* كتب - المحرر التشكيلي
ان المتابع لمسيرة الفن التشكيلي السعودي يجد أن هناك جهودا ومبادرات وخطوات فنية قليلة من قبل الفنانين التشكيليين استطاعت ان تخطو بواقع الفن وتدفعه نحو التواجد والثبات, ولتلك الفئة دورها في تمهيد الطريق لاجيال اتت تباعا, فقبل ما يزيد عن الثلاثين عاما لم يكن واقع هذا الفن كما هو عليه الآن ولهذا فنحن في حاجة لنظرة فاحصة ومحللة لذلك التطور ومعرفة للادوار التي شكلت الجسد الحالي بما يحمله من اسماء واعمال تعدت مرحلة الكيف الى مرحلة الكم - وبشكل متسارع.
وحينما نعود للبدايات ونضع الجهود الفردية في مقدمة كل الجهود فذلك عائد لكون ما يقوم به اولئك الفنانون أوجد القاعدة الراسخة نتيجة لحماس ومثابرة من تحملوا هذه المسؤولية في وقت لم يكن فيه من يعترف او يعرف عن هذا الفن الا ما يقدم في المعارض المدرسية.
مرحلة الواقعية
وكما هي كل البدايات فقد كان الاسلوب الواقعي هو الاقرب لتعريف الجمهور او جذبه للمعارض او حتى الاقتناء باعتباره المرتبط بالواقع العام الانساني والاجتماعي وبرز في هذا الاتجاه مجموعة من الفنانين منتشرين على امتداد خارطة الوطن اصبح كل منهم يحاكي واقعه ومحيطه ويقدمونه اعمالا تسجيلية للتراث والواقع مما اعطى انطباعا جيدا عن المتلقي - هذه الفئة او المجموعة يمكن ان نضعهم في مرحلة ما قبل عودة المبتعثين - واغلب هؤلاء الفنانين تلقوا دراساتهم الاكاديمية في معهد التربية الفنية عبر مجموعة من الفنانين العرب المعروفين بريادتهم في بلدانهم كالعراق ومصر وسوريا - وكانت تلك المرحلة او من تخرج من هذا المعهد ممن كان يمتلك الموهبة ثم تلقى اصول العمل الفني التشكيلي من خبرات وتجارب اولئك الفنانين، كان لهم بالفعل الدور البارز والابداع المتميز حتى يومنا هذا مع ما طرأ - على اعمالهم واساليبهم من تطور.
مرحلة التأثر الغربي
بعد سنوات ليست طويلة من تواجد اولئك الفنانين الدارسين داخل الوطن وما اقاموه من معارض بدأت مرحلة جديدة وهامة في مسيرة هذا الفن وهي مرحلة عودة المبتعثين من دراساتهم في دول عالمية منها اوروبية ومنها الولايات المتحدة الامريكية هؤلاء جاءوا الى الحركة التشكيلية والغالبية منهم قد تشبعوا بالثقافات والتقنيات الغربية وبدأوا في طرح تلك الحصيلة رغم ما تحمله من قصور في المستوى الادائي او في الهدف أو المعنى الفكري فخرجت بشكل مرتجل وغير مكتمل النمو فلم تجد تلك التجربة أي اصداء سوى من القلة القليلة التي تعاملت بذكاء مع الطرفين فجمعوا حداثة التعبير بمفردات وعناصر تراثية محلية ورغم تلك المحاولة الا ان المراحل اللاحقة كشفت ضعف مرتكزهم او مرجعيتهم الغربية واسقطوها من قاموس ابداعهم وبدأت شخصيتهم الفنية تأخذ شكلها الطبيعي.
فنانون في مفترق الطرق
لقد كان لتجارب الفنانين القادمين من دراسات خارجية اثر هام ومؤثر في خبرات الاجيال اللاحقة والتي بدأت تنضم الى البقية فأخذوا في تقليد ذلك الابداع المستورد - او ما يمكن ان نطلق عليه,, الغزو التشكيلي - ووجد الكثير منهم سهولة في التعامل معه ومع ما يظهر لهم من سطحية في الاداء وسطحية في الفكرة او الموضوع - وامتلأت المعارض بالعديد من اللوحات الخاوية من مقايس العمل الفني الجيد واستمرت تلك الظاهرة فترة طويلة ثم اخذت في الانحسار والتلاشي وخلفت العديد من المحاولات الفاشلة طي النسيان ليأتي بعدها مرحلة اكثر صعوبة وهي مفترق الطرق خصوصا لمن لايزال يبحث عن ذاته ونمطه او اسلوبه الذي يحقق منه التعبير الحقيقي عن ابداعه، هؤلاء تجدهم في دوامة غير مستقرة تكشفها اعمالهم التي تشاهد في كل معرض او في كل فترة بشكل يخالف سابقه فتارة تجريديون واخرى سرياليون وتارات تجدهم يقتبسون من هنا وهناك لعل وعسى ان يحققوا نتيجة.
أسماء وإبداعات راسخة
رغم ما قلناه سابقا الا ان عزاءنا في هذا الواقع الابداعي هم اولئك الثابتو الخطوة والسائرون على قاعدة قوية ومدروسة منذ البداية وحتى آخر اعمالهم فأصبحت اعمالهم مرجعا صريحا وحقيقيا لواقع نجاح هذه المسيرة عبر اعمال مؤطرة بالثقافة والوعي وموشاة بالاداء التقني المتميز والمنافس بجانب ما يضاف الى تلك الخطوات من تجارب جديدة لا تنفصل عن سابقاتها بقدر ما تضفي جديدا عليها.
شوائب وظواهر مؤذية
أما ما يمكن ان يحسب شوائب مضرّة أو ظواهر مؤذية لمسيرة الحركة التشكيلية السعودية عبر مراحل تطورها فهي ما يتعلق بالممارسات السيئة والمتمثلة في السرقات او استقدام رسامين والإمضاء على اعمالهم بأسماء سعودية او إعداد واقامة معارض غير متكافئة ولا تخدم الهدف وهذه الجوانب او تلك السلوكيات لم يكتب للكثير منها الاستمرار وتمت محاربتها عبر الصحافة وعبر الندوات التشكيلية وعبر المسئولين عن هذا الفن في الجهات الرسمية.
* اخيرا - فرغم ما نحن متفائلون به من نتائج لهذه المسيرة الرائعة وما تحظى به من دعم كبير الا اننا نطمح بالافضل ونتمنى ان تصبح حركتنا التشكيلية السعودية رمزا ثقافيا وفكريا يصل اشعاعه لكل اطراف المعمورة بإذن الله.
|