Friday 23rd April, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 7 محرم


من وحي المنبر
شهر الله المحرم
الشيخ الدكتور/صالح بن عبد الرحمن الأطرم *

الحمد لله الذي جعل في بداية الأعوام وانتهائها عبرة وعظة، وما يتذكر إلا أولو الألباب، نحمده سبحانه حمدا كثيرا ونسأله ان يجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم لقائه, وأشهد أن لا إله إلا الله هو الأول والآخر وهو الظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله نبي الرحمة وهادي الأمة خير من صام وقام وعبد صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الذين نهجوا نهجه، واقتفوا أثره وتمسكوا بسنته أولئك هم أهل التقوى وأهل المغفرة.
أما بعد:
فيا أيها الناس,, اتقوا الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى، فما عملتم فستجدونه مكتوبا ومحصيا في كل ما سيأتي من الزمان وما مضى.
واعلموا أنكم استقبلتم عاما جديدا أوله شهر الله المحرم، أرجو أن يكون هذا العام عاما حميدا أضاف نبينا هذا الشهر الى الله وعظمه فقال أفضل الصوم بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم وفي الصحيحين من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم الى المدينة رأى اليهود يصومون اليوم العاشر ويقولون هذا يوم عظيم نجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فيه فرعون وقومه فصامه موسى شكرا لله فنحن نصومه فقال صلى الله عليه وسلم نحن أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه، وفي رواية أنه قال:لئن بقيت الى قابل لأصومن التاسع والعاشر وفي لفظ صوموا يوما قبله أو يوما بعده وخالفوا اليهود .
عبادالله: كل ما جاء في القرآن من قصص الأنبياء مع قومهم، وما جرى من قومهم معهم ما هو إلا للعبرة والاعتبار، للأخذ بسبيل من آمن وحصل له الانتصار واجتناب طريق من تكبر وطغى وكان حقه الهلاك والدمار وهذه سنة الله فيمن عصى وفسق ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يُفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) وهذه الشهور تأتي وتمضي، والأعمار تنقضي على مر الدهور والعصور، فأين من اعتبر بما قص الله علينا من آدم أبي البشر الى خاتم الأنبياء سيد البشر فهلا سمعنا قصة من قصص الأنبياء وصبرهم ومثابرتهم لنعلم أن الايمان قول وعمل وان الفوز بالصبر والمثابرة وأن الفرج مع الكرب وأن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسرا فهذا فرعون مع موسى منذ صغره يحاول قتله والله ينجيه ويحاول ذله والله ينصره ويحاول خذلانه والله يعزه حتى أوحى الله إليه بأن يذهب الى فرعون الذي طغى ويدعوه الى أن يتزكى فيذل لربه ويخشى، وما زال موسى معه حتى أراه الله الآية الكبرى وهو مصر على أن يكذب ويعصى، فأبى واستكبر على دعوة موسى وطغى وإيمان موسى وقومه يزداد ويقوى لذا حشر فرعون قومه ونادى، وجعل نفسه الرب الأعلى وعزم على إيذاء موسى وقومه من قتل وصلب اعتزازا بقوته وفوقه قوة العلي الأعلى (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد, الذي له ملك السموات والارض والله على كل شيء شهيد) فكانت نقمة فرعون منهم لأنهم آمنوا بآيات الله ربهم وعبدوا خالقهم فما كان من فرعون إلا أن تبع موسى بجنوده ولكن الله يأبى إلا أن يحقق وعده وينصر موسى ومن معه مهما دهم الخطر وفدح الأمر فهؤلاء قوم موسى يقولون: إنا لمدركون وموسى عليه السلام يجيبهم مطمئنا واثقا من نصر الله له كلا إن معي ربي سيهدين الى طريق نجاتكم وما به فوزكم وخذلان عدوكم فأمر الله موسى أن يضرب البحر بعصاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، ويأمر الله الريح على كل مكان في البحر فتجعله يابسا ليسهل ممشاه.
وفرعون وقومه يتخطى خطاه فأتبعهم فرعون بجنوده فلما تكامل قوم موسى من البحر وتكامل فرعون فيه التطمت عليهم تلك الأمواج فما نجا منهم أحد، وحينئذ قال فرعون مقالته الإيمانية حين لا تنفع تلك المقالة لما عاين الغرق (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين, الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين, فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون).
وهذا اليوم الذي حقق الله فيه النصر للمؤمنين نتيجة ثباتهم وقوة إيمانهم بربهم وخالقهم واعلانهم العداء لعدوهم وعدم مداهنته ومداراته وفي هذا اليوم خذلان عدو الله فرعون وقومه ثمرة طغيانهم وعصيانهم لمعبودهم وإلههم ومخالفتهم رسولهم الذي أرسل إليهم يبلغهم رسالات ربهم ويصرف قلوبهم الى خالقهم بدل تعلقها بعدو الله وعدوهم هذا اليوم هو اليوم العاشر من هذا الشهر صامه موسى شكرا لله فكان اليهود يصومونه اقتداء بموسى فقال صلى الله عليه وسلم:نحن أحق بموسى منكم فانظر يا أخي، الى مبادرة الأنبياء الى الأعمال الصالحة ومبادرتهم الى شكر الله وفيه أن الشكر لا يكون باللسان فقط بل بالاعتقاد والعمل.
وانظر أخي المسلم الى قول الرسول صوموا يوما قبله أو يوما بعده.
كيف أمر الرسول بمخالفتهم؟ لما تدل عليه من التباعد عن الكفار ودياناتهم وأخلاقهم وعاداتهم وهذا مقتضى العداء فهم يفرحون حينما نوافقهم في أي عمل وأي قول فقد كانوا يستعملون كلمة راعنا بمعنى مذموم فاستعملها المسلمون ففرحوا بذلك، فأنكر الله على المسلمين ذلك بقوله:( يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا).
وإن فعلوا شيئا من أعمال الإسلام فلا نقول نترك هذا العمل لمخالفتهم لأنهم هم الذين وافقونا وليكن لنا برسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، فصوموا من هذا الشهر اليوم العاشر ويوما قبله أو بعده وتوبوا الى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه, الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب).
* عضو هيئة كبار العلماء

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
أفاق اسلامية
لقاء
عزيزتي
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
مئوية التأسيس
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved