: إن مفهوم الكلمة الإنجليزية
أكثر تحديداً في معناها وأضيق في تطبيقها من الكلمات المتعارف على أنها تساويها إن ترجمت بها في اللغات الأخرى ,, فلهذا تعاني Science الانجليزية
لقصر إطلاقها على العلوم الطبيعية ومناهج البحث Scientific و علمية Science اللسانيات أكثر من غيرها من المفهوم الضيق المحدد للكلمتين الإنجليزيتين علم
المميزة لها,
ويبدو في نظري - أن المشكلة ليست كامنة في المصطلح ؛ لأننا لو ألجأنا كثيراً من المسائل للمصطلحات ومنها هذه المسألة لما حلت الإشكال تماماً؛ لأن
المصطلحات عادة لا تسلم من المداخل بحيث تؤدي إلى نتيجة جامعة مانعة كما يقول الاصوليون فالمسألة في ظني أعمق من هذا بكثير، بل إن بعض الباحثين يعمد
إلى إجراءات البحث في بعض المسائل دون أن ينشغل بفلسفة الحد في الموضوع المدروس كما قال جون ليونر آنفاً, هذا من غير إنكار لأهمية الحدود لأن من بداهة
المعرفة أن يحدد العلم موضوعه تحديداً مفهومياً، أما نقد نماذج الحد وضبط القواعد التعريفية بمنطلقات نظرية فمن مشمولات فلسفة العلم وهي القائمة على النظر
في أصول المعرفة النوعية التي هو منضو تحت قوامها، لذلك يتعاقب على قضايا الحد العلم نفسه ثم أصوليته النوعية (22) ,
ومعظم اللسانيين الذين ينظرون الى موضوعهم على أنه دراسة علمية للغة؛ يفعلون ذلك لفارق يقوم في أذهانهم بين طريقة علمية لعمل الأشياء وأخرى غير علمية، وقد
يختلف هؤلاء كما يختلف الفلاسفة ومؤرخو العلم حول بعض ما تقتضيه الكلمة علمي إلا أنهم يتفقون عموماً على الاختلافات الرئيسة بين الدراسة العلمية للغة
وبين الدراسة غير العلمية لها (23) هذا وسيظل الخلاف على مستوى عالٍ من النقاش حول إمكانية تطبيق ما يعرف دائماً بالمنهج العلمي على دراسة اللغة (24) ,
ثم ينتقل إلى نقطة أخرى حول الفائدة التي تُجنى من الاستعارات والقياسات فيما إذا كانت الأنظمة الأخرى تشبه اللغة البشرية فيقرر أن مشابهة هذه الأنظمة
ملكة اللغة البشرية المعطاة بيولوجياً ضئيلة جداً,
ثم يناقش هذه المشابهة في ضوء الأبعاد الستة الماضية, ففيما يتعلق بالمبادىء البنائية وما يتصل بها من مسائل النحو الكلي البعد (د) فيقرر أن الأنظمة التي
تلقن للقرود وغيرها من الأجناس تختلف عن اللغة البشرية على المستوى الأكثر بدائية وأولية,
أما ما يخص الأبعاد (ب) و (ه) و (و) (وهي الآليات الجسمانية، والتطور الخاص بالتاريخ النشوئي وقضية التفاعلات) فيقرر بأن معرفتنا بها قليلة جداً إلى الحد
الذي يجعل الجدوى من تتابع المقايسات فيها ضئيلة جداً,
أما ما يخص استخدام اللغة وهو المقصود بالبعد (ج),،
فيجعل الفارق بين اللغة البشرية والأنظمة الأخرى ان الأول لها وظائف لا صلة لها بالتماس أي نفع كمناجاة النفس والتعبير عن الرأي الأمنية فيما يبدو منقطع
الصلة تماماً بوظائف أنظمة القرود تلك الوظائف التي يظهر أنها تهدف لتحقيق المنفعة فقط, ثم يقول: إن هذا ما يجعلها مختلفة كل الاختلاف عن اللغة البشرية,
وأنا أقول: إن هذا التفريق ثانوي بالنسبة للفوارق الأخرى التي ذكرها تشومسكي نفسه في هذه المقالة وغيرها,
ثم ينتقل إلى البعد المتبقي وهو المقصود بالتطور الذي يطرأ على الكائن الفرد فإذا ما أغفلت الفوارق النوعية والمتعددة تعدداً واضحاً على مستوى مبادىء
النحو الكلي، يتضح أن اللغة البشرية يكتسبها الانسان دون جهد يبذل ودون تدريب، وهذا ما يتعارض تعارضاً صارخاً مع الأنظمة الملقنة للقرود,
وهذا من الدلائل على أن المقدرة اللغوية تعود إلى تركيب الإنسان البيولوجي,, فالطفل يتعلم اللغة في فترة مبكرة من عمره لم تكتمل فيها قدراته العقلية,
وهناك أفراد على مستوى متدنٍ جداً من الذكاء لدرجة أنهم لا يستغنون عن مساعدة الآخرين في ابسط شؤون حياتهم ومع ذلك يستطيعون الكلام كما أن حجم الدماغ عند
الإنسان القزم أصغر بكثير من حجم دماغ الشمبانزي أو الغوريلا ومع ذلك يستطيع القزم أن يتعلم اللغة بينما يستحيل ذلك على ارقى انواع القردة (25) ,
ثم يقول تشومسكي لو افترضنا ما يتعارض مع التوقعات الطبيعية كأن تكتشف الدراسات في المستقبل أنه بامكان القرود أو أنواع أخرى، اكتساب لغة تشترك مع اللغة
