Friday 9th April, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الجمعة 23 ذو الحجة


إنا على فراقك يا أبا علي لمحزونون,.

عزيزتي الجزيرة
قال تعالى (يا أيتها النفس المطمئة ارجعي الى ربك راضية مرضية),, لقد فجعنا خلال هذه الأيام بوفاة الشيخ صالح بن علي بن غصون رحمه الله,, عضو مجلس القضاء الاعلى (سابقاً) وعضو هيئة كبار العلماء,, وكان لهذا النبأ وقعه الأليم علينا لما عرف عن الشيخ من صفات العلماء بالزهد بالدنيا والورع والتقوى ونشر العلم الشرعي,, لقد رزئت الأمة برحيل عالم جليل وفقيه عظيم وان فقد مثل هؤلاء العلماء الأجلاء لهو خسارة فادحة على الأمة الاسلامية,, فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت الرسول عليه الصلاة والسلام يقول (ان الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى اذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا واضلوا) متفق عليه,, وعن ابي امامة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فضل العالم على العابد كفضلي على ادناكم) وقال عليه الصلاة والسلام (,,فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب وان العلماء ورثة الأنبياء,,) وقد كان الشيخ رحمه الله من العلماء العاملين,, فسخر جل حياته للدعوة والارشاد ونشر العلم والافتاء والقضاء,, وكانت له نشاطاته العلمية والدعوية الكبيرة,, فقد مارس القضاء في عدد من البلدان خلف فيها سمعة طيبة وسيرة حسنة وكان محبوباً من الناس ووجد لديهم قبولاً كبيراً,, وقام رحمه الله بتدريس العلم الشرعي في عدد من معاهد العلوم الشرعية,, وكانت له ايضا دروس دورية وحلقات علمية,, وله ايضا نشاط اعلامي فكان احد الضيوف الدائمين على برنامج نور على الدرب احد اشهر برامج الاذاعة السعودية والذي يستضيف نخبة علماء المملكة,, وعن صفاته الشخصية فأنا اتحدث عنه الآن عن معرفة حقيقية به فقد كنت على صلة قوية بالشيخ منذ ما يقارب الأربعين عاماً,, والشيخ كما تعلمون كان كفيفاً بعد ان ابتلاه الله بفقد بصره في مطلع حياته,, وفي الحديث الشريف (قال الله تعالى: اذا ابتليت عبدي بحبيبتيه - يريد بعينيه - ثم صبر عوضته عنهما الجنة,,) وعوضه الله عنهما في الدنيا بالفطنة والذكاء وسعة الحفظ وقوة الذاكرة والجلد على طلب العلم وتعليمه,, وكان رحمه الله متواضعاً ذا شخصية لينة طيعة,, محبوباً من جميع جلسائه ومعارفه واقاربه وطلابه,, لا تفارق البشاشة والطلاقة وجهه,, وكان بأحاديثه مرحاً ودوداً متبسطاً بالأحاديث مع جلسائه,, كثير الصلة بأقاربه وانسابه باراً بهم عطوفاً عليهم يتلمس حاجاتهم يرحم صغيرهم ويقدر كبيرهم,, وكان لا يتوانى عن القيام بالشفاعة الحسنة لاي شخص كان,, ولا يرد من يقصده لحاجة او طلب واذا لم يتمكن من تلبية حاجته فانه يطيب خاطره ويعده خيراً,, فكان رحمه الله يكره ان ينصرف من عنده احد وفي نفسه شيء,, وكان جلوداً وصبوراً امام كثرة المستفتين والسائلين,, ولم يحدث ان شاهده احد متذمراً او متململاً من المتحلقين عليه حتى في اوقات راحته سمحاً معهم مهما الح السائل او اطال المستفتي واطنب في السؤال,, حريصاً على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تأخذه بالله لومة لائم,, وكان على صلة وثيقة بولاة الأمر لا يتوانى عن مناصحتهم بالحق والدعاء لهم بالخير,, وقد صلى عليه خلق كثير وقد لفت الانتباه الاعداد المهولة التي تقاطرت من كل مكان للصلاة على الشيخ ووداعه وتشييع جنازته والدعاء له بالمغفرة,, بل ان الكثيرين لم يتمكنوا من الصلاة عليه نتيجة للازدحام الشديد واكتظاظ الشوارع بالناس والسيارات,, وهو لم يكسب محبة هؤلاء الناس الا بالسيرة العطرة والذكر الحسن وحب الناس للعلم والعلماء حملة مشاعل النور والهدى,, وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته اربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً الا شفعهم الله فيه) رواه مسلم,, ومن رأى هذه الجموع الهائلة التي قدمت للصلاة عليه تذكر مقولة احد علماء السلف مشيراً الى اهل البدعة والضلال,, (بيننا وبينهم الجنائز),.
وقد نعاه الديوان الملكي,, وهذا التقدير له بعد مماته هو امتداد للتقدير والاجلال الذي لقيه من لدن ولاة الأمر في حياته,, وهو امتداد للتكريم والاجلال من هذه الدولة - وفقها الله - للعلم والعلماء,, وفي مرضه الأخير اولى من قبل الدولة عناية خاصة ورعاية فائقة حتى قبضه الله اليه,, وقد تقدم المصلين عليه صاحب السمو الملكي الامير سلمان بن عبد العزيز امير منطقة الرياض وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس هيئة كبار العلماء والمفتي العام للمملكة وفضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان رئيس مجلس القضاء الاعلى.
ان العين لتدمع وان القلب ليحزن ولا نقول ما يسخط الرب,, وانا على فراقه لمحزونون,, يا كريم ويا حي يا قيوم ويا من رحمته وسعت كل شيء اللهم انا نسألك ان تتغمده بواسع رحمتك,, اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعفُ عنه واكرم نزله ووسع مدخله,, واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الابيض من الدنس,, اللهم احشره في عليين وفي مقام كريم مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقاً,, اللهم لا تحرمنا اجره ولا تفتنا بعده وارحمنا معه برحمتك يا ارحم الراحمين,, وانا لله وانا اليه راجعون.
سليمان بن سالم الحناكي

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
المتابعة
ملحق جازان
أفاق اسلامية
لقاء
عزيزتي
المزهرية
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved