الحمد لله الهادي الى صراطه المستقيم، أحمده سبحانه فهو المنعم المتفضل بهذا الدين القويم، واشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي قال له ربه سبحانه (فاستقم كما أُمرت ومن تاب معك) اللهم صلى وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وكل من توجه الى الله بقلب سليم.
أما بعد: أيها الناس أتقوا الله تعالى الذي خلقكم وصوركم فأحسن صوركم, واتقوا من خلقكم في أحسن تقويم واستقامة اتقوا من سيحاسبكم على حسن صوركم وقاماتكم وما أولاكم من أسماع وأبصار وافئدة.
اتقو الله، وكونوا ممن شكر نعمه وهم الأقلون قال الله تعالى:( وقليل من عبادي الشكور)، اتقوا يوما ما أحوج ما يكون فيه أحدنا الى العمل الصالح الذي يرضى به ربه ويعتقه من النار ويدخله الجنة، واعلموا ان من تقواه سبحانه وتعالى ان تستقيموا في سيركم وتوجهكم اليه لتقفوا وتمتثلوا بين يديه، وهذه الاستقامة التي أمركم بها هي سلوك الطريق المستقيم وهذا الطريق الذي جمع هذه الأوصاف هو الدين القويم والصراط المستقيم الذي أمرتم بأن تدعوا ربكم بأن يوفقكم لسلوكه في كل ركعة من ركعات صلواتكم بعد الثناء عليه وتوحيده بأفعالكم (بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله رب العالمين, الرحمن الرحيم, مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين, اهدنا الصراك المستقيم, صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين), وهذا الصراط هو الذي بعث محمد صلى الله عليه وسلم ليهدي ويرشد اليه ويدل عليه (وإنك لتهدي الى صراط مستقيم)، فسالكوه هم الذين أنعم الله عليهم وهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون، ومن سلك سبيلهم كان برفقتهم ومن خرج عن طريقهم كان برفقة إخوان الشياطين أصحاب الجحيم (وبرزت الجحيم للغاوين).
ايها المسلم، إن دعوى الاسلام باللسان والتنكر له بالجوارح والجنان غير مجد في سلوك الصراط المستقيم فشتان ما بين من يسير في الطريق المسفلت مضطربا متقلبا يمنة ويسرة، وبين من سار فيه باعتدال وانتظام فذاك معرض نفسه للعطب والهلاك والخطر والدمار، وهذا ملتمس اسباب النجاة والفوز بالسعادة في الدنيا وفي الأخرة بالجنات: (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم).
ولما كانت الشهادة باللسان وحده لا تكفي، قال الله تعالى:(إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) بمعنى أنهم ثبتوا على تلك المقالة واستلزموا مستلزماتها من اعتقاد بالجنان وعمل بالأركان لهذا قرن الاستقامة بالأعمال الصالحة وقال صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال له: قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك، قال: (قل آمنت بالله ثم استقم)، وقال تعالى:(فاستقم كما أُمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير), إن هذه النصوص لتكشف لك أيها المسلم، خط سيرك وطريق سعادتك، فتأمرك بالاستقامة عن الاضطراب والاعتدال عن الأعوجاج، وتصديق الأقوال بالأفعال بالبعد عن أهل النفاق والشقاق الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم,, ومالم تعمل به جوارحهم (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا), (يا أيها الذين أمنوا لِم تقولون مالا تفعلون, كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون) فما حالة من أكذبه ربه ومقت فعله، إذ لا منجى ولا ملجأ لك ايها المسلم، إلا سلوك الصراط السوي بأن تصدق قولك باعتقادك ويظهر مكنون صدرك على أعمالك كما أمرك ربك وأرشدك اليه ويبدو لك بواسطة هذا السائل حين أجابه بما يشفي ويكفي ويروي غليل الظمآن بقوله: قل آمنت بالله ثم استقم فعلمه كلاما جامعا لأمر الإسلام كافيا وحده لا يحتاج معه الى غيره فمن قال ربي الله وآمنت بالله وأسلمت وجهي لله فعمل، بما توجبه هذه الكلمة فهو من أهل الاستقامة، وأما من قالها ثم لم يعمل بمقتضاها ومات على ذلك فهو ممن لم يستقم ولم يعبأ بجزاء المستقيمين، وروي أن عمر رضي الله عنه قرأ هذه الأية:(إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) على المنبر فقال: لم يرغ روغان الثلعب فمراد عمر ان الاستقامة أداء الفرائض ويتحقق التوحيد الذي يحرم صاحبه على النار وهذا هو معنى لا إله إلا الله وهو المعبود بحقه الذي يطاع فلا يعصى، خشية واجلالا ومهابة ومحبة ورجاء وتوكلا ودعاء.
والمعاصي كلها قادحة في التوحيد لأنها اجابة لداعي الهوى والشياطين،قال تعالى:(أفرأيت من اتخذ الاهه هواه) قال العلماء هوالذي لا يهوى شيئا إلا ركبه فهذا ينافي الاستقامة على التوحيد وعلى الايمان.
لا جرم لئن كانت الاستقامة مأمورا بها محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون فالخروج عن الصراط المستقيم منهي عنه (فاستقم كما أُمرت ومن تاب معك ولا تطغوا) و(وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل) ولئن كانت الاستقامة موصلة الى الغاية والمقصود والمرام والمحمود فعدمها فيه الضياع والهلاك والتردي في المتاهات (فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)، ولئن كانت الاستقامة طريق الأنبياء والصالحين فالطريق المعوج طريق الضالين( بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج) اي مضطرب مختلف، ولئن كانت الاستقامة من التائبين والمنيبين الى ربهم والمحسنين فالفاسق والكافر مطلوب منهما التوبة أولا ثم الاستقامة ثانيا (فاستقم كما أُمرت ومن تاب معك) ولئن كانت الاستقامة مطلوبة فتجاوز الحد منه منهي عنه (ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير)، ولئن كان السلوك للطريق المستقيم جمعا لشمل ووحدة للكلمة فعدم الاستقامة داع للتفرقة والاختلاف (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه).
قال الله تعالى:(إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون, نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الأخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون, نُزُلا من غفور رحيم).
أقول قولي هذا واستغفر الله العلي العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات المؤمنين والمؤمنات من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
* عضو هيئة كبار العلماء