Friday 23rd April, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 7 محرم


معالي د, عبدالله التركي في إصدار جديد لوزارة الشؤون الإسلامية
لا مثيل لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب للتجديد والإصلاح في ظرفها أو بيئتها
سلامة المنهج، ومؤازرة آل سعود للدعوة أعاد لمسلمي الجزيرة مكانتهم

الرياض الجزيرة
أكد معالي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والارشاد الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي انه ليس من المبالغة في شيء أن نقول: انه لم تظهر دعوة للتجديد والاصلاح بعد القرون الأولى المفضلة تماثل، او تقارب في ظرفها والبيئة التي ظهرت فيها، الدعوة التي قام بها المجدد الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله في القرن الثاني عشر للهجرة.
وأشار معاليه الى ان تلك الدعوة في وضوح أهدافها، وسلامة منهاجها وما هيأ الله لها من أسباب النجاح المتمثلة في مؤازرة آل سعود إياها، ومناصرتهم لها أعادت للمسلمين في الجزيرة العربية مكانتهم، وفتحت الأمل أمام المسلمين في خارج الجزيرة في إمكان قيام دولهم ومجتمعاتهم على الإسلام.
هكذا استهل معالي الدكتور عبدالله التركي أحدث كتاباته، التي أصدرتها الوزارة في طبعة فاخرة في 181 صفحة من القطع المتوسط تحت عنوان (تأملات في دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله).
وأوضح معالي الوزير أنه مع وضوح ونقاء الدعوة، فانها لم تسلم- برجالها والدولة التي نصرتها- من كيد الأعداء، وتلفيق التهم، واختلاق الافتراءات من قبل علماء السوء، وأصحاب الأهواء والمطامع، ومن قبل القوى التي تسعى الى إضعاف المسلمين، وإبعادهم عن مصدر قوتهم وعزهم: كتاب ربهم سبحانه وتعالى وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.
واضاف معاليه في مقدمته ان ما جاء بالكتاب من تأملات لا يضيف جديدا في الدعوة وأساليبها ومنهاجها، ولكنها اسهام أملاه الواجب، يستفيد منها غير المتخصصين، او من لم يتيسر لهم الاطلاع على كتب الدعوة، وآثار علمائها.
وقال د, التركي (في هذا السياق): لقد كانت الدولة والدعوة، صفحة مفتوحة للناس أجمعين منذ نشأتها، خاطبت العلماء والأمراء، والتقى الناس علماءها في مواسم الحج، وفي الدرعية، عاصمة الدولة السعودية الأولى، حيث انطلقت الدعوة.
ليس فيها لبس او غموض، وليس في رجالها تعالٍ ولا تكبر، بغيتهم الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة.
لمحة تاريخية
بعد ذلك انتقل معالي د, التركي الى عرض تأملاته في الدعوة من خلال أربعة أبواب رئيسة تضمنت العديد من الموضوعات والتأملات، وألحق بها ما صدر من نتائج وتوصيات عن الملتقى الذي نظمته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية للعديد من العلماء من مختلف أنحاء العالم، في ندوة حول دعوة الشيخ.
في الباب الأول قدم د, التركي لمحة تاريخية عن نشأة الشيخ محمد بن عبدالوهاب منذ ولادته في بلدة العيينة شمال غرب مدينة الرياض عام 1115ه (1713م) وكيف كان رحمه الله قوي الجسم، دقيق الفهم، سريع الحفظ، فصيح اللسان زاهدا في الدنيا، وكيف تلقى علومه ومعارفه عن عدد من العلماء، من أسرته، وعلماء عصره من أهل الجزيرة العربية والعراق، حتى استقر في حريملاء، وعمره خمسة وعشرون عاما، وبدأ يضاعف جهوده في ثلاثة مجالات دعوية هي: تأليف الكتب والرسائل، وعقد الدروس والمحاضرات، والمراسلات العلمية.
