عفواً,, لسنا هكذا,,؟! سالمة الموشي |
انه لمن المؤكد ان الصورة التجسيدية للعمل الابداعي تتفاوت من متلق الى آخر ومن قراءة الى آخرى للخروج بمفهوم جمالي معنىً ووعيا,, وعلى الرغم من تقلص الحاجة الى التنظيم كنتيجة طبيعية لرتم العصر الذي يمر به المتلقي الا ان الهاجس القيمي لايزال قائما كمطلب اساسي لاجدال عليه,.
لذا فإنني امتلىء ايمانا ويقينا بالمقولة التي مفادها,, انه اذا لم يكن الامر لائقا فإن علينا الا نقوم به، واذا لم يكن صحيحا ان لاننطق به.
من هنا يمكن ان اتوقف كمتلق ارغب في مناقضة نص ما اسلوبا ومضمونا وتعاطياً من كافة الجوانب في قراءة لااعمد من خلالها الا الكشف عن الانساق والمكونات الداخلية للنص الادبي وفقا لمنظور رولان بات لقارىء النص إذ جعل قارىء النص الذي تتولد لديه متعة القراءة نقيضاً للبطل, وان كنت هنا اجد ان المتعة توارت مخلفةً نقيضاً وانقاضا وحسب,, ولأن المناقضة والاختلاف حول نص ما ظاهرة حيوية الغرض منها تصعيد الوعي القرائي والتلقي الناضج على حد سواء,, لذلك اسمحوا لي ان اقدم لكم هذا الجزء من مجموعة قصصية لنورة المحيميد والنص الادبي المعنون هو احد مجموعة المذنبات والرماد الصادرة عن دار الجديد، الطبعة الاولى 1999م - بيروت, النص في مجمله ليس بحاجة الى نقض لاعادة بنائه في توجهه التشريحي لأنه متناقض مناقضة ذاتية تظهر بجلاء فاضح,, فالكاتبة ارادت تجسيد صور اجتماعية ونفسية وغفلت عن ان عملية التعامل مع الواقع الاجتماعي - البيئي بطريقة اسقاطية هشة وسطحية سيؤدي الى تكريس الخواء الفكري والوعي الضحل لدى الآخر، وسيصبح صوتنا الانثوي مرتبكاً ومشوشاً لايعبر عن منظومة معرفية /تعاملية جدلية/ لمناقضة ومناهضة واقع مرير لابد من التعامل معه بتفرد واع منبثق من قاعدة ثقافية راسخة تشكل الممكن وفقا للكائن.
فنص المذنبات والرماد يستحيل بعد قراءته من كونه نصاً الى فعل كتابي مشوش فاقد القدرة على ان يحدد هويته كونه جنساً غير معروف قاصر حد السقوط لافتقاده للمقومات النصية والاسلوبية.
فلو اخذنا المحتوى على انه من اهم مقومات النص في كل مايتصل بالحبكة والموضوع ومايتبعه من خصائص دلالية,, فانه يبدو فارغا من اية دلالات قادرة على تجنيسه بل ان الفعل الكتابي في المذنبات والرماد يدفعك بعيدا عن الجمالية الى الفوضوية التي تُلغي المضمون من جوانبه اللغوية، والاسلوبية، والموضوعية.
وفجاءة هرعت نحو والدها عندما ناداها بصوت مرتفع يرتعش بانفعال، مها وين انت؟ سم يبه,, فمد يده نحوها ونظر مباشرة الى وجهها وقال: ساعديني يابنيتي ابقوم عن الفراش ودورلي شوي وسط النخل ثم امسك بيدها، وامسك عصاه باليد الاخرى ص 14
هنا نجد نموذجاً يتنقل بعده الفعل الكتابي الى قفزات وهوامش مراوحا بين الفوضوية السردية بعرض اشبه بالفلاشات وبلغة عامية محضة,, وللوصول الى تصور نظري وموضوعي متكامل عن العمل وحتى لااتعامل معه بطريقة شكلانية القي بالشكل اللغوي خارجا للبحث عن المحتوى لأجده يتسلل الى حيث لايتمكن القارىء من الامساك به في مراوغة حكائية لاجتياح الورق وتطويع المداد دون هدف بل لايخلو كذلك من تناقضات في التركيبة النفسية، الاجتماعية للشخصيات.
فمثلا في ص 30 تقول: احست العجوز ان ابنها عبدالله قد اتى ومعه غريبان تعود بعد تسعة اسطر تماما تستأنف المحاولة الكتابية بكانت والدتها تبدو امرأة فاتنة في صفاء بشرتها وسواد عينيها المقصود هو العجوز ام عبدالله,,!! تتفلت منها الفكرة شكلا ومضمونا من جزئية الى اخرى بطريقة تفسد ذائقة المتلقي وتحيره من خلال فعل كتابي يفتقد ابسط مقومات النصوصية الناجحة لسياق متماسك ومحدد متمكن من تواصل مابعد بما قبل كذلك سقطت القصة في عملية توظيف التراث، والبيئة، والعادات والتقاليد,, تقول في هذه الجزئية,.
ص 39,, من متى بندر جاي؟ فأجابت، من ساعة وهو يبي يكلمك ادخلي عليه كلميه، ساحت مها عليه ورحبت به وقالت: الوالدة تقول انك تبيني, لم يدر بندر ماذا يقول, وبدت عليه الحيرة ومضت برهة ثم مد يده الى ذقن مها ورفع وجهها ونظر اليه,, و,,, !!
لايمكن الا ان اقول عفوا للقارىء فلسنا هكذا,, لسنا كذلك، فليست هذه طقوسنا ولاعاداتنا ولاتمت لنا بصلة الا من حيث اننا نتلهى بمشاهدتها ربما في مسلسل مكسيكي مدبلج لاغير، بل انها لاتشبهنا فهي انموذج مشوه للبيئة السعودية المحافظة,, وعلى الرغم من انني كنت سألتمس العذر للكاتبه انطلاقا من ان للكاتب حرية التصور والأخيلة والاقتباس من بيئات مختلفة لتوظيفها في العمل القصصي لولا انها عمدت الى اضفاء الهوية السعودية على العمل بشكل خاص فذكرت عنيزة، الملز، الثمامة,,, .
عليه فإن النص سرد متميز يكونه لايمكن تفسيره او تقبله او تبريره باحالته الى واقع مسمى لانه مرفوع وخارج عن الواقع جملةً وتفصيلا,, فمنذ متى الأم الارملة تستقبل رجلاً غريباً ومن ثم تطلب من ابنتها الدخول لاستقباله والتحدث اليه، وكذلك الفتاة بالمثل,, بالطبع هذه الصورة مخالفة تماما للمرأة السعودية جغرافيا، وعرفيا، ودينيا, ولايمكن طرحها ولا تقبلها بابتذال كهذا خارج الحدود.
واعود الى معالجتها لمشكلات المرأة وصراعها النفسي والاجتماعي مع مفارقات البيئة اذ كان اكثر سذاجة ولامنطقية,, من سابقه.
ص 40,, ثم قالت مها بصوت منخفض,, انتظرني بكرة عند بوابة الجامعة، ابتكلم انا وانت بعيدا عن سلطة وتدخل فهد !!
مناقضة اخرى تبرر بها السياق وهي التسلط من قبل اخيها فهد واسرتها وهو يناقض تواجد بندر في منزلهم في الفقرة السابقة,,نخلص الى نتيجة تشير الى سرد تجاهل البنيات الثقافية، والاجتماعية,, ولو اخذ من المنظور اللساني فاننا نجد ان البنية السطحية ليست سوى متوالية للجمل تتطور وتتوالد تبعا لنص مرتبط وغير محدد الهدف والماهية.
ص 43,, مادري وش اقول ماودي اصير عبدة ذليلة مثل صديقاتي اللي تزوجوا,, لازم مانلزم انفسنا بالزواج ونستبدل الزواج بصداقة متينة راسخة في قلبينا ,هنا نجد صورة ارادت ان تعبر عن مكنون معاناة خفية لامرأة تعاني من تصادم مع سيطرة الرجل كعلاقة بين طرفين احدهما يمتلك القيادة والآخر الانقياد,, فارادت ان تبرر الرفض الانقيادي للارتباط بالرجل كطرف يمثل لها الاستبداد والتسلط بمعالجة فكرية ضحلة مفرزة من خارج الواقع البيئي والاجتماعي,, فغاب المفهوم العقلاني للتعايش مع واقع صارم وعملاق بنظرة سطحية نتاج خلفية اجتماعية اخرى لاتمثلنا بشكل او بآخر,, وفي ملمح آخر من القصة نجد صورة لامرأة بدائية في تعاملها مع الواقع بينما تطالب هذه المرأة بأن تُعامل بطرق اكثر تحضرا اسلوبا ومضمونا.
يقهر نورة وهي المسكينة تقوم تضرب رأسها بالجدار حتى يسيل الدم من شدة القهر والغيرة .
افلاس لغوي ومضاميني لتشريح حالة مقموعة بمفردات تجعل من التعامل مع النص مستحيل القبول لغة وتلقيا, وعلى الرغم من ان توجه النص عند بارت قد أعلى من حتمية الشكل وهو مايلغي بالمقابل المضمون الى حد كبير، الا ان الشكل في المذنبات والرماد لم يكن غير هباء لايمكن الامساك به او الاتكاء عليه لغياب الحس الفني والطرح القيمي المطالب به كضرورة في اي عمل ابداعي يهدف الى تحقيق توجه فكري/ اجتماعي يتوخى المثالية بكافة مستوياتها.
وعلى ان عملية التلقي تعد نسبية في تعاطيها وفق تراكمات ثقافية وحياتية متعددة الا انه فيما عرف بالمذنبات والرماد نجد انموذج لبنية ذهنية لاتعبر عن وعي وواقع اجتماعي بالاضافة الى كونها صوتا ممجوجاً متعثرا يعبر الآفاق ويرتد خواء لايمثلنا,,فما سبق لا اعده فهما احاديا او متحيزا او تصادميا بل انه غيرة حسية، فنية، ثقافية، لاشكالية كبيرة تمس مفاهيم وصوراً اقحمت في المشهد الثقافي الذي يمثلنا في عيون وتلقي الآخرين ثقافة، وابداعا، وتعاطيا مع الواقع.
|
|
|