ضبطت فمي المكتنز بقصيدة
لا اريد ان ابوح بها
وأنت قد ضربت الغيمة الخريفية
ولا تريد أن تميل بوجهك الي صوت شعري بسيط وحاد، وتجربة تعاني الوحشة والفقد، لقد عاشت جابرييلا حياتها في حنين الى اشخاص لم ترهم، حنين الى اشياء لم تحصل عليها.
لقد كان أبوها شاعراً متجولاً منح نفسه نعمة التشرد الدائم، فلم يستقر على حب، او في منزل، دائماً كان يحلم كغيره من الرجال الذين عاشوا في سهول ألكي في التشيلي وذات يوم بكى جيرونمو كودوي مصير ابنته المعتم ثم فتح باب البيت وخرج منه الى الابد فكان رحيل الأب اول الفقد وأول الحنين.
وعن امثال ابيها تقول جابرييلا: انهم يحبون اللعب، ولا يستطيعون القيام بأي عمل منتظم يسعون خلف حلم قد يتحقق دائماً في مكان ما في الأرض الواسعة التي تستقبل اقدامهم واحلامهم وسعت جابرييلا لتعويض غياب الأب بمزيد من الالتصاق بالأم الشجاعة الأمية التي عكفت على تربيتها:
امي كانت صغيرة
وكانت الأرض تحبها
لانها كانت تشعر بها حقيقة
وتضحك لها في مرحها
مثلما تضحك في تعبها
وظنت انها ستبقى مع تلك الأم الطيبة في ريف سهول ألكي، بما فيه من بكارة وجمال وبراءة، لكن ما حدث كان فقداً اقسى واشد على نفسها من غياب اب لا تعرفه، لقد انتقلت بها الأم فجأة الى المدينة وتركتا الوادي، الوادي الذي عرفته تماماً وأحبته تماماً:
كنت اعرف تماماً وانا طفلة
الشمس والسمك،
هالة الكواكب وأشكال الخبز
لقد امتلأت يدي بهذا الخبز
بينما تسمرت عيناي على يديّ
فراحت جموعي تنسكب مراراً
بفعل هجر طويل، شاخ معه وجهي
وكأن الريف قد اصبح حبيباً يهجر على الم ومضض، ولا تملك امام شيخوخة الوجه مبكراً وامام كآبة المدينة، سوى ان تستحضر صورة الريف وتكتبه في قصائد خاصة وان المدينة لم تعوضها عن الفقد بل اكدت الاحساس به، فالمدرسة رفضتها لانها فتاة غير موهوبة ولجأت امها الى حيلة اخرى حيث جعلتها دليلاً لمديرة مدرسة عمياء، فكان عليها ان توزع الأوراق والكتب على التلامذة دون ان يكون لها حق الجلوس والتعلم مثلهم مما افقدها الحماس وعرضها للاهانة والطرد,, حتى التلاميد تتبعوها وراحوا يرمونها بالحجارة.
مسكينة لوتشيلا ستظل تذكر هذه الحادثة وستبقى دائماً في ذاكرتها صورة تلك المديرة العمياء القاسية، ورغم انها تجاوزت تلك المحنة وتعلمت وعملت بالتدريس الا انها سرعان ما انزلقت الى محنة اخرى، فالموظف الشاب الذي احبته وهي في قمة العطاء والانوثة لم يحبها بنفس الدرجة فكانت تعلم ان له خطيبة رسمية، وايضاً علاقات غرامية متعددة، ورغم انها لم تلتق به سوى مرات قليلة الا انها رسمت له حباً على قياس قلبها البريء الطاهر، وحين انتحر روميليو فجأة كاتباً نهاية دموية فاجعة خلدته في اشعارها:
الهي كنت تعلم بأية حرارة،
ابتهل اليك من اجل الآخرين،
اما اليوم فاني اضرع اليك من اجل واحد يخصني،
فلئن عكر الى الأبد ينبوع مرحي فليس ذلك مهماً .
مرة اخرى الغياب والفقد والبساطة الشعرية القاتلة!!
لقد كان الغياب في تجربتها سيداً يستقل عربته على عجل ويمضي ليتركها وحدها بلا اب، بلا حبيب، بلا طفل ينمو في احشاء امومتها، وليس امامها للخلاص سوى الابتهال الى الله، وان تغمض عينيها وتغني رغبتها المتوحشة المستحيلة تغنيها بأقصى درجات الحنان بأقصى حد للهمجية فتلخص كل مشاعر الأمومة احاسيسها، هواجسها تلخصها في طفل وهمي - لكنه شرعي ومتواجد في العديد من دواوينها - تجعله رمزاً لكل أطفال العالم:
إن جسده اصغر من حبة قمح في حصادي
لا يزن اكثر من حلم،
ولا يُرى،
لأنه معي,,
وتقول ايضاً:
انظر الى تجاويف الهضاب وهي تمتلىء ثلجاً
وأرسم في الشباب صورة فتاة صغيرة
صغيرة وفي منتهى العذوبة،
هي ايضاً قد تكون طفلي .
لقد نسجت من مآسيها واحلامها اجمل القصائد وانداحت في تجربتها الخطوط الفاصلة بين الوعي واللاوعي، لقد اعتادت لعبة الحضور والغياب، انها لعبة خيالية تلعبها دائماً، فتعيد تشكيل الأب بموسيقى الكلمات وتكتشف ملامح حبيبها اكثر داخل الصورة الشعرية وتلاعب طفلها الوهمي وتغير اقمطته على السطور فحسب,, لان كل هذا الغياب للاشياء والاشخاص، لم يكن غياباً عن الذاكرة، فلجابرييلا ذاكرة تشبه قارورة الطيب لا تنفذ ابداً.
فقد تحكي وتحكي، بصدق وبساطة وعنف,, وهذا ما يؤكده بول فاليري حين يقول عن شعرها: ان اول انطباع احدثه كان شبيهاً بما يحدثه في نفوسنا وجود شيء او كائن فيه كل الغرابة مع كونه واقعياً فتراه يفاجئنا كما تفاجئنا الطبيعة , هذه هي جابرييلا وهذا هو عالمها الشعري فهي بسيطة كالأرض، كالأم، وغريبة كأساطير امريكا اللاتينية وقادرة على تفجير كل ما هو عادي ليبدو لنا خارقاً وغامضاً يستحق التأمل, انها فحسب تغترف من كنز الذاكرة، ذاكرة امرأة عادية لا تعاني من الأفكار والنظريات ولكنها تعاني من فقد كل احلامها البسيطة، لقد تحولت الى رسول للغياب خاصة حين عملت بالسلك الدبلوماسي، لتدرك ان قدرها بالمرصاد وانه مكتوب عليها ان تعيش كامرأة وحيدة ليس معها سوى حقيبة يد ودفتر اشعار، وان تنتقل دائماً من فقد الى فقد، حتى جاءت لحظة المصالحة مع القدر لحظة الحضور المفاجىء وغير المتوقع والتتويج العالمي، حين منحت جائزة نوبل في الآداب لعام 1945 فكانت اول كاتب من امريكا اللاتينية يحصل على هذه الجائزة، ولها قصة طريفة لا تخلو ايضا من فقد حيث كان بول فاليري هو المرشح الاهم للجائزة منذ عشر سنوات، وكان هو الجدير بها في ذاك العام الا انه توفي قبل اشهر قليلة من اعلان فوزه، واوقع اللجنة في ارتباكة غير متوقعة حتى عثروا على اسم جابرييلا ميترال لتكون الجائزة تكريماً لها وتكريماً لفاليري الذي عرفها ونقل اشعارها الى الآداب الاوروبية، ولهذا اشارت اليه بامتنان وعبرت عن فقده في خطابها للاكاديمية ثم عادت الى وطنها شيلي وراحت تغني مع اربعة الاف طفل مكسيكي يغنون اشعارها.
لقد خسرت دائماً ما كان معها,, خسرت كل ما توقعته,, لتفاجأ في نهاية الرحلة بهذا الحضور المبهر غير المتوقع، لانها انسانة بسيطة عاشت تتلمس العالم المظلم بعينين مفتوحتين على الحب ولا شيء آخر
مع امرأة اخرى ,,رأيته يمر
الريح كانت لينة ,,وسهلة الطريق
بعينيّ الحزينتين ,,رأيته يمر,, .
شريف صالح