وبهذا الامتداد بدأت نواة الدعوة من حريملاء، التي ما أن بدأ زرعها يخرج ثماره حتى راحت الأيدي الحاقدة الآثمة تحاول استئصال هذه البذور، وائتمر أهل الفساد لإيذائه، فانتقل الى موطنه الأول (العيينه) حيث أيده أميرها وأهلها، مما دفع الشيخ الى إزالة المنكر عمليا، حيث توجه الى الجبيلة، وهدم القبة المبنية على قبر الصحابي الجليل زيد بن الخطاب أخي عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وهي المنطقة التي استشهد فيها الكثير من الصحابة في معركة اليمامة أثناء حرب الردة سنة (12ه).
ثم قطع شجرتين يقدسهما العامة، كما حكم بعد ذلك بإقامة حد الرجم على امرأة محصنة، أقرت بالزنا بعد ردها ثلاث مرات، وبذلك اصبحت هذه الدعوة تمثل خطرا كبيرا على الفاسقين وانصار البدع، حتى ان احد رؤساء القبائل، وهو سليمان بن عريعر شيخ بني خالد، هدد أمير العيينة، اذا لم يخرج الشيخ منها فخرج الشيخ منها سنة (1157ه) الى الدرعية ماشيا على قدميه حيث أكرمه أميرها الأمير محمد بن سعود رحمه الله وبشره بالخير والعز والمنعة، وبشره الشيخ بالعز والتمكين والغلبة على جميع بلاد نجد، وتعاهدا على الالتزام بدين الله كما بلغه رسوله نقيا صافيا، والجهاد في سبيل نشره، وإقامة شرائع الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
مصنفاته وكتاباته
ومضت الدعوة بعد هذه المعاهدة التاريخية في سبيلها مسرعة في الطريق المرسوم لها، وازدهرت، وذاع صيتها، واثمر هذا التعاون المبارك دولة مرهوبة الجانب، تتأسى بدولة الإسلام الأولى، وعلى الرغم مما أفاء الله به على بيت المال من الخير الوفير، فقد مات الشيخ رحمه الله ولم يخلف شيئا من المال، وترك ما هو أثمن بكثير، فكان من حصاد رحلته علم كثير، وجاءت في مصنفاته وكتاباته دعوة الى الله تأخذ بيد المسلمين الى الفقه الصحيح للإسلام، وشملت من الكتب (أصول الإيمان التوحيد الذي هو حق الله على العبيد وكتاب الكبائر وكشف الشبهات ومختصر الإنصاف والشرح الكبير في فقه الإمام أحمد بن حنبل ومختصر زاد المعاد لابن القيم ومختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم).
ومن الرسائل: (تلقين أصول العقيدة للعامة وثلاث مسائل يجب تعلمها على كل مسلم ومسلمة وقواعد الدين الأربع ومسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله، صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية ومفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد).
ومن المسائل: (أحكام الردة والإيمان: قوته وضعفه ومحله وعلاقته بالتقوى وتسمية المعبودات أرباباً وطلب العلم فريضة).
أما عن الخطب فقد جمعت مع خطب بعض أحفاده، وهي ما بين ثمانين وتسعين صفحة، بينما بلغ عدد المطبوع من المكاتبات إحدى وخمسين رسالة طبع في مجلد خاص ضمن مؤلفات الشيخ.
وقد توفي الشيخ في آخر شوال سنة (1206ه) عن عمر تجاوز التسعين عاما، قضاها في سبيل الله، والدعوة إليه، وتطهير البلاد والعباد من كل ما يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وانتهى د, التركي في هذا الباب بتحليل للبيئة التي ظهرت فيها الدعوة، والمراحل الثلاث التي مرت بها حيث كان الناس في جهل وغفلة وإعراض، حتى جاءت الدعوة الإصلاحية ومرت بمرحلة التمهيد والتكوين، ثم مرحلة التطبيق فمرحلة التمكين، وبذلك أقام الشيخ دعوته على أسس تربوية هادئة ثابتة صالحة للبقاء ما بقي الإنسان باحثا عن الدين الحق والفطرة الصحيحة والمثل العليا.
