عرض عبدالعزيز آل سعود على الشيخ مبارك فكرة استرداد الرياض، لاسترجاعها من ابن رشيد، فأقر الشيخ مبارك الفكرة؛ لما لذلك من أثر في إضعاف ابن رشيد عدو
مبارك، وأمدّ عبدالعزيز ببعض الإبل والأسلحة والمال والطعام، لينفذ خطته الجريئة، مع اربعين مقاتلا اختارهم عبدالعزيز من أسرته ومن يلوذ بهم، ومن أبرزهم:
أخوه محمد، وابن عمه عبدالله بن جلوي، وعبدالعزيز بن مساعد، وذهب الى الرياض على رأس قوة تتألف من 60 مقاتلا، اربعون منهم رفاقه الذين خرجوا معه من الكويت,
وعندما وصل بالقرب من الرياض ترك هناك عشرين من قواته مع الإبل المحملة بالذخائر والمؤن، وسار مشيا على الأقدام مع قواته الى البساتين المحيطة بالرياض،
فترك هناك أخاه محمدا ومعه 23 مقاتلا من رجاله,
كان رجال ابن رشيد قد أقاموا حصنا يدعى المصمك داخل مدينة الرياض، يقيم فيه عجلان عامل ابن رشيد، وكان عبدالعزيز قد تسلل هو وجماعة من اصحابه الى بيت
مجاور لحصن المصمك، وفي الصباح تسلق عبدالعزيز وصحبه قصر عجلان، غير أنهم لم يجدوه، وتأكدوا بأنه ينام في الحصن، وانتظروا حتى طلوع الشمس، فلما خرج عجلان
مع عشرة من رجاله، اندفع عبدالعزيز مع بعض رفاقه ليصلوا الى عجلان، غير ان رجال عجلان ارتدوا الى الوراء، ودارت معركة بين الجانبين في الحصن انتهت بمقتل
عجلان ودخول عبدالعزيز وصحبه القصر وحصن المصمك يوم 5 شوال 1319ه 5 يناير 1902م، فنادى المنادي بأن عبدالعزيز قد دخل الرياض، وان عامل ابن رشيد قد قتل،
فخرج الناس فرحين مستبشرين بانبلاج فجر جديد، وبزوغ عهد جديد,
وكان انتصار عبدالعزيز في معركة الرياض بداية لجولات من المعارك وبداية لانتصارات تتلاحق، استمرت اكثر من ثلاثين عاما حتى استطاع عبدالعزيز ان يقيم
المملكة العربية السعودية,
وعندما استقر المقام لعبدالعزيز في الرياض، ارسل يطلب من ابيه عبدالرحمن ان يترك الكويت ويعود الى الرياض، حتى إذا فعل اسند اليه مهمة ادارة المدينة،
بينما تولى هو ميدان الحرب والنزال, وقد بقيت الصلات بين عبدالعزيز وأبيه زهاء ثلاثين عاما، ولقد كانت الصلة بين الأب والابن صلة ود ومحبة واحترام متبادل،
وتبادل في الرأي في كل مسألة هامة,
وخلال فتح عبدالعزيز للرياض كان ابن رشيد يعسكر في حفرالباطن ويستعد للهجوم على الكويت، فلما وصلته أخبار فتح الرياض لم يستطع المجيء الى الرياض لبعد
المسافة بينهما، ولقناعته بأنه يستطيع ارجاع الرياض مرة ثانية متى شاء,وعندما انقضى عام 1319ه/1902م، اتجه عبدالعزيز الى جنوب الرياض فأيده أهالي جنوب
نجد، والتي تشمل مقاطعات الخرج والدلم والأفلاج ووادي الدواسر الذين كانوا على عداء مع ابن رشيد، ويعملون باستمرار للتخلص منه, فلما اتجه عبدالعزيز الى
الخرج سانده أهلها ضد ابن رشيد، ودارت معركة بين عبدالعزيز وابن رشيد انتهت بانتصار عبدالعزيز على ابن رشيد وضم المنتصر الى دولته الخرج والدلم والأفلاج
وغيرها، فضمن عبدالعزيز بذلك حماية ظهره من أي اعتداء,وتابع عبدالعزيز مسيرته في بناء الدولة، فاتجه الى الشمال، وكان يحاول كسب قلوب رجال القبائل بحنكته
السياسية وحصافة رأيه وعدله وسخائه ونصرته للعودة الى الإسلام الصحيح، فاحتل مناطق الوشم وسدير في عام 1322ه/1904م، بعد معارك جرت بينه وبين ابن رشيد،
اتجه عبدالعزيز بعد ذلك الى القصيم ونازل ابن رشيد الذي انسحب الى حائل واستنجد بالقوات العثمانية التي تمركزت في منطقة القصيم، ودارت معارك حامية بين ابن
رشيد والعثمانيين من جهة،وبين عبدالعزيز آل سعود من جهة اخرى تراوح النصر فيها بين الجانبين، غير ان النصر النهائي في منطقة القصيم نجد الوسطى ، وتشمل
بريدة وعنيزة، كان لعبدالعزيز، وذلك عام 1324ه/1906م,
نتيجة لذلك غنمت قوات عبدالعزيز الكثير من الأسلحة من العثمانيين، وكذلك غنمت العتاد والمؤن والأمتعة بالاضافة الى الإبل والأغنام، كما غنمت صناديق الذهب
العثماني التي وزعت بين القوات المقاتلة حسب النظام الشرعي, وتعد وقعة الشنانة التي دارت في عام 1322ه/1904م بمنزلة المعركة الفاصلة في تاريخ نجد، لأنها
جعلت القوات العثمانية تعاف متابعة القتال وأدت الى انسحابها,واعقب ذلك نجاح عبدالعزيز وانتصاره في معركة البكيرية عام 1324ه/1906م، والتي فتحت له طريق
النصر للوصول الى شمال نجد وشرقها, ونجح عبدالعزيز في دحر ابن رشيد عام 1324ه/1906م في معركة روضة مهنا التي كان يعتمد عليها العثمانيون لإحباط جهود
عبدالعزيز في تحرير نجد، حيث مات ابن رشيد في المعركة,
وواجه عبدالعزيز مصاعب في هذه الفترة، منها تحريض العثمانيين لآل رشيد لمتابعة مقاومته، ولمنع عبدالعزيز من بسط نفوذه على منطقة جبل شمر، بعد ان سيطر على
الكثير من مقاطعات نجد,
وفي هذه الاثناء تولى إمارة آل رشيد عبدالعزيز بن رشيد، واستهل ولايته بمفاوضات أجراها مع عبدالعزيز لتكون حائل وملحقاتها وشمر لابن رشيد، ويكون باقي نجد
بما فيها القصيم لابن سعود، غير ان آل رشيد نقضوا اتفاقهم مع عبدالعزيز وبدؤوا اتصالاتهم مع الدولة العثمانية لتزويدهم بالأسلحة، وكانت المفاوضات بين
الجانبين تتم على أساس ان تكون السيادة على القصيم للدولة العثمانية مقابل تزويد ابن رشيد بالسلاح، ولكن عبدالعزيز لم يكن غافلا عما يجري في الساحة وما
يشكله من خطر عليه، فحذر العثمانيين، كما حذر ابن رشيد,
وفشلت المفاوضات ولم تسفر عن نتيجة، واضطرت القوات العثمانية تحت تهديد عبدالعزيز آل سعود الى الرحيل عن القصيم من غير ان تتمكن من الانضمام لابن رشيد,
هكذا حرر عبدالعزيز المناطق التي اصبحت تحت سلطانه من شبه الجزيرة من القوات العثمانية عام 1324ه/1906م,
ولا ريب ان الفترة الواقعة بين عامي 1324ه-1331ه/ 1906-1913م كانت من اصعب الفترات وأشقها، لأن الانتفاضات فيها قد كثرت وتوالت من أكثر من قبيلة، وفي أكثر
من منطقة، كما توالت فترات القحط والمجاعة عام 1328ه/1910م، واستطاع بحنكته وبعد نظره التغلب على هذه الصعوبات، كما عانى من ضائقة مالية ايضا,
،* ضم الاحساء:
اهتم آل سعود عموما وعبدالعزيز خصوصا بمنطقة الاحساء، لما لها من أهمية استراتيجية خاصة لنجد، فالاحساء بوابة نجد على الخليج، كما انها غنية بمزارعها
ومياهها وبساتينها، فهي ضرورية لتقوية اقتصاد دولته، وقد عمل السعوديون منذ الدولة السعودية الأولى على ضم الاحساء الى نجد لأهميتها، لذا فإن عبدالعزيز
بعد ان سيطر على نجد، فكر في ضم الاحساء,
بدأ عبدالعزيز في تحريره للاحساء، وذهب على رأس قوة قوامها 700 رجل قاصدا الهفوف، التي كانت مركز الادارة العثمانية,وقبل طلوع الفجر، كانت القوة العسكرية
السعودية قد دخلت الهفوف حيث كانت القوة العثمانية تتحصن، فلجأ عدد من العسكريين العثمانيين وعائلاتهم الى مسجد ابراهيم، وارسلوا رسولا اليه لمفاوضته،
فأمنهم على حياتهم واسلحتهم الخفيفة ان خرجوا من غير قتال وقبلوا الرحيل عن الاحساء، فلما أقروا شروطه رحلهم الى العقير، ومن هناك نقلوا على ظهر سفن الى
البحرين، بينما ترك المدافع والذخائر العثمانية في الحصون، ولم يسمح للحامية العثمانية ان تأخذها معها,
وما ان سقطت الهفوف - قاعدة الاحساء ومقر الحاكم العثماني والحامية العثمانية حتى بادرت الحامية العثمانية الى الاستسلام للقائد الذي ارسله عبدالعزيز على
رأس قوة صغيرة اليها، وحذت حذوها الحامية العثمانية في العقير, وبذلك استرجع عبدالعزيز مقاطعة الاحساء وضمها الى دولته,
اعترفت الدولة العثمانية بالأمر الواقع، بعد ما اصبح عبدالعزيز آل سعود حاكم نجد والاحساء، فمنحته رتبة الباشوية واعترفت به حاكما على نجد، كما أقرت ان
تكون ولاية نجد من بعده لأولاده وأحفاده، في حين راحت تشجع سرا خصمه ابن رشيد في جبل شمر، وتمده بالسلاح وتحرضه على مهاجمة نجد وغزوها,
أما بريطانيا فقد اتصلت بعبدالعزيز آل سعود، بعد ان سيطر على الاحساء، فأرسلت معتمدها في الكويت، شكسبير 1332ه/1913م ليدخل معه في مباحثات سياسية مهدت
لعقد اتفاق دارين معاهدة العقير 1334ه/1915م، الذي كان بمنزلة أول معاهدة دولية اكد فيها عبدالعزيز مركزه الدولي لينطلق بعد ذلك منه فيتخلص من قيود هذه
المعاهدة نفسها، وليقيم بعد الحرب العالمية الأولى أول دولة عربية إسلامية مستقلة ذات سيادة,
،* الملحق الثقافي في القاهرة سابقاً - وزارة التعليم العالي ,
،* المراجع:
،1- محمد بن عبدالله المانع، توحيد المملكة العربية السعودية,
،2- احمد عسة، معجزة فوق الرمال,
،3- عبدالله العثيمين، تاريخ المملكة العربية السعودية,
،4- بنوا ميشان، عبدالعزيز آل سعود,
،5- خير الدين الزركلي، الوجيز في سيرة الملك عبدالعزيز ,
د, سليمان بن عبدالرحمن العنقري*