Friday 23rd April, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 7 محرم


من المكتبة
كيف كتبت أول رواية مصرية؟!*

(زينب) نشرت هذه القصة للمرة الاولى في سنة 1914 على انها بقلم مصري فلاح، نشرتها بعد تردد قليل في نشرها وفي وضع اسمي عليها، فلقد بدأت كتابتها بباريس في ابريل سنة 1910 وفرغت منها في مارس سنة 1911 وكان حظ قسم منها ان كتب بلندن، كما كتب قسم آخر بجنيف اثناء عطلة الجامعة في اشهر الصيف، وكنت فخوراً بها حين كتبتها وبعد إتمامها، معتقداً اني فتحت بها في الأدب المصري فتحاً جديداً وظل ذلك رأيي فيها طوال مدة وجودي طالباً للحصول على دكتوراه الحقوق بباريس, فلما عدت الى مصر في منتصف سنة 1912 ،ثم لما بدأت اشتغل بالمحاماة في الشهر الاخير من تلك السنة بدأت اتردد في النشر، وكنت كلما مضت الشهور في عملي الجديد ازددت تردداً خشية ما قد تجني صفة الكاتب القصصي على اسم المحامي, لكن حبي الفتيّ لهذه الثمرة من ثمرات الشباب انتهى بالتغلب على ترددي، ودفع بي لأقدم الرواية الى مطبعة الجريدة كي تنشرها، وان ارجأت نشر اسم الرواية ومؤلفها واهدائها الى ما بعد الفراغ من طبعها، واستغرق الطبع اشهراً غلبت فيها صفة المحامي ما سواها، وجعلتني لذلك اكتفي بوضع كلمتي مصري فلاح بديلاً من اسمي.
ولقد دفعني لاختيار هاتين الكلمتين شعور شباب لا يخلو من غرابة، وهو هذا الشعور الذي جعلني اقدم كلمة مصري حتى لا تكون صفة للفلاح اذ هي أُخّرت فصارت فلاح مصري وذلك اني الى ما قبل الحرب كنت احس - كما يحس غيري من المصريين، ومن الفلاحين بصفة خاصة - بأن ابناء الذوات وغيرهم ممن يزعمون لأنفسهم حق حكم مصر ينظرون الينا جماعة المصريين وجماعة الفلاحين بغير ما يجب من الاحترام، فأردت ان استظهر على غلاف الرواية التي قدمتها للجمهور يومئذ والتي قصصت فيها صوراً لمناظر ريف مصر واخلاق اهله، ان المصري الفلاح يشعر في اعماق نفسه بمكانته، وبما هو اهل له من الاحترام، وانه لا يأنف ان يجعل المصرية والفلاحة شعاراً له يتقدم به للجمهور يتيه به ويطالب الغير باجلاله واحترامه.
وظهرت طبعة زينب الاولى قبل الحرب، وتناولها الكتاب بالنقد زمناً، ونسبوها اليّ، ورآها بعضهم جديرة بالاعتبار والتقدير ثم انست الحرب الناس ما سواها، وانستني انا ايضا قصتي فلما انتهت الحرب وقامت الحركة الوطنية وظهرت فكرة المصرية واضحة محترمة كما صورت لنفسي على غلاف زينب , ثم لما تركت المحاماة الى الصحافة وشغلت بالتحرير وبالكتابة طلب جماعة من اصدقائي إليّ ان اعيد طبع زينب ليطلع عليها ناشئة هذا الجيل الجديد وليروا فيها قصة مصرية تصف لهم ناحية من حياة بلادهم وتدلهم على صور من الجمال فيها لم يسبق الكتاب الى وصفها وترددت في اجابة طلب اصحابي كما ترددت اول مرة في تقديم القصة لطبعتها الأولى، حتى اذا رأيت الاستاذ محمد كريم يطلب الي اخراجها على لوحة السينما، ثم رأيت بعد ذلك عنايته بهذا الاخراج لم يبق للتردد في اعادة الطبع محل، كما لم يبق سبب لمحو اسمي من الرواية بعد ان كتبت الصحف وعرف الناس جميعاً انها لي.
ولا اريد ان احكم اليوم على قصة كتبتها صدر شبابي بأكثر من اني ما ازال اراها تمثل شبابي تمثيلاً صحيحاً، وان فيها لذلك كثيراً مما احب، سواء لأنه دخل عالم الذكرى حتى لأعجز ان حاولت استعادته او لانه يمثل احلام الشباب وخيالاته مما ابسم اليوم له كما ابسم لما اسمع من خيالات واحلام لشبان هم اليوم في مثل سني يومئذ، ولأنه بعض عزم الشباب ومضائه، هذا العزم الذي لا يعرف المستحيل، بل يعرف كيف يتغلب على كل مشقة، ويذلل كل عقبة، ويستسهل كل صعب، ويحقق كل خيال، او لانه يشدو بموسيقى الصبا الحلوة العذبة المنبعثة من كل موجود في الارض او في السماء، والتي تتغنى بأهازيج الحب والوجد كما يعرفها الصبا، خالية من كل ما يفجع، طائرة على اجنحة من الأمل الى جنات فيحاء كل ما فيها ورد وريحان وحور عين، بل ان لفجائع الشباب لشعراً له روعته وموسيقاه, هذا وغيره من صور الصبا المرسومة في زينب يمثل شبابي ولذلك احن اليوم اليه حنين القلب الى مثوى محبوب ذهب ولن يعود.