أسس الدعوة
ثم انتقل معالي الوزير د, عبدالله التركي في بحثه الى الباب الثاني تحت عنوان (أسس الدعوة) حيث تعرض فيه الى 34 موضوعا حول التوحيد، باعتباره الأساس الذي قامت عليه الدعوة، والاتباع للسلف، وأهمية طاعة أولي الأمر والنصح لهم، واختتمه بعرض فقه الدعوة وفضلها.
ويمثل هذا الباب لب البحث حيث ألقى د, التركي من خلال تأملاته، وتعرضه لهذه الموضوعات الضوء على الأسس العظيمة التي قامت عليها هذه الدعوة، ووقف عندها الشيخ محمد بن عبدالوهاب حيث عالج حشدا كبيرا من القضايا التي تتصل بها، ووسائلها وشروطها، وآداب الداعي ومؤهلاته التي لا بد منها,, لكي يستطيع الوصول الى مستوى الداعية الصادق، والناجح، المعبر بحق عن عظمة الإسلام، وعن خصائصه التي ميزها الله بها.
وفي هذا الباب تطرق البحث الى ان التوحيد هو الأساس الذي قامت عليه دعوة الشيخ بصفته جوهر عقيدة الإسلام، ومحور عبادته، وركيزة تعاليمه، والطابع المميز له، وبالوقوف على آثار الشيخ يتضح ان الدعوة الى (توحيد الله تعالى) تحتل المساحة الأكبر، والمكانة الأولى لدى الشيخ أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن عقيدة الشيخ اوضح البحث بأنها كانت عقيدة السلف الصالح التي قامت على الكتاب والسنة، وانها بهذا الوضوح لا تعد شيئا جديدا، ولا مذهبية جديدة، تنسب الى من دعا اليها.
ثم تناول الباب وسائل الشيخ في الدعوة الى التوحيد بالاشارة والشرح للكتب، والوسائل العامة والشخصية، التي ألفها الشيخ، وبيان أنواع التوحيد، ومعنى (لا إله إلا الله) وما يناقضها، وبيان الأشياء التي يكفر مرتكبها ويجب قتاله.
قضية التكفير
ثم تعرض البحث الى موقف الشيخ من قضية التكفير حيث بين أنه وضع أمورا يجب مراعاتها في مسألة الحكم على إنسان بالكفر منها: ان نأخذ الناس بالظاهر، ونكل باطنهم الى الله، وألا تحكم على الناس بالظن، وأن يعذر المرء بجهله، وأنه لا بد من اقامة الحجة والبرهان.
وحدد الشيخ في احدى رسائله نواقض الإسلام بأنها عشرة، جاءت جميعها حول الشرك بالله، والتشكيك في رسول الله، او الاستهزاء بالدين، والسحر، ومظاهرة المشاركين، وهي أمور عظيمة تكفر صاحبها.
ويعقب الباحث الدكتور التركي على ذلك بقوله: إن تناول هذه القضية بهذا التحديد الدقيق ليغلق الباب أمام ادعاءات أهل الأهواء بأن الشيخ رحمه الله كان يتساهل في تكفير المسلم.
وينتقل البحث بعد ذلك الى الإشارة لبعض الثوابت في دعوة الشيخ الى التوحيد وهي: معرفة التوحيد أول واجب على العبد لا توحيد إلا بنفي واثبات الاقرار بتوحيد الربوبية فقط لا يحرم الدم والمال لاحقيقة للتوحيد بدون تحقيق سبعة شروط لكلمة (لا إله إلا الله) وهي:
العلم المنافي للجهل، واليقين المنافي للشك، والقبول المنافي للرد، والانقياد المنافي للترك، والاخلاص المنافي للشرك، والصدق المنافي للكذب، والمحبة المنافية لضدها,, وأنه باستيفاء هذه الشروط تصبح كلمة التوحيد مقتضية لدخول الجنة.
ومن الثوابت التي ذكرت أيضا: مقتضى العلم العمل به، ووجوب اتباع الدليل النقلي الثابت، التكفير والقتال لكل من خالف التوحيد، وهو ما أثار الناس، وألبهم على دعوة الشيخ لأسباب كثيرة، لعل من أعظمها أن الدولة العثمانية كانت قد أشاعت جوا من الرفض لهذه الدعوة بحجة الخروج عليها وتنفيذ الأحكام دونها.
الاتباع للسلف
وعن اتباع دعوة الشيخ للسلف الصالح أبان البحث انه كثرت الأقاويل حول الشيخ محمد بن عبدالوهاب ودعوته وأنه أتى بمذهب جديد، والحق أن دعوته هي دعوة الإسلام، ومنهاجه الرشيد، نهجها الاتباع لا الابتداع، ترد الناس الى الشريعة الإسلامية في مصدريها الأساسيين القرآن والسنة، وهي مع ذلك تقدر المذاهب الفقهية المعتبرة والاجتهادات الفرعية المستندة على الدليل من الكتاب والسنة.
ومن خلال عرض لبعض رسائل الشيخ أثبت الباحث أن الشيخ محمد رحمه الله لم يقصد بالاتباع إغلاق باب الترجيح بالدليل والاجتهاد في المذاهب، او إغلاق التطور العلمي، بل إنه على العكس من ذلك، فهو حين يدعو الى عدم تقديس كلام الائمة المجتهدين، ويلح على ضرورة العودة للكتاب والسنة، إنما يحافظ على صلة الناس بمصادر الاشعاع الاولى الكفيلة بجوامع كلمها وآفاق معانيها، بمواجهة كل التطورات والتغيرات، فالكتاب والسنة يشيعان في النفس والعقل معاني متجددة ، ويقدمان أنواعا مختلفة من العلاج تواجه كل العصور.
طاعة أولي الأمر
ثم تناول البحث في هذا الباب الاشارة الى فطنة الشيخ الى الفروق الكبيرة بين دعوة لاتؤازرها قوة الحكم مثلما كان حال المسلمين والرسول - صلى الله عليه وسلم - في مكة، ودعوة يعضدها الحكم، ويهيىء لها اسباب حمل الرسالة، ويضع كل إمكانات دولته في خدمة الدعوة، وذلك مثل حال المسلمين في المدينة بعد الهجرة بقيادة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكانت هذه المفاهيم التي دعت الشيخ لمكاتبة امير العيينة عثمان بن معمر، ثم انتقاله للدرعية حيث تحقق التآخي والتلاحم بين الدعوة والدولة السعودية حين ناصره، وتبنى آراءه امير الدرعية محمد بن سعود، الذي استطاع تحت راية الدعوة اخضاع اكثر امارات نجد لسلطته، واتم ابنه الامام عبدالعزيز، ثم سعود توحيدها، واقامة الدولة السعودية في شبه الجزيرة العربية.
وهذه كانت ثمرة رائعة لفقه الشيخ محمد في استنصاره بأهل السلطان، كما كانت نتيجة فقهه في وجوب طاعة ولاة الأمر في المعروف،والاستعانة بهم على الحق ومؤازرتهم,, انه فقه الاسلام وشريعته التي أوجب الله فيها طاعة ولاة الامر، والنصح لهم، والتعاون معهم، وحرم فيها الخروج على الخليفة او الحاكم، ولو كان فاجرا، لما يترتب على الخروج عليه من المفاسد الضارة بالامة.
فنزعات الخروج والهيجان، وعدم الانضباط انتهت بمجتمعات كانت غنية الى الفقر، ومجتمعات كانت آمنة الى القلاقل والفتن التي صعب التحكم فيها والسيطرة عليها,, وهكذا يبدو عمق النظرة لدى الشيخ محمد، ولدى الفقهاء المسلمين والدعاة الناصحين الذين يوجبون طاعة ولاة الامر، ويطالبون بالاصلاح والتقويم من خلال القنوات الشرعية للامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والالتزام بالمبدأ الاصولي القائل: درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة .
فقه الدعوة والدعاة
بعد ذلك استعرض البحث من خلال ماتركه الشيخ من آثار علمية بعض الجوانب المهمة فيما يتعلق بالدعوة وفقه الدعاة، حيث تحدث عن فضل الدعوة الى الله عز وجل ووجوبها،كما تحدث عن آداب الداعي الى الله، مبينا الصفات الاساسية التي لابد منها في الداعي الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وهي: التواضع، واللين مع المدعو، ومراعاة حال المخاطب او المدعو، واختيار الاسلوب الامثل مع المدعو، والحرص على هداية المدعو، وان يتحلى الداعي بسعة الصدر.
واختتم الباحث هذه الآداب بكشف العيوب التي يقع فيها بعض الدعاة وهي: الحرص على الدنيا وعدم الجد، ورؤية الناس في سلوك الداعية العيوب المنفرة لهم عن الدين، والتقصير في تعظيم العلم، وعدم الصبر على مشاق الدعوة وعدم الاخلاص، وعدم هجران الرجز والتقصير في ذلك وهو من أضرها على الناس.
واختتم الباحث هذا الباب مؤكدا انه بما توافر للشيخ محمد بن عبدالوهاب من حشد كبير من القضايا التي تتصل بالدعوة ووسائلها وشروطها، وآداب الداعي، وما قدمه من علاج، جعله بحق فاتحا لخير كثير، امتدت اغصانه وأنواره الى معظم بلاد المسلمين وتأثر بدعوته كثيرون في بلاد عديدة، وعلى ايدي هؤلاء المتأثرين به انتشرت دعوة التوحيد السلفية، وتخلص الكثير من مظاهر الشرك، حتى ولو لم يسموا أنفسهم بالموحدين او السلفين.
تبليغ الدعوة
الباب الثاني جاء بعنوان (تبليغ الدعوة) وتطرق فيه الباحث الى اربعة موضوعات رئيسة : أولها المنطلق حيث اشار من خلاله الى ان الشيخ اهتم في بداية دعوته بتصحيح الاعتقاد من خلال تصحيح الاسلام - اولا- في قلوب المسلمين وسلوكهم فاذا تم ذلك ارتقى الانسان بإسلامه وايمانه الى درجة الاحسان، وهناك يغرص حجر الاساس - من خلال هذا الالتزام - للفعالية والوثوب الحضاري المنشود.
ومن هذا المنطلق وضغوطه راح الشيخ يعد العدة، ويطلب العلم الشرعي على الطريقة السلفية الاولى، فخرجت كتبه ورسائله خالية من التقعر والتكلف، فغزا الشيخ بهذا اليسر والسهولة في بيان العقيدة الصحيحة قلوب الناس تماما، كما فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - واصحابه الكرام، ومن تبعهم باحسان.
ويرى د, التركي في هذا الباب ان الشيخ - رحمه الله - قد غربل التراث الثقافي غربلة كافية - واستلهم الاصول الاولى لهذا الدين استلهاما جيدا حتى السيرة النبوية التي يعتبرها البعض ليست بهذه الدرجة من الوثاقة وانها دون السنة النبوية، ناسين ان قسطا وفيرا من السيرة النبوية صحيح الرواية ومن اجل ذلك كان الشيخ محمد ينقي مؤلفاته ومحاضراته ورسائله من كل ما يؤدي الى تشويه الحقائق، او تمييع المسائل، واذا اضطر الى ذلك خلاف معين يذكره بصفة عابرة، وعلى غضاضة.
لقد اختار لنفسه المنهاج الاحوط والاسلم، ولاسيما في الامور الاعتقادية، اما في لمسائل الفقهية فقد كان رحب الصدر واسع الافق.
الوسائل وإعداد الرجال
وتناول د, التركي في هذا الباب الوسائل التربوية لتحقيق ثوابت المنهاج في دعوة الشيخ، مبينا انها متنوعة حسب الظروف التي تواجهها الدعوة، لكنها في مجموعها تتوزع بين تأليف الكتب والرسائل الشخصية وحلقات العلم والمناظرات والوسائل المالية، والجهاد بالسيف الذي كان يأتي في آخر الوسائل بعد الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن والامر بالمعروف والنهي عن المنكر بدرجاته المتفاوتة: التعليم والتعريف، والقول اللطيف، ثم الزجر والتخويف، ثم يأتي استعمال القوى في موضعها.
وعن اختيار الشيخ للرجال الذين يقع عليهم العبء الاكبر في الدعوة الى الله، أوضح البحث انه كان - رحمه الله - يهتم بفئة الامراء والرؤساء بصفتهم القوة المادية الضاربة على يد كل من تسول له نفسه اعتراض الدعوة بسوء وكذلك فئة العلماء والقضاة والفقهاء، وهم القوة العلمية التي تعتمد عليها الدعوة.
اما عن توزيع الوظائف في دولة الدعوة فقد حددها الباحث من خلال مجالات الحياة المدنية والعسكرية كالآتي: وظيفة القتال ، ويقوم بها كل من توافرت فيه القدرة على القتال تحت راية دولة الدعوة مجاهدين في سبيل الله ووظيفة المرابطة ،وهي الاقامة على الثغور لحماية ارض الاسلام من الاعداء من خلال بناء الحصون والقصور المجهزة بالاسلحة والعتاد والطعام لعدة شهور، ووظيفة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهي التي ميزت الدولة السعودية وأتباعها عن سائر الدولة، ووظيفة جمع الزكاة والغنائم والاخماس والقائم عليها طائفة معينة من قبل ولاة الامر يسمون الجباة وكان يخضع هذا العمل لرقابة شديدة خوفا من الظلم.
ووظيفة القضاة الذين يفضون المنازعات بين الافراد والقبائل، ووظيفة التعليم ، وهي اعظم الوظائف لحراسة الدين والدفاع عنه، ووظيفة الضيافة، وهي عادة عربية اصيلة أقرها الاسلام وحث عليها، وكانت تعقد مجالس الضيافة كل يوم مرتين، ويحضرها اعداد كبيرة من اهل الدرعية وغيرهم ، وغير ذلك من الوظائف مثل: وظيفة حفظ الضالة ، وتأمين الطرق وامراء البلدان.
وابان الباحث في نهاية هذا الباب امرين يتعلقان بهذه الوظائف: اولهما انها لم تظهر دفعة واحدة بل بالتدريج وانها كانت تأخذ صفة تطوعية في بادىء الامر ثم اخذت بعد ذلك صفة رسمية.
إنصاف الدعوة وآثارها
وفي الباب الرابع والاخير اكد معالي د, التركي انه من الخطأ اعتبار الشيخ محمد بن عبدالوهاب زعيم فرقة تسمى الوهابية، وان الدولة السعودية تعتنق مذهبه - مثلما ادعى الاستاذ احمد امين في كتاب له - فليس للشيخ مذهب خاص، وانما اطلق اعداء الشيخ عليه وعلى دعوته هذه الاقوال اثارة للعامة ضدها وتشويها لصورتها، فالشيخ مجتهد في اطار مذهب الامام احمد بن حنبل، كما ان المملكة العربية السعودية لا تعتنق مذهبا اسمه المذهب الوهابي، بل ولا تعتنق المذهب الحنبلي الى درجة العقيدة التي تُعتنق، وانما هو فقه من الفقه، واجتهاد من الاجتهاد، ومذهب من المذاهب الفقهية التي يؤخذ منها ويرد، ولم يرغم الملك عبدالعزيز - رحمه الله - كما لم ترغم المملكة العربية السعودية احدا على مذهب من المذاهب الفقهية المعتبرة فشأن الامام احمد بن حنبل - رحمه الله - شأن الامام مالك، والامام ابي حنيفة، والامام الشافعي والاوزاعي والليث بن سعد وغيرهم - رحمهم الله اجمعين -
وقال د, التركي: وليس احمد امين الا نموذج واحد من نماذج كثيرة تسرعت في الحكم على الشيخ، ولعل كثيرا من المناوئين للشيخ لم يقرأ للشيخ اصلا، وانما قرأ عنه من اعدائه، وقد كان للسياسة اثرها الكبير في هذا ولاسيما السياسة الانجليزية التي كانت تحاول الاجهاز على بواعث النهضة الاسلامية قبل ان تؤتي ثمارها، كما ان الدولة العثمانية التي انتشرت فيها طرق صوفية مغالية، انطلقت في هجومها على الدعوة السلفية لمخالفتها لها في المنهاج ، وما يتعلق بأمور العقيدة كالتوسل والاستعانة بالموتى .
حلقة في سلسلة الدعوة
كما أكد معاليه في بحثه ان تلامذة الشيخ والمتأثرين به لم يعودوا يأبهون كثيرا عند نعتهم بالوهابية من بعض الناس، ولا يريدون ان يحققوا اهداف خصومهم الذين يريدون لهم ان ينشغلوا بالدفاع عن أنفسهم وركز الباحث في هذا الباب على ايضاح ان دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب دعوة متبعة لامبتدعة، وانها ليست مذهبا جديدا وصاحبها لم يقل بذلك ، وانه ليس من حق احد ان يفرض عليه مالم يقل به ولا ان يلبس الدعوة ثوبا غير ثوبها، فقد كان الشيخ يسير على نهج ائمة السلف، وان الدعوة الاصلاحية حلقة في سلسلة طويلة من الدعوات الاصلاحية حيث لم يخل قرن من القرون، ولا عقد من العقود منذ ظهر الاسلام الى اليوم من داعية من دعاة التوحيد الصافي، وهؤلاء الاعلام قد تأثر بهم وبسيرتهم الشيخ محمد بن عبدالوهاب.
واشار الباحث كذلك الى ان دعوة الاسلام التوحيدية هي آخر ما بقي للبشرية من معالم النبوة والوحي، فإله اليهود اليوم اله خاص بهم يؤثرهم على غيرهم،ويعمل لحسابهم وحدهم، وإله النصارى - اليوم - اله مثلث الاضلاع يشترك معه في الحكم اقنومان مساعدان هما: الابن والروح القدس,, (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا).
آثار الدعوة في الخارج
وعن آثار الدعوة خارج الجزيرة العربية أوضح الباحث ان المتأثرين بالدعوة السائرين على منهجها قد انتشروا في العالم الاسلامي وقدموا لمجتمعاتهم وجماعاتهم خيرا كثيرا ومنهم الشيخ محمد ابن علي الشوكاني (1173 - 1252ه) وهو من الذين تأثروا بدعوة الشيخ وولي القضاء بصنعاء اليمن، وفي العراق تأثر محمود شكري الالوسي بالدعوة، وظهر ذلك في كتبه ، وفي الهند تأثر بالدعوة الامير صديق حسن خان المتوفى سنة (1890م) وناصر حسين المتوفى (1902م) كما تأثر بها اهل الحديث في الهند، وغيرهم كثيرون في اندونيسيا والتركستان والجزائر وغيرها من البلدان.
اما عن تأثير الدعوة في المجال الفكري فيقول عنه د, التركي: انه تأثير يمتد الى آفاق العالم، ويظهر ذلك من البحوث التي قدمت في هذا الشأن للكثير من اللماء والمفكرين من كل انحاء العالم شرقا وغربا.
المملكة وثبات المنهاج
وفي ختام بحثه يقول د, التركي: ان الاهتمام بالدعوة بلغ الذروة في عهد موحد المملكة العربية السعودية الملك عبدالعزيز آل سعود - رحمه الله - حيث اقام المملكة على الاسلام عقيدة وشريعة وفق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما كان عليه سلف الامة الصالح متخذا من نهج محمد الامام محمد بن سعود - رحمه الله - ومؤازرته للشيخ محمد بن عبدالوهاب - رحمة الله - قدرة يحتذ بها.
واستمر الاهتمام بالدعوة، والعناية بها ، باعتبارها تجديدا للاسلام في حياة الناس، ممن خلف الملك عبدالعزيز من ابنائه ، وهي في العهد الحاضر، عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود وسمو ولي عهده الامين الامير عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود في الصدارة من حيث الاهتمام والعناية.
فالدعوة الى الله والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتطبيق شرع الله والتضامن بين المسلمين، ونشر كتاب الله وسنة رسوله ، وكتب علماء السلف، وتعليم ابناء المسلمين وبعث الوفود والدعاة وبناء المراكز والمساجد والمدارس في مختلف انحاء الدنيا، كل ذلك من اسس المملكة العربية السعودية، ومن ثوابت المنهاج الذي تسير عليه.
وستظل باذن لله على ذات المنهاج، قادة وعلماء، وشعبا اختارهم الله لنصر دينه وخدمة الحرمين الشريفين والحجاج والعمار، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
ندوة بجامعة الإمام
وفي نهاية كتابه استعرض د, عبدالله التركي نتائج وتوصيات الندوة التي عقدتها جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية بالرياض حول دعوة الشيخ المجدد المصلح محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله - واستضافت فيها نحو مائة وخمسين عالما، وباحثا وداعية من خارج المملكة وداخلها، حيث تلقت الجامعة من العلماء بحوثهم الموثقة بالمصادر الاساسية، وقامت بطباعتها ومن خلال مناقشة الابحاث المقدمة وما عرض في اللجان والندوات من آراء وافكار قرر المؤتمرون نتئاج وتوصيات منها:
إن التجربة الرائدة في العصر الحديث تتمثل في التلاحم الوثيق بين الدعوة والدولة، وعلى المسلمين كافة ان يعمقوا هذه التجربة الفذة في تعاون العلماء والحكام على اقامة حكم الاسلام وتطبيق شريعته وشد ازر الدعوة الاسلامية.
وان المسار الصحيح للدعوة الاسلامية انما يكون باستنادها الى اصول الدين الحنيف، ومصادره من الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الامة.
وان الدعوة التي قام بها الامام محمد بن عبدالوهاب دعوة اسلامية أصلية نابعة من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهي حلقة من حلقات الاصلاح والتجديد في امة الاسلام عبر القرون والاجيال.
ويرى المؤتمرون ضرورة العمل على اعداد طائفة من العلماء ذوي المواهب الخاصة وتأهيلهم تأهيلا يمكنهم من الاجتهاد فيما يجد من قضايا ومشكلات في ضوء الكتاب والسنة.
كما يرى المجتمعون ضرورة اجتماع كلمة القادة في الشعوب الاسلامية على الحق، وتوحيد جهودهم، واستنفار طاقات شعوبهم، لبعث روح الجهاد في سبيل الله، والاخذ بأسبابه اللازمة ، حتى لا يظل المسلمون معتمدين على الشرق او الغرب.
وكذلك يرون ضرورة تقديم العون المالي والعسكري للمجاهدين في كل بلد مسلم يقاوم الظلم والطغيان، وبخاصة تقديم العون لتحرير فلسطين المسلمة من وطأة الاحتلال الصهيوني الغاشم الذي انتهك الحرمات الاسلامية المقدسة.
وأقر المجتمعون ان للمرأة المسلمة اثرها في تاريخ الاسلام على مر العصور كما ان لها نصيبا في تحمل اعباء الدعوة.
وان الشبهات التي اثارها اعداء دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب هي من كيد الاعداء والمغرضين، وليس لها ما يسندها من كتابات الشيخ ومنهجه في الدعوة.
ودعا الملتقي الى ضرورة العناية بانشاء الكليات والمعاهد المتخصصة لدراسة العقيدة وإعداد الدعاة الى الله وفق منهج السلف الصالح ودعم الاقسام والمعاهد والكليات القائمة، واكدوا على ان نشر الدعوة يتطلب الاستفادة من وسائل الاعلام الحديثة.
رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
أفاق اسلامية
لقاء
عزيزتي
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
مئوية التأسيس
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved