استضاف التلفزيون السعودي من خلال برنامجه المميز وجها لوجه اساتذة افاضل من المختصين المؤهلين في الشؤون والعلوم الاقتصادية لمناقشة الوجه الجديد للاقتصاد السعودي في ضوء المتغيرات الاقتصادية الجديدة, ولقد كان الحوار جيداً والموضوع شيقاً الا ان ضيق الوقت وطبيعة الحوار والمحاور لم تمكن في اعتقادي المشاركين في الحوار من صياغة رؤاهم في قوالب متكاملة لتصف للمشاهد المشكلة والحل المقترح في ظل المعطيات النظرية والعملية السائدة, لقد كان الموضوع على درجة عالية من الاهمية حتى خيل لي ان الحوار سيستمر لحلقات حتى يستطيع المشاركون طرح الرأي المدعم بالحقائق الرقمية والعلمية ولكن المحاور فاجأ الجميع بكلمات رقيقة اشتملت على مراسم دفن رئيسة للموضوع الهام، ولعل اراد من خلال هذه الحلقة القصيرة مجرد الاشارة الى النقاط المتفرقة وليس طرح هذه النقاط في قوالب متكاملة تبدأ بوصف الواقع وتنتهي بطرح التصور المستقبلي, وعلى العموم كنت اتمنى ان يكون الحوار مجزأً الى حلقات تختص كل حلقة بفترة زمنية من عمر الاقتصاد السعودي او الى حلقات تختص كل حلقة بمناقشة قطاع واحد من قطاعات اقتصادنا الوطني حتى تكون الآراء مركزة وحتى ينتهي الحوار نهاية لها معالم واضحة لدى المهتم والمشاهد.
ان الأهمية البالغة التي يحتلها هذا الموضوع تفرض علينا اخذ عنوان الحلقة كمهمة وطنية تهدف الى اعادة رسم الخريطة الاقتصادية للمتغيرات والقطاعات الرئيسة المكونة لاقتصادنا الوطني حتى يستند التعديل والبناء على اساس علمي واضح ووفق خطة وطنية تعتمد على ارقام وحقائق صادقة بعيدة كل البعد عن التنظير الطموح المنفصل عن الماضي المشاهد والواقع السائد, نحن في مرحلة لا ينفع معها سوى المصارحة الوطنية والمكاشفة العلنية التي ستقودنا الى التعرف على الاخطاء الكثيرة التي ظلت سائدة على الرغم من تبدل الحال وارتفاع التكاليف المباشرة والبديلة لهذه التصرفات والقرارات الاستثمارية, اعتقد اننا نحتاج الى ان نكون اكثر صدقا ومصداقية في التعامل مع نتائج سياساتنا الاقتصادية في الماضي حتى نستطيع ان نتجنب مواطن الخطأ في المستقبل خاصة في ظل ارتفاع تكلفة اصلاح الخطأ في الوقت الحاضر نتيجة للندرة النسبية في الموارد المالية.
ونتيجة لأهمية هذا الموضوع فانني سأحاول ان ادلي بدلوي حتى واقع ومستقبل الأنشطة الاقتصادية الرئيسة على ان اخصص لكل نشاط اطلالة مستقلة اتناول خلالها اهم الملامح التي تميز بها هذا النشاط في اطار نظري يتناسب مع طبيعة المهتم غير المتخصص وذلك على النحو التالي:
أولاً: واقع ومستقبل القطاع الزراعي في المملكة العربية السعودية:
لقد اولت خطط التنمية المتعاقبة القطاع الزراعي اهمية بالغة كمحاولة لتحقيق التنوع في مصادر الدخل وتخفيف الاعتماد على النفط كمصدر رئيس للدخل وكمحاولة لتحسين الاوضاع الاقتصادية ومستوى الرفاهية للمواطن السعودي بشكل عام وللمواطن السعودي القاطن في المناطق والأجزاء القروية بشكل خاص,
ونتيجة لهذا الاهتمام فقد حقق هذا القطاع معدلات نمو مرتفعة اذهلت الكثير من المختصين خاصة من لديه معرفة مفصلة عن الظروف البيئية والمائية في المملكة العربية السعودية وحتى نستطيع ان نحكم على هذه التجربة المذهلة نحتاج الى ابراز اهم الملامح لهذا القطاع قبل وخلال فترة الطفرة الاقتصادية لنستطيع في النهاية ان نحدد الهوية المستقبلية للنشاط الاستثماري الزراعي.
لقد كان القطاع الزراعي في المملكة العربية السعودية في فترة ما قبل الطفرة الاقتصادية يتميز بالآتي:
1 - انه النشاط الرئيس لمعظم سكان المملكة العربية السعودية حيث كان نشاطاً عائلياً ومصدراً رئيساً للمعيشة.
2 - ضعف مستوى الفن التكنولوجي المستخدم في هذا القطاع واعتماده على طرق انتاجية تتصف بالبدائية في معظم الاحوال سواء بالنسبة للزراعة كنشاط او الري كوسيلة لتنمية الزراعة.
3 - اعتماده شبه الكلي على عنصر العمل السعودي حيث كان المصدر الرئيس المعظم الفرص الوظيفية خاصة في ظل ضعف مساهمة رأس المال الاقتصادي وغيره من عناصر الانتاج الاخرىفي العملية الانتاجية.
4 - التسويق البدائي للمنتجات الزراعية نتيجة لضعف ورداءة وسائل النقل والتنقل بين المدن والقرى السعودية آنذاك مما جعل النشاط الزراعي يظل حبيس القرية او المدينة موقع النشاط مما يعني ان الأغراض التجارية لم تكن المحرك الرئيس لهذا النشاط,
في اعتقادي ان المحرك الرئيس كان الوضع الاجتماعي الراقي الذي كان يحظى به صاحب المزرعة في قريته او مدينته مما جعل النشاط الزراعي اجتماعي التوجه اكثر من كونه تجاري الهدف.
5 - الاكتفاء شبه الذاتي من معظم المنتجات المحلية خاصة ان المواطن السعودي لم يكن يتطلع الى تناول المنتجات الزراعية الكمالية التي تغص بها اسواقنا في الوقت الحاضر وبالتالي فقد اقتصرت حاجته على منتجاته المحلية التي ما زالت وستظل تمثل المنتجات الضرورية للمواطن السعودي.
ولكن الوضع اختلف جذرياً مع بداية الطفرة الاقتصادية التي اعقبت الارتفاع الهائل في اسعار النفط في بداية السبعينيات وما صاحبه من ارتفاع كبير في الايراد الحكومي نتيجة لكبر حجم مساهمة الايراد النفطي في اجمالي الايراد الحكومي, لقد ساهمت الزيادة في الايراد الحكومي والرغبة في تحقيق الاكتفاء الذاتي من بعض المنتجات الزراعية كالقمح مثلا الى زيادة كبيرة في الاعانات الحكومية المقدمة للمزارعين مما شجعهم على التوسع في النشاط الزراعي لاغراض استثمارية بحتة, ويمكن ابراز اهم ملامح هذا القطاع خلال هذه الفترة على النحو التالي:
1 - تبدل الحوافز وراء هذا النشاط من الحوافز الاجتماعية الى الحوافز الاستثمارية.
2 - العجز الكمي والكيفي في الأيدي العاملة السعودية عن مواكبة النمو السريع في هذا القطاع مما دفع بالمزارعين الى الاستعانة بالأيدي العاملة الأجنبية والذي بدوره ادى الى فقدان المواطن الى فرص عمل كانت في السابق متاحة له دون منافسة خارجية, واذا اضفنا الى ذلك الفارق الكبير في مستوى الاجر المطلوب من العامل الأجنبي ونظيره السعودي، واذا اخذنا في الاعتبار اختلاف الكيفية لصالح العامل الأجنبي فانه من الممكن القول بأن المزارع السعودي قد وجد نفسه في بيئة تنافسية تميل قواها لصالح العامل الأجنبي مما دفعه الى مغادرة هذا القطاع بحثاً عن فرص عمل مناسبة في القطاعات الأخرى.
3 - ان المنتجات الزراعية اصبحت سلعا مكثفة لعنصر رأس المال بعد ان كانت مكثفة لعنصر العمل مما ادى الى قلة فرص العمل في هذا القطاع بعد ان كان المصدر الرئيس لها ومما زاد من معاناة المزارع السعودي الذي اصبح يتنافس مع الأجنبي على عدد اقل من فرص العمل.
4 - ان الاعانات الزراعية قد دفعت بالمزارعين الى التوسع في نشاطهم الاستثماري رغبة في تحقيق الاستفادة من اقتصاديات الوفرة التي عادة ما تصاحب الانشطة الاستثمارية الكبيرة مما ساهم في القضاء على المزارع الصغير الذي لا يمتلك رأس المال الكافي الذي يمكنه من التوسع في الانتاج خاصة في ظل تحسن مستوى الفن التكنولوجي المستخدم في النشاط الزراعي.
5 - ان تحسن دخل المواطن السعودي قد دفع به الى مغادرة القطاع الزراعي خاصة في ظل التحسن المصاحب في المستوى التعليمي والذي زاد من رغبة المواطن الى تحسين دخله عن طريق الدخول في معترك الحياة العملية في الانشطة والقطاعات الاخرى.
6- ان التوسع في النشاط الزراعي ومشتقاته قد صاحبه استهلاك عال من المياه التي تمثل العنصر الأهم في الحياة خاصة في ظل ندرة مصادرها وارتفاع درجة التبخر في المملكة العربية السعودية.
7 - ان المنتج السعودي لم يستطع منافسة المنتجات الأجنبية المستوردة التي لم تزل ارخص ثمناً وربما احسن جودة مما ادى الى خسائر كبيرة للمزارعين خاصة في ظل الباب شبه المفتوح امام الاستيراد من الخارج.
8 - ان التوسع في النشاط الاستثماري لم يصاحبه تطور مماثل في الاسلوب التسويقي للمنتجات الزراعية مما ادى الى ضعف المردود للمزارع السعودي والى سيطرة العمالة الأجنبية على معظم ان لم يكن جميع مصادر التوزيع والتحصيل والتسويق.
9 - ان التوسع في النشاط الاستثماري الزراعي لم يصاحبه توسع وتطور مماثل في الصناعات ذات الاعتماد الكبير على المنتجات الزراعية مما ادى الى انحسار الأغراض الصناعية المتعلقة بالمنتجات الزراعية وبالتالي فان معظم المنتجات الزراعية كانت للأغراض الاستهلاكية البحتة.
واخيراً وبعد ان تعرفنا على ابرز الملامح للنشاط الزراعي خلال الفترة السابقة والمصاحبة لعنفوان الطفرة الاقتصادية نستطيع الظهور بالملاحظات الرئيسة التالية:
1 - ان التنمية الزراعية قد صاحبها برنامج اعانات مكثف للمزارعين وبالتالي فان فاعلية هذا القطاع مرتبطة طرديا بمستوى هذه الاعانات مما يعني ضرورة استمرار هذه الاعانات اذا اردنا نحقق معدلات نمو مستقبلية مماثلة لما كانت عليه خلال فترة الطفرة,
السؤال هنا هو هل نستطيع ذلك في ظل الانخفاض الهائل في الايراد الحكومي؟ ثم ما هو حجم تكلفة الفرصة البديلة لهذه الاعانات ,,؟ او بعبارة اخرى ماذا يمكن ان نعمل بهذه الاعانات اذا لم نمنحها للمزارعين؟
2 - ان التنمية الزراعية جاءت لتحقق مبدأ رئيس يقوم على تحقيق مستوى معين من الامن الغذائي، وهنا نستطيع ان نقول اننا لن نستطيع ان نحقق هذا الهدف في ظل الطبيعة القاسية والموارد المائية النادرة كما اننا لن نستطيع ان نحقق هذا الهدف لكل المنتجات الزراعية الرئيسة وبالتالي فان تحقيقه لمنتج معين لا يعني اننا حققنا امننا الغذائي المطلوب.
3 - ان تكلفة الانتاج الزراعي مرتفعة جدا بالمقارنة بتلك السائدة في البلدان الزراعية بطبيعتها بل ان تكلفة الانتاج الزراعي هنا ربما تفوق قيمة المنتج الاجنبي بعد وصوله للسوق السعودي وبالتالي فان من المصلحة الوطنية ان استثمر الاموال الهائلة المنفقة في شكل اعانات للمزارعين في اوجه استثمار اخرى تتناسب مع طبيعة البلد وتتمشى مع قانون المزايا النسبية المحدد للتجارة الدولية والتخصص ويكون لها عائد استثماري وتصديري مرتفع يمكن استخدم جزء منه للصرف على المنتجات الزراعية المستوردة.
4 - ان الامن المائي يفوق من حيث أهمية الامن الغذائي حيث لا يمكن تصور بلد بطبيعة مماثلة لطبيعة المملكة يطمح في ان يكون بلدا زراعيا على حساب مورد نادر له اهمية بالغة كالماء وبالتالي فان الاولية المطلقة يجب اعطاؤها لهذا المورد النادر والتضحية بجميع الانشطة التي تؤدي الى التعجيل بنضوبه بما فيها النشاط الزراعي.
5 - ان النشاط الزراعي في شكله الاستثماري لم يعد وطني الصبغة حيث العمالة الاجنبية والمعدات والآلات الاجنبية والتسويق الاجنبي مما يعني ان المستفيد الاكبر هو العنصر الاجنبي وبالتالي فان المال المنفق في شكل اعانات قد ذهب معظمه لصالح الاجنبي الذي سيقوم في النهاية بتحويله في شكل عملة صعبة الى الخارج مشكلا خسارة اضافية لتلك الناتجة عن عدم استخدام هذه الاعانات في نشاط استثماري غير النشاط الزراعي.
6 - ان معظم المنتجات الزراعية التي نحرص على تحقيق الاكتفاء الذاتي منها قابلة للتخزين ولفترات زمنية معقولة وبالتالي كان يمكن استيراد هذه المنتجات وتخزينها بتكلفة اقل من الاعانات المجانية المقدمة للمزارعين.
7 - واخيرا ان المملكة العربية السعودية تتمتع بموقف سياسي متزن يقوم على احترام الاخرين وعدم التدخل في شؤونهم مما يعطيها موقفا سياسيا عالميا محترما يمكن معه الشعور بالامان النسبي الذي ربما يساعدنا على صياغة سياساتنا الزراعية المستقبلة بمعزل عن الضغط الذي تسببه الرغبة في تحقيق الاكتفاء الذاتي بغض النظر عن تكلفته الاقتصادية, سؤال اليابان دولة صناعية تمتلك طبيعة زراعية افضل منا بمراحل ولكن لم تفكر مطلقا بالتضحية بالمكاسب المتوقعة من الانشطة الاخرى في سبيل دعم نشاط غير اقتصادي فلماذا لم تسع مثلنا الى تحقيق الاكتفاء الذاتي من بعض المنتجات الزراعية بغض النظر عن تكلفتها الاقتصادية؟
وعليه نستطيع ان نقول بان المرحلة القادمة تحتاج الى عناية فائقة تقوم على المصلحة المتكاملة لا على مصلحة قطاع دون اخر وبالتالي يجب ان نعترف باننا حققنا تنميتنا الزراعية بتكلفة اقتصادية عالية ربما لم نعد قادرين على توفيها في الوقت الحاضر والمستقبل.
يجب ان نعترف اننا خسرنا الكثير عندما لم نستفد من طفرتنا الاقتصادية في تنمية الانشطة الاقتصادية التي تتناسب مع طبيعتنا الجغرافية,
يجب في النهاية ان نعترف باننا دولة لا تمتلك مقومات الدولة الزراعية خاصة للاغراض الاستثمارية وعلينا ان نبحث عن بديل مناسب يحقق الكثير ويستفيد من المزايا النسبية التي نتمتع بها ولا يكلفنا الكثير كما هو الحال بالنسبة للقطاع الزراعي,
يجب ان نعطي الاولوية للمورد المائي النادر الذي لن نستطيع استيراده من الخارج وبالتالي يلزمنا صياغة نظام رقابة صارم يقضي على الهدر الملحوظ في هذا المورد.
* استاذ الاقتصاد المشارك بكلية الملك فهد الامنية .