البشرية في أهم خصائصها، وفي المجالات التي يعرف فيها شيء عن اللغة البشرية إلى الحد الذي يجعل إقامة القياس مجدية فما عسى أن يفيدنا هذا الكشف في معرفة
طبيعة اللغة البشرية وأصل نشأتها؟ والجواب على ذلك هو: القليل جداً,, وتلك مسألة أكد عليها باحثون من أمثال إيريك لينبرج وجون ليمبر وغيرهما,،
جدير أن نشير إلى أن النتائج التي توصل إليها تشومسكي في نظريته اللغوية التي أقامها على أسس فلسفية ومنطقية واستند على حجج لغوية وسيكولوجية لا تختلف عن
النتائج البيولوجية التي توصل اليها ليمبرج الذي كرس جهده العلمي للبحث في وظائف المخ والأعصاب ودورها في اكتساب اللغة, (26) ،
ثم يختم تشومسكي دراسته مؤكداً على تميز القدرة اللغوية عند الانسان بقوله: إن دراسة الأنظمة الرمزية الملقنة للقرود ستكون بلا شك مثرية من حيث التعرف
على قدراتها الذهنية وربما يساعد ذلك على معرفة مواضع الأنظمة الإدراكية الخاصة بالإنسان على نحو أدق وهو إسهام ينطوي على أهمية قصوى, غير أنه ليس من
الواضح بالنسبة لي أن يتوقع من هذا العمل إلقاء مزيد من الضوء على ما يبدو لي ملكات بشرية خاصة وثابتة بيولوجياً كالقدرة اللغوية، أو أن دراسة اللغة
البشرية ستفضي الى تمهيد الطريق أمام دراسة اتصال القرود أو ذكائها كما لا تؤدي دراسة القفز لمسافات طويلة الى معرفة كنه طيران الطيور,
ويضيف فيليب ليبرمان (والذي لا يتفق مع تشومسكي في كل ما ذهب اليه) أن القدرة اللغوية مرتبطة ببعض البنى الأعصابية المحددة التي لا توجد إلا في الدماغ
البشري وأهمها البنية المسماة منطقة بروكا، نسبة الى مكتشفها عالم الأعصاب الفرنسي ببيربول بروكا وتقع هذه قريباً من المنطقة الخلفية لفص القشرة المخية
الأمامي الأيسر, (27) ،
،
الهوامش:
،(1) د, عبده الراجحي النحو العربي والدرس الحديث ص 115 دار النهضة العربية بيروت 1406ه 1986م,
،(2) د, سعد بن عبدالله الصويان اللغة الانسانية طبيعتها وخصائصها مجلة العصور المجلد الثامن الجزء الأول ص 85 تصدر عن دار المريخ,، لندن 1413ه
،1993م,
،(3) تشومسكي اللغة ومشكلات المعرفة ص 62 ترجمة د, حمزة بن قبلان المزيني دار توبقال للنشر الدار البيضاء ط الأولى 1990م,
،(4) د, سعد الصويان اللغة الإنسانية طبيعتها وخصائصها مجلة العصور ص 86,
،(5) د, عبده الراجحي النحو العربي والدرس الحديث ص 113,
،(6) د, محمد الحناشي البنيوية في اللسانيات ص 30 دار الرشاد الحديثة الدار ا لبيضاء ط الأولى 1401ه,
،(7) تشومسكي اللغة ومشكلات المعرفة ص 145,
،(8) جون ليونز مدخل إلى اللغة واللسانيات مجلة كلية الآداب، جامعة الملك سعود ص 186 ترجمة د, حمزة بن قبلان المزيني م 14 1 1407ه/ 1987م,،
،(9) تشومسكي اللغة ومشكلات المعرفة ص 145,
،(10) جون ليونز مدخل الى اللغة واللسانيات مجلة كلية الآداب ص 187,
،(11) تشومسكي اللغة ومشكلات المعرفة ص 145,
،(12) جون ليونز مدخل الى اللغة واللسانيات (مجلة كلية الآداب) ص 187,
،(13) تشومسكي اللغة ومشكلات المعرفة ص 145,
،(14) سعد الصويان اللغة الانسانية طبيعتها وخصائصها مجلة العصور ص 84,
،(15) تشومسكي اللغة ومشكلات المعرفة ص 120,
،(16) نفسه ص 119,
،(17) د, عبدالسلام المسدي اللسانيات وأسسها المعرفية ص 35 الدار التونسية للنشر 1986م,
،(18) جون ليونز مدخل الى اللغة واللسانيات (مجلة كلية الآداب) ص 170,
،(19) د, عبدالرحمن بن إبراهيم المطرودي الإنسان وجوده وخلافته في الأرض في ضوء القرآن الكريم ص 93/92 مكتبة وهبة بالقاهرة ط1 1410ه/ 1990م,
،(20) نفسه ص 25,
،(21) جون ليونز مدخل إلى اللغة واللسانيات (مجلة كلية الآداب) ص 163,
،(22) د, عبدالسلام المسدي اللسانيات وأسسها المعرفية ص 23,
،(23) جون ليونز مدخل الى اللغة واللسانيات (مجلة كلية الآداب ص 201),،
،(24) السابق ص 203,
،(25) د, سعد بن عبدالله الصويان، اللغة الانسانية طبيعتها وخصائصها العصور ص 87,،
،(26) السابق ص 87,
،(27) السابق ص 87,


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved