Tuesday 20th April, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الثلاثاء 4 محرم


أضواء
مدخل لفهم عربي لمسارات النظام الدولي الجديد
2-3

ليست الدول النامية أو دول العالم الثالث وحدها التي تشكك بالاندفاع الغربي لغرض ما يسمى بالنظام الدولي الجديد، بل حتى الدول الكبرى تتخوف من أن يفرض هذا النظام عليها,, ويكون مبررا للتدخل في شؤونها الداخلية، خصوصاً ان بعضاً من تلك الدول تعاني من ثغرات تسمح لدعاة هذا النظام الجديد بدس أنوفهم في شؤونها الداخلية، فحقوق الانسان والأقليات ونزعات الاستقلال من بعض الأقليات ومفاهيم الديمقراطية والتعددية وغيرها من المفاهيم الغربية تعد مدخلا رحبا لجعل الآخرين يتدخلون في قضايا ظلت وحتى وقت قريب من الشؤون الخاصة التي لا يجوز للغير التدخل فيها.
ولهذا فإن روسيا والصين وقفتا وعارضتا في جميع القضايا التي عرضت على الأمم المتحدة ومنعت مجلس الأمن الدولي من المشاركة أو اعطاء الأذن لدعاة النظام الدولي الجديد للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى أو استعمال القوة لفرض ذلك التدخل,, ومع ان المادة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة يفسرها أصحاب النظام الدولي الجديد كمستند شرعي للتدخل، إلا ان موسكو وبكين عطلتا ذلك وهو ما حصل بالنسبة للحرب في البلقان وقبلها في البوسنة لذا تجنب الغرب الأمم المتحدة وعالج القضيتين عن طريق ذراع النظام الدولي الجديد الحلف الأطلسي، وكان احجام روسيا والصين عن مسايرة الغرب قطعاً للطريق وعدم تكريس سوابق دولية يمكن ان تطبق عليهما يوما ما، فالدولتان الكبيرتان تتخوفان من ان يأتي الدور عليهما، والثغرات التي يمكن ان يتسلل من خلالها الغرب كثيرة سواء في روسيا أو الصين، فكم من اقلية يمكن تحريكها للمطالبة بالاستقلال!! والاتحاد الروسي يضم العديد من الجمهوريات والأقاليم التي يحسن الغرب تحريكها وكذا في الصين.
اما لماذا لا يحرك الغرب تلك الأوراق,, ويوسع الثغرات؟ , فنقول إنه فبالاضافة الى أن أوانه لم يأت بعد هناك ايضا معادلة المنافع الاقتصادية والسياسية,, والمصالح المشتركة، والحديث عما يستفيد منه الغرب من هذين العملاقين اللذين احدهما تتقزم ببطء والآخر يستيقظ بهدوء فهذا يتطلب بحثا آخر إلا أن الذي يهمنا هو ما علاقة ما تقدم وكيف يمكن للدول العربية ان تستثمر ما تمتلكه من مقومات توازن وقوى استراتيجية ومخزون اقتصادي وتجاري لتجنب شعوبها ودولها مالاقته يوغسلافيا حاليا، والعراق سابقا بسبب رعونة نظاميهما وعجزهما عن القراءة الصحيحة للمتغيرات الدولية؟.
وكيف يمكن للدول العربية ان تحقق ما حققته روسيا والصين ودول أخرى تواءمت مع النظام الدولي الجديد ووظفت مقوماتها وقواها السياسية والاقتصادية لتحظى بموقع ومشاركة في صنع القرار الدولي وتجنيب شعوبها الويلات؟.
بادئ ذي بدء لابد من التأكيد بأن دولاً عربية ومنها منظومة دول مجلس التعاون - كل حسب القيم الكمية والاستراتيجية والمكانة الاقتصادية والسياسية - قد وفقت في التعامل الجيد مع عمليات التحول والتكوين التي تتشكل وفقاً لما يسمى بالنظام الدولي الجديد,, وكانت قمة التفوق في تعامل هذه الدول مع مشكلة احتلال العراق لدولة الكويت,, ونجاحها في توظيف النظام الجديد لتحرير دولة عضو في مجلس التعاون,, والنجاح ليس في المشاركة في القوات وتوفير الأرض والدعم اللوجستي بل أيضا في توظيف المكانة الدولية والقوى الاقتصادية ليس لدى الدول المشاركة في العمليات العسكرية فحسب، بل وتحييد الدول المعترضة خوفا من ان يأتي الدور عليها.
ايضا ومن خلال الجهد السعودي المميز أمكن تحقيق نجاح لا يقل أهمية عن مسألة تحرير دولة الكويت، فقد أفلحت القيادتان السعودية والجنوب افريقية ومن خلال القراءة الصحيحة والتوظيف الجيد للمكانة الدولية والقوى الاقتصادية، من خلال فهمهما لمسارات النظام الدولي الجديد، ان يجنبا دولة عربية مصيراً كالذي نراه الآن في يوغسلافيا وقد ننتظر نتائج الفعل السعودي حتى تنتهي فصول محاكمة لوكربي، إلا ان الذي يجب الاشارة اليه هو التوظيف الأمثل للقدرات والقراءة الصحيحة لما يجب ان يكون عليه العمل الدولي، وهو ما نرى اشارات منه تصدر من الخرطوم لمعالجة المسألة السودانية, والذي نأمله ان تلتقط تلك الاشارات من عواصم شقيقة لتفعيل العمل الدبلوماسي وصلاً لحل مرض لمشكلة الجنوب المزمنة، حلٍ يرضي جميع الأطراف ويقضي على مبررات التدخل الأجنبي، ويجعل السودانيين قادرين على بناء وطنهم بشماله وجنوبه.
والذي يرصد الاشارات السياسية الصادرة عن القارة الأفريقية يرى ان هناك تطلعاً من قبل طرابلس للعب دور ريادي لحل مشاكل القارة, وبما ان العقيد القذافي يحتفظ بعلاقات جيدة بكل أطراف المشاكل والنزاع في السودان، بدءاً بالقيادة السودانية الرئيس عمر البشير والدكتور الترابي ومرورا برموز المعارضة الشمالية ووصولا للمعارضة الجنوبية وزعيمها جون قرنق ، ومع ان المعارضة الشمالية قد فوتت الفرصة برفضها التواجد في طرابلس اثناء تواجد الرئيس البشير هناك، فإن العقيد القذافي قد رتب لقاء بين الرئيسيين السوداني والارتيري وتلك بداية جيدة وبخاصة ان تأتي متوافقة مع تحرك تقوم به مجموعة الأحزاب السودانية الجنوبية يوساب بقيادة آبيل إلير، الذي سلم الرئاسة السودانية قبل أيام مذكرة من قرنق تضمنت شروطه للاتفاق مع الحكومة تحت ظل وطن موحد.
واقتراحات قرنق,, أو شروطه مهما بدت صعبة التحقيق إلا انها يمكن ان تكون مدخلا لمفاوضات جادة وأساسا لمشروع اتفاق سياسي متكامل يؤخذ في اعتباراته ماهو مشروع,, ويستبعد منه كل شروط التعجيز ويعرض هذا المشروع على الاجتماع القادم لمنظمة التنمية والتعاون لدول شرق افريقيا الايجاد .
غداً دور الايجاد,, ودور الدول العربية والافريقية ومواقف القيادة السودانية والمعارضة الشمالية والجنوبية.
جاسر عبدالعزيز الجاسر
مراسلة الكاتب على البريد الإلكتروني
Jaser @ Al-jazirah.com

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
المتابعة
منوعــات
القوى العاملة
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
العالم اليوم
مئوية التأسيس
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved