Thursday 1st April, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الخميس 15 ذو الحجة


مشاعر العودة
د, فهد حمد المغلوث

ونحن نستعد لاقفال حقائب السفر للعودة الى حيث كنا، للرجوع الى ما تعودنا عليه، لا بد أن تنتابنا مشاعر غريبة، لا بد أن تخالجنا أحاسيس مختلفة، لا بد أن نفكر باشياء كثيرة لعل ابسطها سؤالنا لأنفسنا: هل استمتعنا باجازتنا؟ كيف قضيناها؟ ما الذي كان ينقصها؟ هل نريد تكرارها؟ وإلى أي مدى؟
والأهم من ذلك هل نحن جاهزون للعودة الى مواقع أعمالنا وأماكن دراستنا وارتباطاتنا بروح جديدة مختلفة تشجعنا على العطاء ومواصلة العمل بهمة ونشاط؟
ومثل هذه التساؤلات ربما تقودك الى سؤال آخر مهم وهو متى تكون الإجازة جميلة وحلوة؟ ومتى يكون السفر مطلبا ملحا وضرورة ومتى يكون رائعا؟ ومثل هذه التساؤلات قد تبدو الاجابة عليها سهلة في أول الأمر ولكن بقليل من التفكير نرى ان الاجابة عليها عكس ذلك! وهذا بالتأكيد يختلف من شخص لآخر.
ولكن السؤال هو هل لكي تصبح الاجازة ممتعة ومميزة لا بد ان ترتبط بالسفر؟ أي هل لا بد ان نسافر لكي نشعر اننا في إجازة؟ والأهم من ذلك هل كل من يسافر نعتبره سعيدا او محظوظا؟ اعتقد أن الاجابة على هذا السؤال الأخير تحتاج منا وقفة.
فنحن نسافر أحيانا الى مدن وبلاد يحسدنا عليها الآخرون او لنقل يغبطوننا عليها يعتقدون اننا في قمة السعادة حينما نكون في السفر، لاننا من المؤكد أحسن منهم حظا، ولكن ما ادراهم ان تلك المدن الآهلة بالناس التي نسافر اليها تصبح في نظرنا أشبه بمدينة أشباح لا نرى فيها سوى جماد، لا نرى فيها سوى اجساد من دون ارواح، لانك أما تسافر رغما عنك، او بدون من يجعل لهذه الرحلات طعما مميزا، بدون إنسان يشاركك هذه الرحلة بدون إنسان نضع يدنا في يده في كل مكان نذهب اليه، بدون إنسان تضحك معه بصدق من كل قلبك، بدون إنسان يأخذك بعيدا عن الطابع الرسمي والتقليدي لذلك السفر ويجعل منه رحلة حالمة لا تناساها طوال عمرك.
ترى هل متعة السفر هي في الوقت الذي نقضيه في الفرجة والملهيات والترفيه والتسوق؟ وبالتالي الابتعاد او نسيان حقوق ربنا علينا من تأدية الصلوات وقراءة القرآن ولو آية منه من وقت لآخر؟
ترى هل جمال السفر يعني تخلي الإنسان عن عاداته وتقاليده وقيمه فقط لانه في سفر ولا بد أن يستمتع حتى آخر دقيقة؟
وهل متعة السفر أن استمتع أنا بكل شيء بينما اتجاهل حقوق ومتعة من هم برفقتي لاعتبارات لا نستطيع ان نسميها سوى انها قمة الأنانية والتناقض.
اعتقد ان السفر له معنى آخر أجمل بكثير مما نتصوره ونتخيله، ولن تستطيع ان تعرف مكمن هذا الجمال إلا حينما تجد ذلك الإنسان المميز الذي يعرف لك المعنى الحقيقي والرائع للجمال بطريقة عملية وواقعية بعيدا عن التكلف والمظاهر الخداعة.
فما أجمل رحلة السفر حينما تكون بصحبة من تحلم به من ترتاح اليه وتثق به، من تجد فيه نفسك وتشعر انه أنت.
ما أجمل تلك الرحلة وهي خالية من حقائب السفر الثقيلة سوى من حقيبتين صغيرتين لك وله تضعانها على كتفيكما تجوبان بهما بلاد العالم, ما أجمل تلك الرحلة حينما تكون خارج حدود المدينة ووسطها بعيدا عن الضوضاء حسبما تكون أنت وحلمك تتمشيان بين المروج الخضراء ووسط السفوح او على دراجتين عاديتين زادكما بعد تقوى الله هو الحب وهدفكما بعد رضا الله هو التجول بين الكون والمتعة لا يوقفكما سوى شعوركما بالتعب وبالتالي الراحة لتعاودا الرحلة يوما آخر ولكن على حصانين لانكما سوف تريان العالم حينها بشكل مختلف كما لو كنتما تريانه لأول مرة, لا يهمكما الوصول بقدر ما يهمكما الوقت الذي تقضيانه معا والمتعة التي تشعران بها في ظل أجواء غير تقليدية.
كل هذه قد تحصل أثناء السفر ولكن هل السفر كل شيء؟ هل هو كل تفكيرك؟ ان السفر لكي تكتمل متعته كما قلنا فلابد أن تكون له صحبة مميزة وليست أي صحبة وقد تراودك مشاعر أخرى ربما عكرت ما أنت فيه من متعة، تلك هي مشاعر العودة من السفر خاصة لو كنت مع حلمك لانك لا تريد أن تنتهي تلك الرحلة تريدها ان تطول وتطول لأن هذا معناه أنك ستقضي متعة أكثر وأجمل مع من هو برفقتك ومع من هو كل شيء بالنسبة لك، تريد ان تنسى شيئا اسمه العودة لأنها تعني قطع السعادة مؤقتا ايقافها الى إشعار آخر، لان مشاعر السعادة في السفر لا شك تختلف عنها في أي مكان آخر حيث الاقامة الدائمة, يكفي انك أثناء السفر تتحرر من كثير من القيود التي تحرمك من أبسط حقوقك الإنسانية، ويكفي انها تبعدك عن المجاملات المبالغ فيها ويكفي انها تأخذك بعيدا عن التكلف لتشعر ببساطتك المعهودة التي افتقدتها قبل السفر، ويكفي انك تستطيع ان تقوم بكل شيء بريء وجميل كان في نفسك ربما منذ سنوات طويلة ولم تستطع القيام به قبل السفر إما خجلا او خوفا من ألسنة الناس,, إلخ.
قد يكون مجرد التفكير في العودة في ظل تلك الأجواء الحالمة شيئا مزعجا، ولكنه ليس كذلك في كل الأحوال أبدا,, بل ان مجرد التفكير في العودة قد يصبح مطلبا وراحة نفسية لك خاصة حينما تكون بمفردك وتشعرك ان هناك شيئا ما ينقصك ولا تكتمل سعادتك إلا به، حينئذ تكون في سفر بجسمك ولكنك بروحك وعقلك هناك الى حيث من هم روحك وعقلك الى حيث من كان يفترض ان يكونوا برفقتك في سفرك.
قد يصعب علي وصف مشاعر العودة الأخرى التي انت في حاجة اليها ولكن ما رأيك بكلمات رقيقة تقرب لك وصف تلك المشاعر وتشعرك كم أنت محظوظ بوجودك لانسان يجبرك على التفكير الجاد للعودة اليه مهما كنت ومع من كنت, قد تكون لك مشاعر أخرى، ولكنها على أي حال جزء من مشاعر رائعة وليست كل المشاعر، جزءا من احاسيس ممتعة وليست كل الاحاسيس, ارجع الله لكم أعز الناس واقربهم الى قلوبكم وأقر بهم أعينكم وكلل بهم سعادتكم وخاصة ونحن نعيش أجواء عودة حجاج بيت الله لأهلهم وذويهم وديارهم موفوري الصحة والعافية.
فهل أنت قادر على وصف مشاعر العودة الجميلة بكلمات من عندك؟ إن لم يكن لديك القدرة فتأكد ان مجرد الشعور بها هو شيء جميل في حد ذاته، لأن وسائل التعبير عن المشاعر الرائعة لا حصر لها ولا وقت لها ولا حدود لها، وتذكر انك حينما تشعر بمثل هذه المشاعر الممتعة، فهذا لأنك إنسان، تستحق ان يبادلك الآخرون نفس المشاعر ان لم يكن اجمل منها.
تذكر وانت تحلم بهذه الأجواء الحالمة تذكر ان هناك من سوف يحققها لك بإذن الله وقريبا جدا لأنك انت من سوف يجعل لتلك الأجواء مذاقا خاصا لانها باختصار وبساطة لا تكتمل إلا بوجودك ولن تستمر إلا بنفسك فيها ولا يصلح لها احد سواك, فقط دع هذا الأمل أمامك ونصب عينك وتذكر انك سوف تحتفل به وتعيش اجواءه وتستمتع بكل لحظة من لحظاته طالما كان بداخلك هذا القلب الكبير والروح الحلوة والحب الذي لا يعرف حدود والود الذي هو أنت.
همسة
حينما تصبح العودة من السفر,.
أكثر جمالا من السفر نفسه,.
حينما يكون الحديث عن العودة,.
أكثر متعة مما هو سواه,.
حينما يكون التفكير,, كل التفكير,.
هو العودة,, دون تأخير,.
حينما يكون القرار,.
هو العودة,, دون تأجيل,.
وحينما تكون العودة,.
لأجلك وبسببك,.
***
فهذا يعني أنني سأراك قريبا,.
سألتقي بك حيث أنت,.
أينما كنت ومع من كنت,.
بعد طول فراق,.
بعد تلهف واشتياق,.
***
سأكون هناك بالقرب منك,.
حيث المكان الذي جمعنا,.
حيث الحب الذي ربطنا,.
حيث الود الذي ضمنا,.
***
سأعود اليك,.
لأكون بين يديك,.
لأكون أكثر قربا منك,.
أكثر التصاقا وتعلقا بك,.
أكثر تقديرا واحتراما لك,.
***
سأعود لأعوض معك أيام الحرمان,.
لاستعيد معك ساعات الأمان,.
لاتذوق معك طعم الحنان,.
لأشعر معك بقيمتي كإنسان,.
ولأعيش معك لحظات السعادة,.
أجمل وأروع لحظات عمرنا,.
فهلا انتظرتني وترقبت عودتي؟
رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
فنون تشكيلية
مقالات
المجتمع
الثقافية
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
ملحق نجران
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved