Friday 9th April, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الجمعة 23 ذو الحجة


كوسوفو وأزمة التفكير السياسي العربي

تثير - وما تزال- الحملة الأطلسية على يوغسلافيا العديد من الاشكالات السياسية والفكرية التي تتعلق بمشروعية تدخل الناتو في ظل غياب الأمم المتحدة، ومستقبل النظام الدولي، والدور الأمريكي في أوروبا والموقف الروسي، علاوة على تناقضات الحملة الاطلسية ذاتها، فالأهداف السياسية للعمليات العسكرية والتي بدت قريبة قبل بدء العمليات اصبحت مع استمرار العمليات العسكرية بعيدة المنال، فالرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش لم يعلن موافقته علىاتفاق رامبوييه، ولم تتوقف الآلة العسكرية الصربية عن ارتكاب مذابح التطهير العرقي وطرد وتهجير مئات الألوف من الألبان المسلمين في كوسوفو، وفوجئت الادارة الأمريكية وقيادة الاطلسي بحجم مآساة اللاجئين، وبردود أفعال بعض الأطراف الأوروبية في حلف الناتو.
ومع صعوبة تحقيق الأهداف السياسية للحملة الاطلسية كان من الطبيعي ان تتصاعد العمليات العسكرية لتطرح مجموعة جديدة من الاشكاليات حول حدود استخدام القوة، وهل يمكن توجيه ضربات عسكرية موجعة ليوغسلافيا بدون تدمير البنية الأساسية ليوغسلافيا، أو اصابة مدنيين، ثم هل الضربات العسكرية، ومن قبلها فرض عقوبات على الصرب، كفيلة بالتخلص من النظام العنصري الذي يقوده الطاغية ميلوسيفيتش أم ان تصعيد الضربات العسكرية يمكن ان تدعم بقاءه في الحكم,, وتخلق مأساة انسانية صربية موازية لمأساة مسلمي كوسوفو.
واخيرا ما هي علاقة مأساة صرب أو ألبان كوسوفو علي بخطاب حقوق الانسان الذي يمثل احد أهم آليات العولمة.
الاشكاليات السابقة طرحت نفسها على العقل العربي والذي تفاعل معها بحماس نتيجة انتماء ألبان كوسوفو الى العالم الاسلامي من جهة، ولوجود علاقات تاريخية وسياسية طويلة مع يوغسلافيا من جهة ثانية، ولعلاقة الحملة الأطلسية بالتحولات في النظام الدولي والدور الأمريكي من جهة ثالثة.
على ان اهتمام العقل العربي بأزمة كوسوفو والحملة الأطلسية عبر عن نفسه في سلسلة طويلة من المقالات والكتابات التي غلب عليها الطابع السياسي واهملت الجوانب الثقافية والتاريخية في الصراع، من هنا قدمت نوعا من التفكير السياسي الذي وقع اسير ايديولوجيات سابقة، استخدمت ترسانة مقولاتها السياسية ومواقفها الثابتة في التعامل مع الأحداث الجارية واشكالياتها.
ويمكن تصنيف انماط التفكير السياسي العربي في التعامل مع أزمة كوسوفو والحملة الأطلسية الى ثلاث أنماط:
الأول: ادانة الدور الأمريكي: يتسع هذا النمط من التفكير لتيارات وقوى عديدة من اقصى اليسار الى اقصى اليمين، إلا ان ما يجمعها هو الشك والادانة المسبقة للسياسات الأمريكية، بالاضافة الى استخدام نظرية المؤامرة في تفسير موقف الولايات المتحدة من الوضع المتفجر في البلقان، فالادارة الأمريكية تستغل الوضع من أجل الابقاء على دورها العسكري في أوروبا ودعم هذا الدور حتى تظل أوروبا كعملاق اقتصادي قزما عسكريا، كذلك فان الادارة الأمريكية تسعى لتوسيع حلف الناتو في أوروبا لضمان حصار روسيا، ولاجهاض أي تفكير مستقبلي بخصوص تحالف روسي يوغسلافي في قلب أوروبا.