ولعل الحنين وحده هو الذي دفع بي لكتابة هذه القصة, ولولا هذا الحنين ما خط قلمي فيها حرفاً، ولا رأت هي نور الوجود,، فلقد كنت في باريس طالب علم - كما ذكرت من قبل- يوم بدأت اكتبها, وكنت ما افتأ اعيد امام نفسي ذكرى ما خلفت في مصر مما لا تقع عيني هناك على مثله, فيعاودني للوطن حنين فيه عذوبة لذاعة لا تخلو من حنان, ولا تخلو من لوعة, وكنت ولوعاً يومئذ بالأدب الفرنسي اشد ولع، فلم اكن اعرف منه الا قليلاً يوم غادرت مصر وبضاعتي من الفرنسية لا تتجاوز الكلمات عداً, فلما اكببت على دراسة تلك اللغة وآدابها رأيت فيها غير ما رأيت من قبل في الآداب الانكليزية وفي الآداب العربية, رأيت سلاسة وسهولة وسيلاً، ورأيت مع هذا كله قصداً ودقة في التعبير والوصف وبساطة في العبارة لا تواتي الا الذين يحبون ما يرون التعبير عنه اكثر من حبهم الفاظ عبارتهم, واختلط في نفسي ولعي بهذا الأدب الجديد عندي بحنيني العظيم الى وطني، وكان من ذلك ان هممت بتصوير ما في النفس من ذكريات لأماكن وحوادث وصور مصرية, وبعد محاولات غير كثيرة انطلقت اكتب زينب وبدأتها وانا احسب اني سأقف منها عند اقصوصة صغيرة كغيرها من الاقاصيص التي كتبت يومئذ, لكني رأيت نفسي انفسح امامها مجالها ورأيت مصر تطوي وتنشر امام خيالي مناظرها، ورأيتني اشعر بلذة دونها كل لذة كلما سطرت صورة من صور هذا الوطن الذي احن اليه، ثم راجعتها فرأيتها تترجم عن الحقيقة المرتسمة في نفسي, ولم تمض اسابيع على بدئي الرواية حتى رأيتني اعتزمت اتمامها كما تمت، لأصور فيها حياة الريف المصري اصدق تصوير كنت استطيعه والعجيب ان شهوة ملكتني لم اكن استطيع تفسيرها ذلك اني كنت افضل الكتابة في القصة في ساعات الصبح على اثر يقظتي وكنت اذا بدأت اكتب اسدلت استار نوافذي فحجبت ضوء النهار، واضأت مصابيح الكهرباء كأنما اريد ان انقطع عن حياة باريس لأرى في وحدتي وانقطاعي حياة مصر مرسومة في ذاكرتي وخيالي, اما حين كنت في سويسرا فكثيراً ما كنت - اذا بهرني منظر من مناظرها الساحرة - اسرع الى كراسة زينب، فأنسى الى جانبها منظر الجبل والبحيرة والاشجار تتسرب من خلال اوراقها وغصونها اشعة الشمس والقمر لتتلاعب بموج الماء او لتداعبه، واستعيد مناظر ريفنا المصري وجمال خضرته الناضرة، فاذا بهري بهذا الريف المرتسم في خيالي لا يقل عن بهري بمناظر سويسرا التي كانت مرتسمة امام ناظري، واذا بي اسطر ما يمليه علي خيالي قبل ان اكتب شيئاً عما رأيته وكان له في نفسي وفي مشاعري الاثر البالغ.
زينب اذن ثمرة حنين للوطن وما فيه، صورها قلم مقيم في باريس مملوء مع حنينه لمصر اعجاباً بباريس وبالأدب الفرنسي, وهي ثمرة الصبا بما للصبا وللشباب من قوة وضعف وتوثب واندفاع وشعور سام لا يحده مدى ومخاوف وآمال لا تزال تخالطها آثار السنين الناعمة الأولى,, لذلك رأيت فرضاً علي ان اترك زينب في طبعتها الثالثة كما هي يوم كتبت ويوم نشرت طبعتها الاولى ثم الثانية الا ما كان من خطأ مطبعي او ما هو في حكمه.
* عن مقدمة رواية (زينب) في طبعتها الثالثة للكاتب د, محمد حسين هيكل.
د, محمد حسين هيكل*

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
أفاق اسلامية
لقاء
عزيزتي
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
مئوية التأسيس
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved