مع مجيء حكومة الليكود الى الحكم في اسرائيل برئاسة بنيامين نتنياهو بإيعاز من وزير البنية التحتية إرييل شارون، أعلنت الحكومة انها ستمنح الشركات البترولية والمستثمرين تراخيص تسمح بالبحث والتنقيب واكتشاف النفط في هضبة الجولان السورية والخاضعة للاحتلال الاسرائيلي,, وقد أثار هذا الاعلان استياء الحكومة السورية واستطاعت حملتها ان تجعل عددا كبيرا من الشركات البترولية في السوق العالمية ان تتراجع في تقديم طالبات للحصول على التراخيص اللازمة للقيام بعمليات الحفر والتنقيب، وقد ادى رد الفعل الى قيام مؤسسة البترول الاسرائيلية في اكتوبر 1998 من خلال مؤتمر صحفي بنفي اعتزام وزارة البترول عن التنقيب عن النفط بمرتفعات الجولان المحتلة.
والقصة ترتبط بما هو اكبر من ذلك,, فرغم البيانات عن ضعف الانتاج الاسرائيلي من النفط (الانتاج الحالي 1000 برميل/ يوم) والاحتياطي البسيط (4 ملايين برميل) والمعدل الكبير لاستيراد النفط العام (214000 برميل/يوم) فإن اسرائيل تبذل مجهودات كبيرة وواسعة في مجال البحث والكشف والتنقيب عن النفط، وتبحث باستمرار عن المستثمرين من الشركات البترولية العالمية حيث تدعوهم لمؤتمرات سنوية تعقدها بالتعاون مع قسم الجيولوجيا بالجامعة العبرية، ناهيك عن الشروط المغرية التي تقدمها مؤسسة البترول الحكومية، التي تتضمن اغراءات مختلفة من عام لآخر, ذلك ان استراتيجية وزارة الطاقة في اسرائيل تعتمد على تنوع مصادر الطاقة مع التركيز على تغطية كل مناطق الأراضي التي قامت عليها اسرائيل,, بالبحث والتنقيب وليس بالضرورة انتاج النفط انما معرفة الحجم الحقيقي للنفط المختزن في باطن الارض، بالاضافة لتحديد مكامنه وتقدير الاحتياطي في ضوء استراتيجية الأمن القومي الاسرائيلي وضمانات الامن خلال خمسة وعشرين عاما على الأقل.
- 1 -
ومن المهم أن نرصد الكيفية التي نفذت بها حكومات اسرائيل المتتابعة خططها الاستراتيجية في مجال البحث والتنقيب.
صدر اول قانون لتنظيم صناعة البترول سنة 1952 متضمناً ثلاثة عناصر مهمة:
1 - الشروط الخاصة بمنح تراخيص البحث والتنقيب والكشف.
2 - تقسيم مناطق الدولة بترولياً.
3 - تحديد ضريبة اساسية تقدر ب،12,5% من النفط المكتشف وتكونت شركتان هما:
1 - Lapidoth Israel petroleum LTD.
2 - IsraelOil Prospectors Corp.
وتم اكتشاف اول حقل بترولي عام 1955 وهو حقل هيلتز في صحراء النقب جنوبي عسقلان وعلى ضوء هذا الكشف اصدرت الحكومة الاسرائيلية بما عرف باسم تنظيمات صناعة البترول سنة 1957 لدفع وتكثيف انشطة البحث والحفر والتنقيب مما ادى لتحقيق دفعة كبيرة في مجال الاكتشافات فيما بين عام 1957 وعام 1965.
- ففي يونيو 1957 تم حفر آبار (برور Brur) وكان هناك تصور في انها تمثل حقلا بتروليا مستقلا ثم اتضح فيما بعد انها عبارة عن حوض اضافي جنوب حقل هيلتز .
- وفي خريف عام 1960 قامت شركة لابيدوث بحفر بئر Negva3 وظهرت كمية ضئيلة وغير تجارية.
- وفي سبتمبر عام 1962 اكتشف بئر Kochav1 ويقع في الامتداد الشمالي لحقل هيلتز وادى هذا الكشف إلى رفع حجم البترول المنتج سنويا من مليون برميل الى مليون ونصف برميل في العام.
وفي عام 1964 ظهر كشف جديد وهو نيرام 4 وكانت انتاجيته ضعيفة وغير تجارية الا انه افاد كثيراً في توفير معلومات جيولوجية عن طبيعة سلسلة نيرام الجبلية وحتى عام 1966 كان انتاج اسرائيل من النفط قد وصل الى 3700 برميل يوم، ولكن بعد احتلال سيناء المصرية عام 1967 واستغلال اسرائيل لآبار مصر بدأت على الفور اعمال التنقيب والحفر بحثاً عن النفط في جوف سيناء بالتعاون مع مجموعة من الشركات والمستثمرين الامريكيين والكنديين وكان اول الكشوف في منطقة خليج السويس عام 1971 وتراوح حجم انتاجه ما بين 24000 و 70,000 برميل/يوم.
ولقد انفقت هذه المجموعة في عام 1976 وحده حوالي 30 مليون دولار وكانت اكبر الشركات الامريكية العاملة في سيناء بالاتفاق مع الاسرائيليين هي: Western Desert والتي ركزت نشاطها في بحيرة البردويل وكذلك شركة City Drilling Services of London والتي قامت بالتنقيب في اعماق البحر المتوسط بالقرب من مدينة العريش المصرية.
ومن اهم الاكتشافات ايضا حقل (علما Olama) عام 1971 على بعد 70 ميلا جنوبي حقل ابو رديس بالقرب من مدينة الطور، وقامت بهذا الكشف شركة Moncrief International Texas وهي شركة امريكية مسجلة في بنما وتمثل غطاء لمجموعة من شركات البترول الامريكية الكبرى مع بعض رجال الاعمال والماليين اليهود الكبار المشتغلين في المجال البترولي وكان الغطاء مطلوبا في تلك الفترة بسبب احكام المقاطعة العربية آنذاك، وقد وصل انتاج حقل علما الذي اطلقت عليه الحكومة المصرية بعد استرداده عقب معاهدة السلام بين مصر واسرائيل اسم حقل شعاب علي وصل انتاجه الى اربعين الف برميل يومياً.
-2-
وخلال عقد السبعينات لم تكتف اسرائيل بالبحث عن النفط في سيناء فقط بل اعطت وزارة الطاقة الاسرائيلية العديد من تراخيص التنقيب لعدد من الشركات الأجنبية والمحلية لتغطية اعمال البحث في المناطق ال Off Srore الممتدة على طول الساحل الشمالي الغربي من مستوطنة هاينكرا بالقرب من الحدود اللبنانية الى مدينة عسقلان في الجنوب وقد لوحظ عدم اصدار وزارة الطاقة الاسرائيلية لأية بيانات عن جنسية او هوية اصحاب التراخيص هؤلاء.
ومع انسحاب اسرائيل من سيناء عادت للاعتماد مرة اخرى على استيراد احتياجاتها البترولية، ولكن مع تكثيف عمليات البحث والتنقيب داخل الحدود القديمة والمناطق الاوف شور
وكان اهم متغير في تلك الفترة من اواخر عقد السبعينات ظهور تقرير مهم اعده جيولوجي سابق في شركة شل العالمية وهو جيمس ويلسون اشار فيه الى احتمال وجود 2000 مليون برميل بترولي كاحتياطي لدى اسرائيل في منطقة البحر الميت وفي السهل الساحلي.
وقد شجع هذا التقرير وزارة الطاقة على اعتماد مبلغ 35 مليون دولار كاستثمارات سنوية تنفق لمدة خمس سنوات للتنقيب عن البترول والغاز اعتبارا من عام 1981، وذلك بالمقارنة باجمالي الانفاق الاستثماري الاسرائيلي منذ عام 1952 في البحث والتنقيب الذي بلغ 185 مليون دولار.
وفي عام 1982 شجعت الحكومة الاسرائيلية التنافس بين الشركات الاسرائيلية المحلية في البحث والتنقيب وهي شركات: ديليك وسونول وباز أويل عن طريق إلغاء وتخفيف بعض القيود التي تنظم المنافسة بينهم كما قامت وزارة الطاقة الاسرائيلية بتقديم مجموعة من التسهيلات والحوافز للمستثمرين لتوسيع رقعة البحث والتنقيب ومن ضمنها فتح مناطق جديدة لحقوق الامتياز والسماح بالبحث فيها بعد ان كانت مغلقة لدواعي الأمن.
وتضمنت الشروط الجديدة للتراخيص ما يلي:
يصل حجم الرقعة الى 100,000 كيلومتر مربع ومدة الامتياز ثلاث سنوات قابلة للتمديد مدة اربع سنوات اخرى, وفي حالة التوصل لوجود نفط يمكن تحويل الترخيص الى عقد ايجار Lease مدته ثلاثون عاماً قابلة للتمديد عشرين عاما اخرى، وهناك بدل نضوب قدر 27,5% وتحتسب ضريبة شاملة على اعمال صاحب الامتياز قدرها 12,5% ثم قدمت وزارة الطاقة حافزاً جديداً وهو مساعدة اي مستثمر او صاحب حق امتياز في تدبير التمويل اللازم له عند طلبه ذلك ويقتسم الربح بعد خصم المصاريف مناصفة بين وزارة الطاقة واصحاب الامتياز، وتختصم الضريبة من الايراد كمصروف، وقد ساهمت هذه الحوافز على اقبال جانب كبير من المستثمرين وشجعتهم على اعمال البحث والتنقيب بشكل اوفر, وكان من النتائج المباشرة اكتشاف بئر أشدود عام 1983 بواسطة شركة باز اويل للاكتشافات البترولية بالاشتراك مع شركة لابيدوث ثم الاكتشاف الآخر لشركة Hannah التي كانت تنقب بطول الساحل المطل على البحر المتوسط بدءاً من حيفا حتى الحدود المصرية وكانت اكتشافات هذه الشركة: حقل ماسارا (1) وموقع جاش بالقرب من تل ابيب، وكانت اهمية الكشف الاخير انه يقع على عمق 5300 متر وهي المرة الاملى التي يتم فيها العثور على النفط الخام في مثل هذه الاعماق مما يشير الى احتمالات وجود كشوف مماثلة في مناطق اخرى، ويعزز ذلك الرأي المرتبط بهذا الكشف البترولي نظرية البروفيسور فائيل مزوند الرئيس الراحل والشهير لقسم الجيولوجيا في الجامعة العبرية.
وتقول نظرية الدكتور مزوند ان السبب في عدم العثور على البترول في داخل الكيان الصهيوني من مدة طويلة يرجع الى التركيب الجيولوجي للارض الذي ادى الى سقوط الطبقات الحاملة للنفط الى عمق 2,5 كيلومتر، ولذلك فان امكانات العثور على البترول في اسرائيل لا تقل عن الامكانات الموجودة في المملكة العربية السعودية او العراق او ايران فالمهم هو العثور على الطبقات الصحية مثلما حدث في العراق بعد خمسة عشر عاما من اعمال البحث والتنقيب.
-3-
وشملت خطة وزارة الطاقة الاسرائيلية خلال النصف الاول من الثمانينات اجراء ما يقرب من عشرين عملية حفر كل عام بتكلفة قدرها 188 مليون دولار منها 150 مليون دولار لأعمال الحفر و38 مليون دولار للمسح السيزمي وأسفرت جهود العام الاول عن اكتشاف اول حقل لانتاج النفط من النوع الخفيف القليل الكبريت عام 1982 وهو زوك تمرور بالقرب من مدينة اراد )Arad وقد تم هذا الكشف على عمق 600 قدم وقامت به شركة Exploration Investment وهي احدى شركات مؤسسة البترول الاسرائيلية.
ثم قامت مجموعة من المستثمرين اليهود من استراليا والولايات المتحدة بتقديم منحة للبحث الى شركة الملك داود للنفط والغاز لتطوير اعمال التنقيب في حقل كافمان في المنطقة التي تقع شمال عسقلان على الساحل المطل على البحر المتوسط.
وحدث نفس الشيء عندما قامت هيئة البترول الاسرائيلية بحملة لجمع تمويل يقدر بحوالي 30 مليون دولار للمساهمة في مشروع كبير للتنقيب عن النفط في منطقة البحر الميت تقوم به شركة سيسميون ليمتد عام 1984م ونجحت هذه الشركة في تكوين شركة مشتركة مع شركة باز اويل الاسرائيلية باسم شركة هارذرم اويل لأجل هذا الغرض ومقرها مدينة دالاس بالولايات المتحدة الامريكية.
ومن التطورات ذات الاهمية في تاريخ الاكتشافات البترولية في اسرائيل هو ما قامت به شركة ايزرا مكوإينك )Isramco inc( وهي شركة امريكية الجنسية يرأس مجلس ادارتها جيروم ويليامز ويتكون مجلس الادارة من مجموعة من كبار المسؤولين في الشركات البترولية الامريكية الكبرى، وقد منحت وزارة الطاقة الاسرائيلية لهذه الشركة عدد ستة تراخيص للبحث والتنقيب تغطي مساحة 425000 هكتار في مناطق متفرقة، كما تبنت الشركة اعمال البحث والكشف التي قام بها الدكتور جو يلمالح التي ادت لاكتشاف بئر جوريم بصحراء النقب الذي تراوح انتاجه في بادىء الامر من 75 الى 100 برميل/ يوم.
وفي عام 1985 قام عدد من المستثمرين الامريكيين اليهود وعلى رأسهم أرماند هامر الراحل رئيس مجلس ادارة شركة اوكسيد نتال والملقب وقتها بملك البترول قاموا بتقديم تمويل قدره 200 مليون دولار لتطوير اعمال البحث في حقل جوريم ودفع ارماند هامر من جيبه الخاص مبلغ مليون دولار كهدية، واعلن في يوليو عام 1985 ان هذا الحقل سوف يغطي 2000 برميل/ يوم وان مستقبله واعد.
-4-
وعقب الاكتشاف الأخير فان الحكومة الاسرائيلية اخذت قراراً استراتيجياً بعدم اعطاء اي تراخيص جديدة للحفر والتنقيب عن النفط وفي الوقت نفسه بدأت وزارة الطاقة عملية فحص كامل للموقف البترولي الداخلي وعمل مجموعة من الدراسات التفصيلية عن التراكيب والمكامن البترولية في كل أنحاء اسرائيل وذلك خلال الفترة 1985 الى 1990 مع السماح لعدد محدود جدا من الشركات التي تنقب عن النفط باستكمال عملياتها خصوصا في البئرين من العصر الجوارس بالمنطقة الشمالية الغربية لصحراء النقب التي ابرزت وجود نفط ولكن لم يعرف شيء عن حجمه وطبيعته، ثم كانت المنطقة الاخرى التي سمح فيها بالبحث البحر الميت عندما ظهرت شواهد اسفلتية نفطية.
ولكن بقي التركيز كبيرا على صحراء النقب مع اكتشاف بئر هاكانيم ومسارا وايضا بئر ايموناح - 1 الذي خرج منه اكثر من 800 برميل يومياً ومن نفط عالي الجودة درجة نقاوة 39 API.
وخلال الفترة من 1990 الى 1995 زاد عدد الاكتشافات البترولية في اسرائيل وهي:
1 - بئر جيفوت عولام ميجاد 2 في شمال اسرائيل وداخل في هضبة الجولان (وبالطبع سيكون عليه نزاع مستقبلي لانه ليس داخل اسرائيل).
2 - حقل دافيد - 1 شمال منطقة روش هاعانين.
3 - حقل رام الله - 1 وحقل جاش - 2.
هذه الحركة من الاكتشافات جذبت من جديد عددا من الشركات للبحث والتنقيب واعتمدت وزارة البترول الاسرائيلية خطة جديدة للتوسع في عمليات البحث ولكن كانت الطلبات كلها تركز على المنطقة الساحلية Off Shore وعلى صحراء النقب وعلى منطقة البحر الميت.
وفي عام 1994 قامت شركة اينسرش كوربوريشن في دالاس بتوقيع عقد مع شركتين اسرائيليتين للتنقيب عن النفط في المنطقة اوف شور البحر المتوسط على مساحة 1500 ميل مربع وفي الوقت نفسه تم اكتشاف النفط في اغسطس 1996 بمنطقة اراد بالبحر الميت حيث بلغت الانتاجية 600 برميل/ يوم.
-5-
فالحاصل ان استراتيجية الحكومة الاسرائيلية هي فتح مناطق اكبر للبحث والتنقيب خصوصا في الساحل والنقب والبحر الميت وتشجيع الاستثمارات الأجنبية في هذا المجال بالاشتراك مع الشركات الاسرائيلية المحلية التي تم خصخصة اغلبها خلال الاعوام الخمسة الأخيرة.
ولكن الرسالة التي تريد توجيهها اسرائيل (رغم محدودية المعلن من الانتاج والاحتياطي البترولي) هو انها مركز بترولي له قيمة في الشرق الاوسط فيمكن ان تكون مركزاً ايضا للاستثمارات البترولية التي يمكن تمويل نشاط البحث والكشف والتنقيب عن النفط في عدة دول بالشرق الاوسط خلال الفترة القادمة، اي ان اسرائيل تبحث عن كل العناصر التي تهيىء لها تسويقاً بترولياً جيداً في المنطقة على مشارف القرن الجديد وهو ما يجب ان نلتفت اليه ليس فقط في المجال البترولي ولكن في جميع المجالات.
|