الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد:
فإنه جاء عن السلف الصالح -رضوان الله عليهم الحض على لزوم قول: لا أدري أو لا أعلم ، حيث جاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما- أنه قال: إذا ترك العالم: لا أعلم، فقد أصبيت مقالته, رواه ابن عبدالبر في جامع العلم، فالسلف - من الصحابة والتابعين لهم- كانوا أهل اتباع واقتداء، ولم يكونوا أهل رأي وعقل مجردين، وكانوا يدورون مع الحق حيث دار بكل أمانة واخلاص، ولم يكونوا يثيرون الشبهات حول النصوص، ولا يردونها بسبب الذوق أو عدم الفهم.
فمن هذه الصفات الحسنة في سيرتهم تجدهم وقافين فيما ليس لهم به علم، عملا بقول الله عزوجل:(ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين,,) الحاقة44-47 .
وقوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب,,)الأنعام93 .
وقوله تعالى:( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون، متاع قليل ولهم عذاب أليم)النحل 116-117 .
وقوله تعالى:(قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعلمون)الأعراف33 ، قال ابن القيم رحمه الله تعالى:ثم انتقل الى ما هو أعظم منه فقال: (وأن تقولوا على الله مالا تعلمون) فهذا أعظم المحرمات عند الله وأشدها إثما، فإنه يتضمن الكذب على الله، ونسبته الى مالا يليق به، وتغيير دينه وتبديله، ونفي ما أثبته واثبات ما نفاه، وتحقيق ما أبطله وإبطال ما حققه، وعداوة من والاه وموالاة من عاداه، وحب ما أبغضه، وبغض ما أحبه، ووصفه بما لا يليق به في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله.
فليس في أجناس المحرمات أعظم عند الله منه، ولا اشد إثما، وهو أصل الشرك والكفر، وعليه أسست البدع والضلالات فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول على الله بلا علم.
ولهذا اشتد نكير السلف والأئمة لها، وصاحوا بأهلها من أقطار الأرض وحذروا فتنتهم أشد التحذير، وبالغوا في ذلك مالم يبالغوا مثله في انكار الفواحش، والظلم والعدوان، إذ مضرة البدع وهدمها للدين ومنافاتها له أشد.
وقد أنكر الله تعالى على من نسب الى دينه تحليل شيء أو تحريمه من عنده بلا برهان من الله فقال:(ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ان الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون)النحل116 .
فكيف بمن نسب الى أوصافه سبحانه وتعالى مالم يصف به نفسه؟! أو نفى عنه منها ما وصف به نفسه قال بعض السلف : ليحذر احدكم ان يقول احل الله كذاوحرم كذا فيقول الله : كذبت، لم أحل هذا، ولم أحرم هذا.
يعني التحليل والتحريم بالرأي المجرد، بلا برهان من الله ورسوله.
وأصل الشرك والكفر: هو القول على الله بلا علم، فإن المشرك يزعم ان من اتخذه معبودا من دون الله يقربه الى الله، ويشفع له عنده، ويقضي حاجته بواسطته، كما تكون الوسائط عند الملوك، فكل مشرك قائل على الله بلا علم، دون العكس، إذ القول على الله بلا علم قد يتضمن التعطيل والابتداع في دين الله، فهو أعم من الشرك، والشرك فرد من أفراده.
ولهذا كان الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم موجبا لدخول النار، واتخاذ منزله منها مبوءا، وهو المنزل اللازم الذي لا يفارقه صاحبه، لأنه متضمن للقول على الله بلا علم، كصريح الكذب عليه، لأن ما انضاف الى الرسول فهو مضاف الى المرسل، والقول على الله بلا علم صريح افتراء الكذب عليه، (ومن أظلم ممن افترى الله كذبا).
فذنوب أهل البدع كلها داخلة تحت هذا الجنس، فلا تتحقق التوبة منه إلا بالتوبة من البدع.
وأنى بالتوبة منها لمن لم يعلم أنها بدعة، أو يظنها سنة، فهو يدعو اليها، ويحض عليها؟ فلا تنكشف لهذا ذنوبه التي تجب عليه التوبة منها إلا بتضلعه من السنة وكثر اطلاعه عليها، ودوام البحث عنها والتفتيش عليها، ولا ترى صاحب بدعة كذلك أبدا.
فلا يكون الشرع ألعوبة بأيد كل أحد، ولا تكون أحكام الله يجتريء في اصدارها من ليس من المتمسكين بها، إن الاسلام هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه سلف الأمة، فمن كان في ذلك أفقه وأعلم، كان أهلا للقول بالاسلام، والدعوة الى الاسلام ومن كان أبعد كان أقرب الى غير الاسلام، وأدعى أن يدعو الى غير الاسلام.
وفق الله الجميع لرضاه.
* المدير العام لفرع وزارة الشؤون الإسلامية بمنطقة حائل