وعلى هذا الاساس يحذر اصحاب هذا النمط من التفكير العرب والعالم من هيمنة الولايات المتحدة على أوروبا وعلى النظام الدولي، كما يحذرون بشدة من انفراد الادارة الأمريكية باستخدام القوة في العالم بعيدا عن مجلس الأمن وتحت اسباب ومبررات واهية تدعم من مصالح الولايات المتحدة، في هذا السياق يؤكد اصحاب هذا النمط من التفكير ان الاسباب الانسانية التي تتحدث عنها الادارة الأمريكية ليست اكثر من خطاب دعائي لتبرير تدخلها العسكري في البلقان.
ورغم أهمية بعض الأفكار والمنطلقات التي يطرحها اصحاب النمط الأول في التكفير إلا ان ازمتهم وقصور منهجهم يتجسد في محاولة اقناعنا بأن هذه الزاوية هي كل الصورة أوالحقيقة الكاملة، أي انهم يقعون في نوع غريب من أحادية التفكير، يطالبنا بادانة الدور الأمريكي دون التفات لاشكاليات الموقف ككل وخصوصا مأساة الألبان المسلمين في كوسوفو، أكثر من ذلك فإن بعضهم تجرأ الى حد ابداء الاعجاب بمواقف الصرب وصمودهم، والاشارة الى ان يوغسلافيا كانت صديقة للعرب وأيدت مواقفهم ضد اسرائيل.
الثاني: تأييد الحملة الأطلسية: يؤيد هذا النمط من التفكير موقف الحملة الاطلسية، بما يعني ضمنيا تأييد ودعم الدور الأمريكي، استنادا الى ضرورة وقف مأساة الألبان المسلمين، والتصدي لعدوانية وعنصرية الصرب، ويؤكد اصحاب النمط الأول من التفكير ان الاوضاع المأسوية في كوسوفو وتصلب مواقف ميلوسيفيتش لم تترك خيارا أمام الولايات المتحدة وأوروبا سوى استخدام الآلة العسكرية للناتو، رغم ما اسفرت عنه من خسائر وتسارع في المذابح الصربية ضد سكان كوسوفو.
أما عن مشروعية الحملة الاطلسية واستبعاد دور الأمم المتحدة فانه وضع استثنائي فرضته مجريات الأمور وتعقيداتها، فالموقف الروسي المتعنت لم يكن ليسمح باصدار قرار من مجلس الأمن بالتفويض باستخدام القوة ضد الصرب، حيث ستستخدم موسكو حق الفيتو، وبالتالي نعرض البان كوسوفو للمذابح والتطهير العرقي والقتل بانتظار اجراءات ومناقشات لن تنتهي في مجلس الأمن.
على ان مؤيدي الحملة الاطلسية يحذرون في كتاباتهم من استمرار الوضع المأسوي لألبان كوسوفو بعد استخدام الخيار العسكري، لذلك يطالبون بمواصلة الحملة الاطلسية حتى تتحقق أهدافها مع كفالة حقوق ألبان كوسوفو، بل ويطالب بعضهم باستخدام القوات العسكرية الى جانب الضربات الجوية والصاروخية.
والملاحظ ان النمط الثاني من التفكير يضم تيارات فكرية وسياسية متنوعة، حتى اننا نجد بينهم يساريين سابقين، وقيادات في أحزاب اسلامية أو أحزاب ليبرالية، لكن هؤلاء الفرقاء يغلبون الاعتبارات العملية على الاعتبارات والمخاوف النظرية، ويقدمون حججا وبراهين عديدة لاقناعنا بسلامة موقفهم منها الاعتبارات الانسانية والتزام الولايات المتحدة وأوروبا بخطاب حقوق الانسان الذي لا يمكن ان يسمح بمذابح التطهير العرقي في كوسوفو،كذلك فان الولايات المتحدة والدول الأوروبية يحرصون على تسوية الأوضاع المتفجرة في البلقان لضمان أمن واستقرار أوروبا.
لكن رغم تماسك تلك الحجج إلا ان ثمة رؤية أحادية تغلف اصحاب النمط الثاني من التفكير، فثمة صراعات ومصالح أعمق من حقوق الانسان تحرك الحملة الاطلسية، يجري تجاهلها، أو عدم ادراكها، كمخاطر قد تنجم عن الحملة الاطلسية.
الثالث: القلق والترقب الحذر: يشيع هذا النمط من التفكير في كثير من الكتابات والمقالات، ولعل مصداقية هذا النمط وقوته الوحيدة تكمن في تعبيره عن قطاعات واسعة من الرأي العام العربي التي فوجئت بالأحداث، وبالتحديد بحقيقة ان الولايات المتحدة والغرب يمكن ان يستخدموا القوة العسكرية ضد شعوب غير اسلامية لصالح شعب مسلم، هذه المفارقة ربما كانت وراء موقف الدهشة والحيرة والتردد الذي يسود قطاعات واسعة من الرأي العام العربي، عبرت عنه مواقف وكتابات صحفية كثيرة، بل ربما عبرت عنه ايضا مواقف حكومات عربية واسلامية.
المفارقة الثانية التي أدت الى الحيرة والقلق تجسدت في ارتفاع وتيرة المذابح وعمليات التطهير العرقي رغم استمرار الحملة الاطلسية، وبالتالي الحذر من اطلاق الأحكام أو اتخاذ المواقف المؤيدة أو المعارضة، خاصة وان الأهداف السياسية للحملة الاطلسية لم تتحقق حتى الآن, ومهما يكن من اسباب ومبررات القلق والترقب الحذر فان اصحاب هذا النمط من التفكير تابعوا الأحداث باهتمام، وناقشوا احيانا، بقدر كبير من الحيرة والتردد حجج وبراهين المؤيدين والمعارضين، لكن يظل في التحليل الأخير ان النمط الثالث من التفكير يعكس استجابة اقل بكثير من الأحداث، واقل ايضا من الروابط الثقافية والتاريخية التي تربط العرب والمسلمين بألبان كوسوفو.
***
انماط التفكير الثلاثة تعكس على اختلافها مشتركات عديدة فهي أولا وقعت في اطار الحسابات السياسية المجردة وهمشت دور الدين والثقافة في أزمة كوسوفو، من هنا اتخذت مواقف أحادية النظر، وثانيا ضمت فرقاء في الفكر والسياسية، حتى اننا لا نستطيع القول بأن هناك حزبا أو تيارا سياسيا اعلن تأييده أو معارضته للدور الأمريكي في أزمة كوسوفو، اذ ان هناك انقسامات طولية داخل كل تيار أو حزب، وثالثا اتسمت بقدر كبير من الاستقطاب والحدة، ورابعا عجزت عن تطوير مواقف سياسية واضحة وعملية تستطيع ان تقترح ادوارا عربية اسلامية اكثر فاعلية في التأثير في سياق أزمة كوسوفو.
أخيرا,.
اعتقد ان المطلوب هو تطوير التفكير السياسي في التعاطي مع أزمة كوسوفو والحملة الاطلسية بحيث يتجاوز احادية النظر والاستقطاب الحاد، ويبحث في الأبعاد السياسية والثقافية والاقتصادية للأزمة ولمجريات الاحداث في كوسوفو، كذلك فان التفكير السياسي لابد وان يتوجه نحو تطوير مواقف اكثر تركيبا من المواقف المعلنة، موقف يتسم بالشمول والتعامل الايجابي مع الاحداث ويتجاوز التأييد أو الادانة، فضلا عن التفكير المستقبلي، في هذا الاطار فإن هناك أهمية قصوى للتفكير في دور عربي اكثر فاعلية في الأزمة، يقوم على تأكيد ضرورة انسحاب القوات الصربية من كوسوفو، والسماح بعودة اللاجئين، والموافقة ليس فقط على اتفاق رامبوييه، بل ايضا على الضمانات المستقبلية لحقوق ألبان كوسوفو، وربما يكون من بينها حق تقرير المصير.
د, محمد شومان

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
المتابعة
ملحق جازان
أفاق اسلامية
لقاء
عزيزتي
المزهرية
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved