انتشال اهل هذه البلاد مما كانوا فيه من الجهل والتخلف,, الا بالتعليم المبني على الايمان بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً
ورسولاً,
لذا اولى التعليم عناية خاصة منذ استقرار الأمر له في الرياض بعد فتحها، واستمرت عنايته بالتعليم والاهتمام به في جميع مراحل جهاده - رحمه الله - رغم قسوة
الظروف التي احاطت به وهو يسعى حثيثاً لتوحيد شبه الجزيرة العربية في دولة واحدة,
ان ظروف الجهاد والعقبات التي واجهته - رحمه الله - في سبيل توحيد البلاد لم تثنه عن اهتماماته بالتعليم، فقد كان - يرحمه الله - يعد التعليم من
الاولويات التي لا تقبل التأخير، لقد حرص - رحمه الله - خلال حروبه لتوحيد البلاد والقضاء على الفتن ان يصاحب ذلك تعليم بأمور الدين لدى الجميع يقول احد
معاصري الملك عبد العزيز جمل بن شري شيخ قبيلة المساردة من قحطان ركبنا الى عبد العزيز، وكل من ركب له اعطاه مطوعاً وقال له: اجمع جماعتك وعلمهم امور
دينهم ودرسهم، وصل بهم، وارسل عبد العزيز عالماً لكل ديرة معه، وقال له علمهم امور دينهم (1) ,
لقد ادرك الملك عبد العزيز - رحمه الله - اهمية التعليم وضرورته وتحقق من ان جل ما تعانيه البلاد من المشكلات يتطلب نوعاً من التعليم يحمل في محتواه
تعاليم الاسلام وهداه وخصائص العصر ومتطلباته,
وبدخوله مكة المكرمة عام 1343ه بدأ - رحمه الله - بتنفيذ برنامجه الخاص بتطوير التعليم وتحديثه بما يتفق وذاتية الامة اولاً وروح العصر ثانياً ومما يؤكد
هذه الحقيقة ما يلي: (2) ،
،1 - بعد فتح مكة مباشرة عقد - رحمه الله - اجتماعاً تعليمياً يعد الأول من نوعه في تاريخ البلاد، في هذا الاجتماع دعا علماء مكة المكرمة وحثهم في الاجتماع
على بذل الجهد لنشر التعليم وتنظيمه والتوسع فيه,
،2 - بعد مرور سنة واحدة فقط على دخوله مكة المكرمة اي في عام 1344ه زار بنفسه كلا من مدرسة الفلاح والمدرسة الفخرية فتبرع للأولى بمائة جنيه وعشر ذبائح
وستة اكياس من الأرز، وتبرع للثانية بخمسين جنيهاً وست ذبائح واربعة اكياس من الأرز، فكانت تلك منه التفاتة مشجعة لافتتاح مدارس اهلية اخرى في غير مكة من
مدن المملكة ساهمت في نشر التعليم، التبرع الذي قدمه الملك عبد العزيز لهما له دلالة كبيرة وهي رغبة الملك عبد العزيز في نشر التعليم, وبجانب ذلك فقد كان
دعماً ماديا لهاتين المدرستين اذا اخذنا في الاعتبار الظروف الاقتصادية ومستوى الاسعار وتكاليف المعيشة في المملكة,
،3 - في عام 1344ه ارسل الملك عبد العزيز مستشاريه حافظ وهبة، ويوسف ياسين للتفيتش على ثمانية كتاتيب كانت موجودة في مكة لمعرفة احتياجاتها، وبعد اطلاعه -
رحمه الله - على وضع هذه الكتاتيب قرر جنيهين ذهباً لسبعة منها من اجل مساعدتها وتشجيعها وتقدير جهودها, اما المكرمة الكبرى والمهمة من مكارمه التعليمية
الدالة على اهتمامه بالعلم ليكون دعامة من دعائم دولته فهو في الحقيقة صدور المرسوم الملكي الخاص بقيام مديرية المعارف العامة ثم بعد ذلك مباشرة مجلس
المعارف اذ بقيامهما سطر صفحة ناصعة وفتح باب التعليم الحديث المنظم المبرمج الموحد (3) ,
إنشاء مديرية المعارف وظهور أول نظام للتعليم في المملكة العربية السعودية
كان انشاء مديرية المعارف في عام 1344ه بمثابة ارساء حجر الاساس لنظام التعليم الحديث في المملكة العربية السعودية, فعندما دخل الملك عبد العزيز - رحمه
الله - مكة المكرمة عام 1343ه دعا العلماء فيها وحثهم على نشر العلم والتعليم وتنظيمه والتوسع فيه (4) ومما يؤكد اهتمام الملك عبد العزيز بالتعليم انشاء
مديرية المعارف في 1344/9/1ه حيث سبقت صدور التعليمات التي وضعت نظام الحكم والادارة، وكان انشاء مديرية المعارف هو البذرة الاولى (5) لوضع نظام التعليم
في المملكة العربية السعودية فقد تقرر في صلاحيتها الاشراف على جميع المدارس في البلاد,
وعندما صدرت التعليمات الاساسية عام 1345ه قدمت في مادتها الثالثة والعشرين اول تعريف لأمور المعارف فقد نصت المادة المذكورة (6) على ان امور المعارف
العمومية هي عبارة عن نشر العلوم والمعارف والصنايع، وافتتاح المكاتب والمدارس وحماية المعاهد العلمية، والاعتناء بأصول الدين الحنيف في كافة المملكة
الحجازية,
إنشاء مجلس المعارف
وفي عام 1346ه صدر قرار بتشكيل اول مجلس للمعارف والهدف من انشائه وضع نظام تعليمي في الحجاز يقوم على الأسس التالية:
،1 - توحيد التعليم في الحجاز والسعي لجعل التعليم الابتدائي اجبارياً ومجانياً,
،2 - يكون التعليم من أربع مراحل، تحضيري، ابتدائي، ثانوي، عال، وبعد تحديد مسؤوليات مجلس المعارف عرفت البلاد نظام التعليم الحديث الذي يهدف الى توحيد
التعليم، ويقرر شموليته كما يضع سلماً تعليمياً يتدرج فيه الطالب غير ان قيام نظام شامل للتعليم لم يتحقق بالفعل حتى قامت المملكة العربية السعودية في
الثالث من جمادى الاولى 1351ه ومع قيام المملكة العربية السعودية اتسعت صلاحيات مديرية المعارف ولم تعد وظيفتها قاصرة على الاشراف على التعليم في الحجاز،
بل شملت الاشراف على جميع شؤون التعليم في المملكة كلها,
وقد صدر لمديرية المعارف نظام جديد عام 1357ه ظل مصاحباً لها حتى قيام وزارة المعارف عام 1373ه ويمكن تلخيص اهم ما جاء به في النقاط التالية:
،1 - مدير المعارف هو المرجع الأول في المديرية وله الحق في اصدار اية تعليمات لا تتعارض مع هذا النظام,
،2 - يشكل مجلس المعارف من ثمانية اعضاء عضوان من مديرية المعارف، ويرشحهما المدير وستة يعينهم سمو النائب العام للملك، ممن لهم خبرة في التعليم ومدى
عضوية المجلس سنتان,
،3 - اما صلاحيات المجلس فمنها اقرار المناهج، وتأسيس المدارس الجديدة وايفاد البعثات العلمية والاشراف على الاختبارات النهائية في جميع المدارس الحكومية
والأهلية,
،4 - يقضي التنظيم الجديد بتشكيل الهيئة الادارية من المفتش الأول، والمفتش الثاني والمفتش الثالث، ورئيس مكتب المعارف ومدير المعهد السعودي، ومدير مدرسة
تحضير البعثات، ووكل للهيئة الادارية وضع التقارير الخاصة بخطط المعارف، ووضع مشروع مناهج التعليم وتوزيع المدرسين على المدارس ووضع تقارير الكفاية
واقتراح فتح مدارس جديدة,
منجزات مديرية المعارف العامة
منجزات مديرية المعارف هي في حقيقة الأمر منجزات عهد الملك عبد العزيز في مجال التربية والتعليم النظامي ومن الصعوبة بمكان ان نتحدث عن منجزات التعليم في
عهد الملك عبد العزيز - رحمه الله - بالتفاصيل في حيز كهذا, لذا سوف نختار فقط نماذج من هذه المنجزات ولعل اهم منجزات مديرية المعارف في مجال التعليم
العام ما يلي:
أولاً: افتتاح أول معهد لإعداد المعلمين 1345ه (المعهد السعودي)،
افتتح هذا المعهد في مكة المكرمة لأول مرة في اوائل سنة 1345ه (1926م) وهو اقدم مؤسسة تعليمية حكومية في المملكة العربية السعودية لما فوق الابتدائية وقد
عنيت مديرية المعارف بتطوير هذا المعهد سواء من حيث مدة الدراسة فيه او استقلاله في الادارة فضلا عن تطويرها لمناهج الدراسة فيه وادخالها (العلوم الحديثة) ،
الى تلك المناهج, كما كان هذا المعهد محل عناية الدولة واهتمامها الفائقين، كما تجلى ذلك في الزيارات السنوية التي كان يقوم بها آنذاك سمو الأمير فيصل بن
عبد العزيز، حيث كان يتفقد الصفوف الدراسية ويشجع الطلاب على بذل المزيد من الجهود للتزود بالعلم, وكذلك في حرص الدولة على تزويده بالنخبة من المدرسين من
كبار علماء الحجاز ونجد والبلاد العربية الاسلامية وقد خرج هذا المعهد عدداً كبيراً من الشباب السعودي الذي عمل في مختلف اجهزة الدولة وفي المؤسسات
التجارية (7) ,
تطورات المعهد ونظامه
ء(في شهر رجب من عام 1345ه فتح فيه قسم ليلي للموظفين الذين يرغبون في الاستزادة من العلم) وكانت مدة الدراسة في المعهد ثلاث سنوات تسبقها سنة اعدادية
بهدف اعداد الطالب ليكون مدرساً في المرحلة الابتدائية, وفي عام 1352ه انشأت مديرية المعارف بهذا المعهد فرعاً للقضاء الشرعي, وفي عام 1366ه طورت مديرية
المعارف الدراسة في المعهد ويمكن تلخيص ذلك فيما يلي:
،- زادت مدة الدراسة فأصبحت خمس سنوات بعد الحصول على الشهادة الابتدائية بهدف تقوية الخريجين واصبح الطالب يمنح بعد نجاحه في اختبار السنة الثالثة (شهادة
القسم التجهيزي) اما شهادة قسم المعلمين الثانوي فتمنح بعد النجاح في السنة الخامسة,
،- تعميم المكافأة الشهرية على جميع الطلبة وتقرر ايفاد الخريجين المتفوقين في بعثات دراسية الى الجامعات المصرية,
،- تعديل المناهج بحيث اصبح بامكان الطالب ان يتخصص في العلوم الشرعية او في اللغة العربية ولم يغفل المنهج الجديد اهمية العلوم الاجتماعية والرياضية, كما
اصبحت اللغة الانجليزية تدرس في سنوات المعهد الخمس بعد ان كانت تدرس قبل التعديل في الصف الثالث فقط, وكذلك ادخال مادة العلوم الحديثة, وكان المتفوقون في
المعهد بعد تخرجهم يكافأون بمنح دراسية يكملون بها تعليمهم الجامعي في بعض كليات القاهرة النظرية (9) ,
ثانياً: افتتاح العديد من المدارس ومنها:
،1 - مدرسة تحضير البعثات:قبل وجود التعليم الثانوي النظامي كانت مديرية المعارف منذ عام 1347ه تعمد الى ارسال الطلبة ممن يحملون مؤهلات تعادل الثانوية
العامة في ذلك الوقت لمتابعة دراستهم الجامعية في المعاهد والجامعات المصرية، وقد واجه اولئك الطلبة بعض الصعوبات نتيجة لتباين المناهج الدراسية
بالمملكة مع مناهج القطر الذي ارسلت اليه البعثات السعودية، لهذا السبب وخلافه اقدمت المديرية العامة للمعارف على افتتاح عدد من المدارس الثانوية النظامية
الحديثة وكانت مدرسة تحضير البعثات في مكة المكرمة اولى هذه المدارس حيث افتتحت عام 1355ه الموافق 1936م، واسمها كما هو واضح يبين الغاية المتوخاة من
انشائها وهي اعداد وتهيئة طلبتها للبعثات الدراسية خارج المملكة,
والتعليم الثانوي الحديث في المملكة بدأ مع بداية هذه المدرسة حيث تعد اقدم مدرسة ثانوية حكومية حديثة بالمملكة تعد الطلبة للالتحاق بالدراسات الجامعية في
مختلف التخصصات وخاصة الفروع العلمية، وكان الطلبة يقدمون اليها من شتى مدن المملكة لمتابعة دراستهم الثانوية (10) ,
ويمكن القول في ايجاز ان هذه المؤسسة التعليمية هي نقطة الانطلاقة والتحول في مجريات النهضة التعليمية, ولا تزال هذه المدرسة باقية الى اليوم باسم (مدرسة
العزيزية الثانوية) (11) ,
،2 - دار التوحيد
وشهد عام 1364ه بروز نمط جديد للتعليم يختلف في هدفه عن اهداف المعهد العلمي السعودي او مدرسة تحضير البعثات ويتمثل ذلك في مدرسة دار التوحيد بالطائف التي
سعت الى ايجاد من يتخصص ويتعمق في الشريعة الاسلامية على مدى خمس سنوات ينصرف الطالب فيها الى دراسة مواد الدين الاسلامي واللغة العربية كالتفسير والحديث
ومصطلح الحديث والفقه والفرائص والتجويد والنحو والصرف وفقه اللغة والأدب والنقد والبلاغة والحساب والتاريخ,, الخ,
وتعد هذه المدرسة ظاهرة تربوية فريدة ليس بأهدافها وبرامجها فحسب وانما بطرق التدريس السائدة وبالمرونة ثم بالوسط العلمي الجاد الذي كان يغلب على جميع
نشاطات وبرامج المدرسة الصفية واللاصفية، ومما ساعد على توفر كل ذلك كون اساتذة الدار من العلماء والاساتذة المبرزين ممن تلقوا تدريبهم في الازهر بنظامه
القديم، وكان معظم الطلاب يسكنون في سكن داخلي كان يسمى (بالمهجع) وفرته المدرسة للقادمين من خارج الطائف، وعيشهم المشترك مكنهم من التعارف وبروز روح
التعاون الجماعية والمشورة بينهم فنتج عن ذلك نشاط ادبي واجتماعي ضخم,, واصبح النادي ملتقى للطلاب يتبارون فيه بالقاء الخطب والقصائد الشعرية والمسرحيات
والفكاهة وغير ذلك,, وتخرج خطباء يتميزون بالشجاعة الادبية وبالقدرة على الارتجال ومواجهة المواقف الجديدة,, وانطلق بعضهم من منطلق النادي ليصبح بعد تخرجه
من الكتاب والشعراء والباحثين والتربويين المعروفين,
والمعلمون بالدار لم يكونوا بمنأى عن انشطة الطلاب فقد كانوا يشاركون ابناءهم بقصائدهم وبخطبهم وتوجيهاتهم لكن امر النادي وتنظيم حفلاته ظل امراً طلابياً
بحتاً تعدى في اثاره الطلاب والمدرسين وفصول الدراسة الى ان اصبح حدثاً اسبوعياً تنتظره المدينة من الآباء والأعيان في كل اسبوع بحماس ورغبة شديدة، وبهذا
الاسلوب نجحت المدرسة في ربط المجتمع بها وهو مبدأ تربوي لازم تعجز عن تنفيذه مدارس الوقت الحاضر,
والى جانب النشاط الفكري كان هناك نشاط رياضي تشارك وتنافس من خلاله المدرسة زميلاتها من مدارس المدينة وكانت الرحلات تمثل جزءاً اساسياً من برنامج
المدرسة ومع ما في هذه الرحلات من تسلية واطلاع وتنويع فقد كانت تستغل من جانب الطلاب انفسهم للدخول مع اساتذتهم في مناقشات جادة احياناً وفي مناسبة من
المناسبات رغب الطلاب والاساتذة في تطويل فترة احدى الرحلات فكان ان عقدوا حلقات للتدريس في الخيام وتحت الأشجار!!,
ومع كل ذلك فان طرق تقويم الطلاب كانت تنفذ بحزم لا يقبل التراخي، وكانت الدراسة سنوية وعلى فترة صباحية واحدة تبدأ مع نهاية فصل الصيف وتنتهي بقدومه
كبقية المدارس وفي الاشهر الاخيرة من العام الدراسي يوقف الطلاب جميع نشاطاتهم اللاصفية ويأخذون لأنفسهم اجازة يستذكرون فيها ويستعدون لاداء الاختبارات
النهائية,
وكانت تصرف لجميع الطلاب مكافأة شهرية تعينهم على تسديد حاجاتهم ذهباً او فضة وذلك قبل خروج النقد الورقي المتداول حالياً وعند نهاية السنة الدراسية
المعتمدة كانت تؤمن للطلاب سيارات خاصة تنقلهم مجاناً كلا الى بلدته التي قدم منها وهذه المدرسة كظاهرة تعد تجربة تربوية خلاقة في تاريخ التربية المعاصر
في المملكة العربية السعودية,
على ان دار التوحيد مع استمرارها الى اليوم قد تحولت الآن الى مدرسة عادية قسمت الى مرحلتين متوسطة لمدة ثلاث سنوات وثانوية بثلاث سنوات ايضا وصار يطبق
عليها ما يطبق على المدارس الاخرى العادية بعد ان غيرت مناهجها بما يوافق مناهج المدارس المتوسطة والثانوية الاخرى الى درجة كبيرة,
وتأسيس دار التوحيد اساسا كان جزءاً من خطة رسمتها مديرية المعارف العمومية في ذلك الوقت,, وهو ان تكون بمثابة المرحلة الاولى لاعداد طلاب يواصلون ويكملون
تعليمهم العالي ولأول مرة في داخل المملكة,, يدل على هذا انه مع تخرج اول دفعة من الطلاب بعد خمس سنوات من تأسيس الدار انشئت كلية الشريعة بمكة المكرمة في
عام 1369ه وهي كلية اريد بها تأهيل القاضي والمدرس المواطن الكفء,, ولقد ساد هذه الكلية في اول انشائها جو من النشاط والحيوية اشبه ما يكون بجو دار
التوحيد وذلك بحكم ان اكثرية طلابها كانوا يأتون من الدار (12) ,
ثالثاً: انشاء المعاهد العلمية
الظروف التي نشأت فيها المعاهد العلمية:يعد افتتاح المعاهد العلمية من المنجزات التعليمية الفريدة للملك عبد العزيز - رحمه الله - في مجال التربية
والتعليم, لقد كان للنجاح الذي حققته مدرسة دار التوحيد والسمعة الطيبة والعريقة التي حظيت بها في اول عهدها اثر واضح في خروج فكرة المعاهد العلمية لنشر
وتعليم العلوم الاسلامية,
في عام 1370ه (1950م) تقرر انشاء اول معهد من المعاهد العلمية والتي تعنى بتطوير التعليم الديني واللغة العربية بمدينة الرياض باشراف محمد بن ابراهيم آل
الشيخ - يرحمه الله, والواقع ان افتتاح هذه المعاهد كان خطوة كبيرة لنشر التعليم في نجد وتذليل الصعوبات التي كانت تواجه نشره في هذه المنطقة المحافظة وقد
اتاح افتتاح هذه المعاهد الفرص لكثير من ابناء المواطنين القاطنين في الهجر والقرى خاصة للالتحاق بالتعليم نظراً للمكافآت الشهرية السخية التي كانت وما
زالت تدفع لطلاب المعاهد العلمية، كما ان افتتاح هذه المعاهد ونوعية المواد التي درست فيها اسهما في تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة لدى بعض المواطنين عن
التعليم، وليسمح لي القارىء الكريم بان انقل كلاماً عن هذه المعاهد لمعالي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ - رحمه الله - وزير المعارف السابق حيث
تحدث عن ظروف افتتاح هذه المعاهد واهدافها واثر خريجيها المحمود في مسار النهضة الشاملة في البلاد, يقول رحمه الله (13) :
،(بدأ التعليم الثانوي الحكومي في منطقة نجد متأخرا عنه في الحجاز شأنه في ذلك شأن التعليم الابتدائي، فقد مرت الاشارة الى ان المعهد العلمي السعودي وهو
اول مدرسة فوق مرحلة التعليم الابتدائي كان قد افتتح في مكة المكرمة عام 1345ه في حين ان اول مدرسة ثانوية التي هي المعهد العلمي كانت قد افتتحت في الرياض
عام 1370ه,
ويعود السبب في هذا التأخير الى تحفظ سكان منطقة نجد على هذا النمط من التعليم اقصد به التعليم الحديث عن طريق المدارس النظامية الذي كان جديدا بل غريبا
عليهم يترددون في قبوله، وهذا الموقف من الجديد المستحدث ليس بمستغرب على بيئة محافظة مثل بيئة نجد التي بقيت معزولة فترة طويلة في العهد العثماني لا بسبب
موقعها الذي كان يصعب الوصول اليه لعدم تيسر طرق المواصلات ووسائط النقل وانما بسبب عدم تقبل العثمانيين لحركة الاصلاح التجديدية التي حمل لواءها ونادى
بها الامام الشيخ محمد بن عبد الوهاب واصبحت نجد اقدم واهم معاقلها في بداية عهدها لذلك حرمت من التعليم الحكومي الحديث الذي بدأه العثمانيون في البلاد
العربية التي كانت جزءاً من ممتلكات دولتهم كما حرمت من كثير من مستلزمات الحياة ووسائل العيش المتطورة كعقوبة للذين استجابوا للدعوة الاصلاحية التي لم
يكن العثمانيون محظوظين لتقبلها, اما في الحجاز فقد اقام العثمانيون بحكم وجودهم فيه بعض المدارس الحكومية خصوصاً في مكة المكرمة والمدينة المنورة الى
جانب المدارس النظامية الاهلية التي اقامها بعض الهنود والجاويين وغيرهم مثل المدرسة الصولتية والنجاح وكما فعل الشريف حسين في حكمه القصير ايضا,
ولذلك عندما بدأت مديرية المعارف في عهد الملك عبد العزيز بافتتاح المدارس الحكومية في الحجاز لم تجد في ذلك صدوداً وتردداً يذكر من قبل الحجازيين مثلما
كان يحتمل حصوله لو اقدم الملك عبد العزيز على افتتاحها في وقت مبكر عند عودته الى الرياض ولذلك كانت في ترويه حكمة وبعد نظر كما كان افتتاح المعهد العلمي
في الرياض لكي يكون بداية التعليم الثانوي الحكومي في نجد دون غيره من المدارس الثانوية وجعله تحت اشراف الشيخ محمد بن ابراهيم مفتي المملكة وهو الآخر
اجراء حكيم ومدروس اذ روعيت في المنهج الدراسي المذكور العلوم الاسلامية بتركيز وتوسع وهي نفس العلوم التي كان يتم تدريسها في حلق المساجد وفي مجالس بعض
العلماء كالتوحيد والفقه والحديث وعلوم اللغة العربية التي هي من لوازم ومقتضيات دراسة العلوم الشرعية والتفقه في الدين وهي علوم عزيزة ومحببة عند
النجديين خاصة لانهم كانوا قد درجوا على دراستها وتعلمها بشغف على يد المشايخ والعلماء ولكن اضيفت اليها مواد كان يجري تدريسها في المدارس الثانوية
النظامية - الحكومية - بموجب المناهج الموضوعة من المختصين والتي اختيرت بدقة وعناية واشراف من قبل رئاسة القضاة في مكة المكرمة,
والشيخ محمد بن ابراهيم هو من هو؟ انه العالم السلفي مفتي المملكة الغيور على الاسلام,, فحين يتولى الاشراف المباشر على معهد دراسي ويتولى وضع مناهجه فإن
ذلك يلغي كل تحفظ وينهي كل تردد او حذر من قبول الانتظام فيه,
وقد حققت هذه الاعتبارات المدروسة مجتمعة اغراضها وتم افتتاح المعهد العلمي في الرياض وقوبل عام 1370ه بكثير من الاقبال والرضا والاطمئنان فانتظم في
الدراسة فيه سنة افتتاحه تلك مائة وثلاثة واربعون طالباً موزعين على المستندات (او الصفوف) الأولى والثانية والثالثة بحسب مستوياتهم وهو رقم كبير
بمقارنته بعدد الطلبة المنتظمين في بعض المدارس الثانوية التي سبقته في مدن اخرى من المملكة كالمدينة المنورة وجدة وغيرها حيث لم يتجاوز عددهم في سنة
افتتاحها بضعة تلاميذ,, اذ كان عدد المنتسبين في بعض المدارس خمسة فقط يتولى تدريبهم ثلاثة من المدرسين وذلك امر متوقع عند بدايات التحول والتطور نحو
الأحسن في الأمم والشعوب فهذا يحتاج الى الصبر والثبات والتطلع الى المستقبل بثقة وتفاؤل,
ولقد كان افتتاح المعهد العلمي في الرياض بداية الاقبال على التعليم الحكومي بافتتاح مزيد من المعاهد في عديد من المدن وافتتاح المدارس الثانوية فيما
بعد,, وبعبارة اخرى استطيع القول ان افتتاح المعهد المذكور قد مهد الطريق ويسر السبيل للتعليم الثانوي خاصة والتعليم الحكومي عامة في منطقة نجد بعد تحفظ
وحذر لم يخل من فائدة,, لقد كان يعكس في جوهره اعتزازا بجوهر الدين نفسه وسرعان ما تبين للحذرين المتحفظين ان الدين بخير وان التعليم الحكومي والحديث لم
يخرج عن جوهره ولا عن اطاره بل انه قد روعي فيه ان يكون من هذا الجوهر ومحكوما بهذا الاطار والحمد لله,
أهداف المعاهد العلمية ونظامها (14) :
ورد في وثيقة تأسيس المعهد العلمي في عنيزة الصادرة في 1373/4/5ه برقم 951/13/20 اشارة الى ان هناك نظاما وهذا لا يعني بالضرورة وجود نظام مكتوب للمعهد
لانه يرد في كثير من الوثائق القديمة الاشارة الى نظامكم وتعني طريقتكم او حسب المتبع المعروف لديكم, وبعد اكثر من عام اي في 1374/9/19ه صدرت وثيقة من
جلالة الملك سعود - رحمه الله - تنص على اهداف المعاهد الدينية برقم 5/1684/33/3 وتضمنت هذه الوثيقة مع الاهداف بعض ما ينبغي مراعاته لتحقيقها,وفي عام
،1389ه صدرت وثيقة سياسة التعليم في المملكة العربية السعودية بقرار من مجلس الوزراء يحمل رقم 779 في 17/16 - 1389/9ه متضمنة احكاماً خاصة للمعاهد العلمية
في موادها ذوات الأرقام (150، 151، 152) (15) ,
وبعد انشاء معهد الرياض عام 1370ه انشئت بقية المعاهد العلمية تباعاً في مدن المملكة العربية السعودية فقد افتتح في عام 1373ه معهدان في كل من بريدة
وعنيزة وفي العام الذي يليه (1374ه) افتتحت خمسة معاهد في شقرا ءوالمجمعة والاحساء وسامطة ومعهد امام الدعوة بالرياض, وفي عام 1381ه (1961م) تم انشاء
ثلاثة معاهد في كل من المدينة المنورة وحائل وابها, وفي عام 1384ه (1964م) انشئت خمسة معاهد في جدة وتبوك والافلاج والدمام والدلم, وفي عام 1385ه (1965م) ،
افتتحت سبعة معاهد علمية في نجران وجازان والطائف والرس وحفر الباطن ووادي الدواسر وعرعر, وفي عام 1386ه (1966م) انشئت المعاهد العلمية في البكيرية والجوف
والباحة وبيشة والغاط, وفي عام 1388ه (1968م) اوجدت خمسة معاهد اخرى في كل من حريملاء والبدائع وحوطة سدير والقويعية وفي رأس الخيمة (بالخليج العربي) وفي
عام 1395ه (1975م) انشىء معهدان في صبيا والآخر في القنفذة, وفي عام 1398ه (1977م) افتتح معهد فيفا, وفي عام 1398ه (1978م) انشئت معاهد املج والدوادمي
والمندق ورجال المع والنماص ومحايل عسير والخرج وفي عام 1399ه (1979م) افتتحت ثلاثة معاهد في خميس مشيط وضمد، وفي موريتانيا (بالمغرب العربي)، وفي عام
،1414ه افتتح معهدان في رضوى وطريف وفي عام 1415ه افتتح اربعة معاهد في البدع وشرورة والمجاردة ونجران,
وبهذا اصبح عدد المعاهد خلال العام الدراسي 1418ه ستين معهداً بالاضافة الى ستة معاهد خارج المملكة في كل من اندونيسيا وموريتانيا وجيبوتي واليابان ورأس
الخيمة وامريكا وقد تخرج في هذه المعاهد مجتمعة 69880 من المرحلة المتوسطة و54065 من المرحلة الثانوية,
والدراسة في هذه المعاهد تشمل العلوم الشرعية واللغة العربية والعلوم الاجتماعية الى جانب الثقافة العامة وقد اتاحت هذه المعاهد الفرصة لابناء المسلمين في
انحاء العالم وخاصة من الاقليات الاسلامية للدراسة والتهيؤ للمراحل الجامعية لكي يصبحوا فيما بعد دعاة وحملة لمشاعل العلوم الاسلامية في بلادهم, وقد بلغ
عدد الخريجين من غير السعوديين من المعاهد في الداخل منذ انشاء المعاهد عام 1370ه والى عام 1418ه عددا مقداره (1960) طالباً من 64 دولة (16) ,
وقد تبعت هذه المعاهد حتى عام 1395ه (1975م) الادارة العامة للكليات والمعاهد ثم الرئاسة العامة للكليات والمعاهد وفي نهاية ذلك العام صدر قرار يقضي
بالحاق المعاهد العلمية بجامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية مع ربط صلاحية افتتاح وادارة هذه المعاهد بالرئيس الاعلى للجامعات, وفي عام 1397ه (1977م) ،
صدر قرار آخر يقضي بربط المعاهد العلمية ربطاً نهائياً بجامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية ادارياً وفنياً ومالياً، ودمج ميزانيتها مع ميزانية الجامعة,
وتنقسم الدراسة في هذه المعاهد الى مرحلتين متوسطة وثانوية ومدة الدراسة في كل منهما ثلاث سنوات وذلك ابتداء من العام الدراسي 1392/91ه (1972/71م) وقبل
ذلك التاريخ كانت مدة الدراسة بها خمس سنوات دون فصل بين المرحلتين وكان يوجد في بعض هذه المعاهد مرحلة تمهيدية تعادل الصف الخامس والسادس من المرحلة
الابتدائية وبعد تمديد سنوات الدراسة في هذه المعاهد الى ست سنوات بدلا من خمس سنوات وتقسيمها الى مرحلتين متوسطة وثانوية جرى تعديل خطة الدراسة,
وفي عام 1398/97ه (1978/77م) خفضت الخطة الدراسية في هذه المعاهد واصبحت ثلاثين حصة في الاسبوع بدلا من ست وثلاثين واعطيت 14 حصة للعلوم الدينية في
المرحلة الثانوية واحدى عشرة حصة لعلوم اللغة العربية وثلاث حصص للعلوم الاجتماعية وحصتان للغة الانجليزية,
هذه لمحة موجزة عن المعاهد العلمية التابعة لجامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية ومع انه من الصعوبة بمكان تحديد آثار المعاهد العلمية في المجتمع بمعايير
ملموسة الا اننا نستطيع القول بأنه عندما برزت فكرة افتتاح المعاهد العلمية في المملكة لحظ ما يتمتع به المجتمع السعودي من خصائص في مقدمتها الرغبة في
بناء المجتمع على الفضيلة والقيم الاسلامية فصممت الخطط والمناهج بما يلائم هذا التوجه وحددت الشروط والاوصاف للطلاب بما يتفق مع هذه الروح وانطلقت مسيرة
المعاهد العلمية في ظل النظام القويم للدولة وبدأت تخرج افواجاً من الطلاب صبغوا صباغة خاصة واعدوا اعداداً مناسباً للقيام بمسؤوليتهم في الأمة وصادف ذلك
حاجة المجتمع الى هؤلاء الندرة المؤهلين وتعددت مجالات العمل وتنوعت الفرص فانخرطوا في الحياة العلمية والعملية وتحملوا مسؤولية الاسهام في تسيير الاعمال
بكفاية وبخاصة في المجالات الشرعية في القضاء والافتاء والدعوة والارشاد والاستشارات الشرعية والتعليم والادارة الحكومية (17) , وبرز منهم علماء وادباء
وشعراء وتربويون ومؤرخون وباحثون وامتد اثرهم الى الحركة الادبية في المملكة العربية السعودية عن طريق التأليف والنشر والاعلام على مدى ثمانية واربعين
عاما مضت وقد ظهرت آثارهم في تنمية الوعي الديني والاجتماعي وانتشار التعليم ومعالم المجتمع ولا يخلو جهاز حكومي او اهلي من عدد كثير من هؤلاء في موقع
التخطيط او التنفيذ او المتابعة,
رابعاً: إصدار أول منهج دراسي يطبق في العهد السعودي
كما اصدرت مديرية المعارف اول منهج دراسي عام 1345ه يطبق في العهد السعودي واهم ملامح هذا المنهج (18) :
،1 - عنايته الفائقة بالعلوم الدينية، فقد صمم المنهج ليخرج طلاباً متمسكين بتعاليم دينهم الحنيف,
،2 - حرصه على تزويد الطالب بقدر كاف من العلوم يمكنه من خدمة الوطن بصورة افضل,
،3 - تأكيده على تنة الروح الاسلامية والعربية (19) ,
،4 - عنايته بتنمية الاتجاهات وخاصة حب الوطن فالطالب يتخرج بعد دراسته محبا لوطنه عن قناعة لا عن جهل,
ويطول بنا المقام لو استعرضنا بالتفصيل منجزات مديرية المعارف، لذا سوف نكتفي فقط بالاشارة الى أن مديرية المعارف بالاضافة الى ما ذكر اصدرت اول نظام
للمدارس عام 1347ه واصدرت نظاما للمدارس الأهلية عام 1357ه واصدرت نظاماً للدروس الخصوصية عام 1371ه
ولمديرية المعارف تجارب اولى في افتتاح المدارس الليلية ومدارس تحفيظ القرآن الكريم بل اسهمت في وضع اللبنات الأولى للتعليم العالي بانشاء كلية الشريعة
بمكة المكرمة عام 1369ه وكلية المعلمين التي بدأت الدراسة فيها عام 1372ه,
الهوامش
،(1) عبد الرحمن السبيت وآخرون، كنت مع الملك عبد العزيز 1415، ص 41,
،(2) - للمزيد من المعلومات انظر: عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، لمحات عن التعليم وبداياته في المملكة العربية السعودية الرياض، مطابع العبيكان,
،(3) المصدر السابق ص 15,
،(4) وزارة المعارف، تطور التعليم بوزارة المعارف خلال 25 عاماً، اعداد مركز المعلومات الاحصائية، التوثيق، ص 4 - ص 6,
،(5) عبد الرحمن صالح، تاريخ التعليم في مكة المكرمة، دار الفكر 1392ص 89,
،(6) ام القرى، 7 صفر 1346، العدد 138، ص 1,
،(7) احمد منير مصلح، نظم التعليم في المملكة العربية السعودية والوطن العربي، ص 55 - ص 56,
،(8) محمد ابراهيم، التعليم النظامي وغير النظامي في المملكة العربية السعودية، عالم المعرفة، جدة 1405ه ص 38 - ص 39,
،(9) عبد الله الزيد، التعليم في المملكة العربية السعودية ص 15,
،(10) حمد ابراهيم السلوم، تاريخ الحركة التعليمية في المملكة العربية السعودية ج3، ص 160 ص 161,
،(11) عبد المجيد بغدادي، الانطلاقة التعليمية في المملكة العربية السعودية، دار الشروق جدة ج1،ص 273,
،(12) عبد الله الزيد، التعليم في المملكة السعودية مصدر سابق ص 16 - ص 17,
،(13) لمحات عن التعليم وبداياته مصدر سابق ص 50 - ص 53,
،(14) جامعة الامام محمد بن سعود، المعاهد العلمية بين الماضي والحاضر (1370 - 1418ه) ص 15 - ص 18,
،(15) وزارة المعارف سياسة التعليم، مصدر سابق ص 29,
،(16) المعاهد العلمية بين الماضي والحاضر، مصدر سابق ص 43,
،(17) المصدر السابق ص 38,
،(18) ام القرى 20 ربيع اول 1345ه ص 1,
،(19) وزارة المعارف، فصول من تاريخ التعليم المتوسط 1402ه ص 3,