يمكن اعتبار الحرب الدائرة في البلقان آخر مسمار تم وضعه في نعش الامبراطورية السوفيتية، بل ان هذه الحرب هي بداية النهاية لكل المعسكر الشيوعي بافكاره واحلافه التي ملأت في يوم ما سمع العالم وبصره.
ولقد اعتبر الكثير من المراقبين ان افكار جورباتشوف قبل حوالي العشر سنوات وهي تلخصت في اعادة البناء للامبراطورية السوفيتية هي من اوائل المسامير في نعش تلك الامبراطورية,, وجاء بعده يلتسين ليواصل صناعة ذلك النعش بل وليضع كل ما يحتاجه نقل الاتحاد السوفيتي الى مقابر الافكار والدول البائدة مثل الدولة النازية.
الا ان حرب البلقان اكدت على كل المستويات وخصوصاً على المستوى الدولي النهاية لكل القوة السوفيتية ولكل اعتقاد بوجود اكثر من قوة يتمحور حولها العالم, بل ان هذه الحرب اعلنت للقاصي والداني ان حلف الناتو باعضائه وعلى رأس هؤلاء الاعضاء التسعة عشر الولايات المتحدة الامريكية هو القوة الوحيدة المتسيدة للعالم سواء ارادت ذلك دول العالم او لم ترده.
لم يستطع الاتحاد السوفيتي - وهو ما يعرف اليوم بالاتحاد الروسي - ضمان اكثر من صوت واحد او صوتين في مجلس الأمن للوقوف معه في مطالبته بايقاف الحرب اليوغوسلافية او ما عرف بحرب البلقان.
ان هذه الحرب بمراحلها المختلفة اكدت حقيقة غير قابلة للمناقشة وهي النهاية الابدية للمعسكر الشرقي ولحلف وارسو بل وللشيوعية الدولية وللاتحاد الروسي كدولة عظمى لها كلمتها وفعلها واثرها في السياسة الدولية وفي العلاقات بين الدول.
اذ بعد هذه الحرب لم ولن يحسب للاتحاد الروسي اي حساب في اي قرار دولي,, في الخمسينيات والستينيات الميلادية من هذا القرن الميلادي راهنت بعض دول العالم ومنها بكل اسف بعض الدول العربية (التقدمية!) على الحصان الخاسر واصبح القرار السياسي والاقتصادي في هذه الدول يأتي اولاً من موسكو,, وكان هذا الرهان الخاسر هو الذي ادى الى خسارة الدول الآسيوية والافريقية والعربية السائرة في الركب السوفيتي او الشيوعي للكثير من قضاياها ومنها القضية العربية في العديد من المواقع.
كما أدّى انضمام بعض الدول العربية تحت اللواء السوفيتي الى انقسام في العالم العربي وتحولت بعض وسائل الاعلام في بعض الدول العربية كما تحول بعض ادعياء الوعي والثقافة العرب الى ابواق للاتحاد السوفيتي وللشيوعية العالمية.
بل ان الدول العربية المعتدلة في سياساتها وعلاقاتها الدولية والمبنية سياستها على استراتيجية واضحة لا تفرط فيها بالمبادىء ومنها المملكة، اصبحت هذه الدول هدفاً للهجوم الاعلامي واحياناً العسكري من بعض الدول السائرة في الركب الشيوعي السوفيتي.
لقد اتهمت دولة كالمملكة بالرجعية لا لسبب الا لكونها لم تتنازل عن مبادئها الاسلامية وقيمها وتقاليد شعبها لتحل محلها مبادىء مستوردة من عاصمة الشيوعية العالمية موسكو .
د, محمد بن سليمان الأحمد