بداية ظهور الموهبة الشعرية غالبا ما تكون مبكرة ويمكننا القول ان هذه المرحلة هي الاهم في تكوين الشاعر اذ يستمر تأثيرها على المراحل التالية، هذا ما يسميه البعض النبوغ وانا اؤيد هذه التسمية رغم انها تتناقض مع تسمية او مصطلح النبوغ في الشعر العربي الفصيح فالنابغة الذبياني سمي كذلك لنبوغه المتأخر وحسب ما تذكره المصادر الادبية التاريخية فانه نظم الشعر بعد ان تجاوز الاربعين من عمره واصبح فيما بعد الحكم الاول في سوق عكاظ وللسبب نفسه سمي النابغة الجعدي بهذا الاسم.
وعلى الرغم من هذا مازلت اعتقد بأن الشاعرية المبكرة هي الأحق بالنبوغ او بلقب (نابغة) لانه اقرب الى الموهبة الحقيقية والادهاش والعبقرية من الشاعرية المتأخرة والتي قد تكون نتيجة لعوامل اخرى كالخبرة والممارسة والقدرة على التعلم اضف الى ذلك العدوى الشعرية وهي ليست عدوى مرضية كالانفلونزا ولكنها الوقوع تحت تأثير المناخ الشعري المسيطر في بعض المجالس ومخالطة الشعراء وحضور امسياتهم ودورياتهم ومتابعة الجديد من الاصدارات المقروءة والمسموعة, كل هذا التركيز يجعل من يدور في هذا المدار متأثرا ومشدودا الى كل ما يقال من قصائد ومساجلات ومحاورات شعرية ونقاشات في الشعر وآراء حول الشعر.
ولابد ان اضع في اعتباري فئة من العاملين في الصحافة المهتمة بالشعر وهم بالاساس لا يتمتعون بأي من المقومات الضرورية للقيام بهذه المهمة ومنذ فترة تعرفت على احد هؤلاء ومن خلال نقاش ضمن دائرة الشعر الشعبي تبين لي انه لم يكتب في حياته بيتا من الشعر ولا يعرف حتى مسميات الالحان والايقاعات التي تسمى اوزانا شعرية مع ذلك تفاجأت بعد اشهر معدودة بأن توكل اليه مهمة الاشراف على ملف الشعر في احدى المجلات البارزة ولن استغرب إن تولى ادارة التحرير فيها والمثير للدهشة حقا ان اقرأ له منذ ايام قصائد على مستوى جيد في المعنى والموضوع والمفردة الشعرية كما انها من حيث الوزن سليمة وقد شكرته كثيرا لانه كان برهانا على صحة نظرية العدوى الشعرية ومفنداً لرأي من اطلق على الشاعرية المتأخرة لقب (نابغة)!
حسين الخريصي