Friday 23rd April, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 7 محرم


شخصيات قلقة
لوسين (1881 - 1936)
الطبيب الصيني الذي عالج فساد الأفكار

كثيراً ما يعيش الفنان هائما في ملكوت الخيال، يتساءل في قرارت نفسه عن جدوى ما يقدمه من فن، وعن القضية التي تستحق ان يعيش من أجلها، فالصبي لوسين الذي ولد لأسرة فقيرة باحدى المدن الصينية الصغيرة رأى جده يذهب الى السجن واباه يسقط طريح الفراش، ولمس عن قرب آلام الفقر وشظف العيش، وبؤس الحياة التي يعيشها الفلاحون، ومن هنا كان الفقر والمرض هما العدو الأول للوسين، وهما القضية التي وهب لها قلمه طيلة حياته.
لقد التحق لوسين بالكلية الحربية في نانكين إذ كانت الدراسة فيها مجانية، لكن هذا النوع من الدراسة لم يرض طموحه فهجرها الى مدرسة السكك الحديدية والمناجم، ليراقب عن كثب مؤامرات الاستعمار الاجنبي على بلاده، وسيطرة الاقطاع، وبعد تخرجه من تلك المدرسة كوفىء على تفوقه بمنحة لدراسة الطب في اليابان، ولعل ما عاناه من مرض ابيه، ومالمسه من سوء احوال مواطنيه وتفشي الامراض بينهم كان العامل الاهم في اختياره لتلك الدراسة حتى يساهم بعمله في علاج المرضى من اهل بلاده, ولربما كسبت الصين طبيبا ممتازا لو لم يغير لوسين مسار حياته فجأة، لانه لم يكن يبحث عن دراسة ما تكفل له وظيفة مرموقة في المجتمع، وانما كان يبحث دائما عن اداة للتغيير ,, أداة الثورة.
وكانت نقطة التحول الخطيرة في حياته، التي جعلته يترك الطب ليحترف الادب,, لقد حدث هذا التغير الكبير نتيجة حادثة صغيرة يتعرض مثلها لآلاف الناس كل يوم، فلا يأبهون بها ولا يتحركون لها، ولكنها بالنسبة الى نفسه الحساسة المدركة كانت كافية لتغيير مجرى حياته كله، فبينما يجلس الشاب الصيني لوسين في احدى دور السينما اليابانية عرض فيلم اخباري عن الحرب (الروسية - اليابانية) وكان من بين المشاهد منظر لرجل صيني قبض عليه اليابانيون بتهمة التجسس، وأوثقوه وأخذوا يعذبونه على مشهد من زملائه الصينيين، الذين بدا على وجوههم الجمود التام وعدم الاكتراث وهز هذا المشهد لوسين من اعماق نفسه فكتب يقول: شعرت بعد ذلك ان علم الطب لم يكن بالاهمية التي تصورتها، وان اهل البلاد الضعيفة المتأخرة مهما كانوا اقوياء واصحاء، فانهم لا يصلحون الا للقيام بدور الأُمثُولة او المتفرجين على مثل تلك المشاهد الحقيرة، وان مصيبتهم الحقيقية ليست في العدد الكبير الذي يقتله المرض، بل ان اهم ما يحتاجون اليه هو تغيير ارواحهم.
وهكذا بعد دراسته في الكلية الحربية وفي مدرسة السكك الحديدية، وبعد دراسته للطب في اليابان، تنصل لوسين من كل هذا واختار لنفسه ان يكون اديبا، حيث تراءى له ان الادب هو الاداة الحقيقية للثورة والتغيير ، وهو العلاج الحقيقي لمرضى الارواح، ليخلق في نفوس شعبه ارواحا متوثبة تأبى الضيم وتثور على الهوان، وعلى الفور بدأ لوسين مع بعض زملائه في اصدار مجلة الحياة الجديدة لكن هذه الحياة الجديدة لم تر الضوء!! فلجأ الى سلسلة من المقالات تحت عنوان التعصب الثقافي كشف فيها النقاب عن فساد الافكار التي يروج لها انصار الغرب، كما نقد في شجاعة الاتجاه السائد الذي يحاول ابقاء الشعب على جهله ، كما كتب عن الشعراء المخبولين امثال بيرون وشيلي وبوشكين، ذوي النزعات الانسانية الرومانسية والثورية، ولم يدر بخلده قط انه في يوم من الايام يكون مصاف هؤلاء ، وانه سيكون رائدا للادب الصيني الحديث، بل لم يتوقع ان تكون افكاره المتمردة ومقالاته هي المانفستو المهم للثورة الصينية، بل العكس هو ما حدث، فبعد ثماني سنوات في اليابان قضاها كاتبا ومترجما ومشاركا في الحركات الثورية عاد الى بلاده سنة 1909 ليصدم بان كتاباته لم تحدث الاثر الذي كان يرجوه، بل قوبلت بكثير من الفتور وعدم الاكتراث.
وكأنه عاش في وهم كبير تحت دعوى قدرة الادب على التغيير!! ولهذا دخل لوسين في نوبة من اليأس والوحدة استمرت في الفترة ما بين عامي (1910م - 1918م) حيث عاش وحيدا دون ان يكتب حرفا واحدا، لأن الكتابة لديه ليست حرفة للرزق او للوجاهة، وانما هي معاناة ، وفي نفس الوقت هي السبيل للحرية والتقدم,, وخلال فترة الكمون الطويلة رصد لوسين العديد من التجارب المؤلمة من خلال اتصاله الشخصي بالفلاحين والطبقات الفقيرة في المدن، واستطاع ان يتبين بوضوح الاسباب الخفية للمصير المحزن الذي يتردى فيه ملايين الصينيين وأسباب فشل ثوراتهم باستمرار، وحين عاد الى الكتابة عشية حركة 4 مايو (1918) وحتى وفاته عام 1936، لم يذق طعم الراحة من عمله الادبي ونشاطه الثقافي الثوري الموصول، فكتب قصته الشهيرة مذكرات مجنون التي اكدت مقدرته ككاتب إنساني عظيم، التي ادانت النظام الاقطاعي بقوة وصلابة، ومن قصصه المهمة ضحية العام الجديد وفيها يصور امرأة عادية عاملة تتعرض لصنوف من الاذى والهوان، وقصة قصة آه - كيو الحقيقية التي قال عنها: انه يريد تصوير روح الشعب الصامتة التي ظلت خلال آلاف السنين تنمو وتذوى وتسحق مثل العشب تحت ضغط صخرة هائلة .
وأوضحت هذه القصص شجاعة لوسين في مواجهة الواقع، وقدرته الفذة على التمرد ، وعلى التعبير الذي يصل احيانا الى حد الصراخ ضد فساد المجتمع القديم.
ويبقى السؤال: لماذا العودة الى الكتابة بعد انقطاع دام لسنوات طويلة؟ اهو الايمان مرة اخرى بجدوى الكتابة؟ أهو نهاية مريحة لحالة القلق والانطواء؟! يقول لوسين ,, اما لماذا كتبت تلك القصص؟ فذلك لأني اشعر اليوم كما كنت اشعر منذ عشر سنوات ، انه يجب علي ان اكتب عن الحياة الانسانية، وعن الحاجة الى تحسينها على امل ان اساهم في تثقيف اهل بلادي ,, ولقد اخترت معظم شخصياتي من بين اولئك التعسين الذين يعيشون في مجتمعنا اني لا احب ان يكون وجودهم كالطاحونة الدائرة مثل وجودي، ولا ان يقاسوا حتى تسيطر عليهم البلادة والغباء، ولا ان يكرسوا طاقاتهم كما يفعل البعض الآخر للهو والمجون ,النتيجة الوحيدة التي استطاع لوسين ان يتوصل اليها هو الامل في ان يكون الادب سببا في حياة افضل، حياة كريمة لانه في حقيقة الامر لم يعد يمتلك وسيلة اخرى للتغيير، فاذا لم يستمر في الكتابة فهذا يعني الموت الحقيقي له عندما كانت تعجز القصة القصيرة كقالب فني عن احتواء افكاره كان يلجأ الى كتابة المقالات اويبحث لنفسه عن اسلحة ثقافية جديدة، مثل العمل كأستاذ للادب الصيني ، لكنه بكل اسف استقال بعد عدة اشهر احتجاجا على قتل الطلبة في المظاهرات الوطنية.
لقد كان في حاجة الى وسيلة تعبير ضخمة يمكن ان تحقق رسالته الكبيرة التي يلخصها بقوله: انها تصفية الحساب القديم وإضاءة المشاعل على الطريق الجديد ومن هنا واصل تشجيع الادباء الشبان، وكتابة المقالات النقدية التي كادت ان تعرضه للاغتيال لدرجة ان البعض طلبوا منه ان يكف عن الكتابة، وعن هذه الواقعة يقول لوسين لقد حاول بعض الناس اقناعي بعدم كتابة هذه المقالات النقدية ، واني لشاكر لهم اهتمامهم، كما اني مدرك ان كتابة القصة المر مهم , ولكني كثيرا ما تمر بي اوقات اجد فيها نفسي مضطرا الى الكتابة بطريقة معينة، ويبدو لي انه اذا كان في قصر الفن مثل تلك المحرمات المرهقة (يقصد القيود الفنية) فإني افضل الا أقتحمه، وان اظل واقفا في الصحراء، ارقب العواصف الرملية، وأضحك حينما اكون سعيدا واصرخ حينما أكون تعسا، وأسب في صراحة حينما أكون غاضبا, قد تجرحني الرمال والاحجار حتى تمزق جسدي وتدميه، ولكني استطيع مع ذلك بين الحين والآخر ان اتحسس الدماء المتجمدة وألمس اشكال جروحي.
وهذا في حد ذاته لا يقل متعة عن تقليد اولئك الادباء الصينيين الذين يأكلون الخبز الافرنجي والزبد بزعم المحافظة على زمالتهم لشكسبير .
إنه مع الادب الهادف، دائما والى الابد، لاتهمه الحذلقة او الوجاهة او حتى التقاليد الفنية بقدر ايمانه العميق بقدرة الادب ان يغير الواقع وهذا ما حدث بالفعل فبعد فترة وجيزة من رحيله جاءت الثورة الصينية لتثبت صدق حدسه، ولتعيد اليه الاعتبار في احتفال عالمي، وتبدأ السينما في تحويل قصصه الى افلام، ويقام له متحف مهم في بكين، ولا أحد يعرف ماذا سيكون شعوره ازاء كل هذا؟! وماذا يقول عن تحقق احلامه بعد وفاته؟!
ربما تكون الاجابة من احدى قصصه ,,, لم يكن فيها طرق في البداية,, ولكن حينما يسير عدد كبير من الناس في اتجاه واحد فإنهم يصنعون الطريق .
شريف صالح

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
أفاق اسلامية
لقاء
عزيزتي
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
مئوية التأسيس
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved