Monday 26th April, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الأثنين 10 محرم


وجهة نظر
البحث العلمي: استثمار أو استهلاك
د, محمد يحيى اليماني *

اعتاد الاقتصاديون فيما مضى على التعامل مع البحث العلمي وما يترتب عليه من إحداث تغيرات تقنية وتطور في أنماط الانتاج واساليبه كمتغير مستقل لا يتأثر كثيرا بالجوانب الاقتصادية, لكن مع مرور الزمن تغيرت هذه النظرة حتى اصبح كثير منهم لا يكاد يتصور البحث العلمي والأخذ بأسبابه وما ينتج عنه من تغيرات تقنية واختراعات إلا نتاجا لتطور وتنوع الحاجات الاقتصادية, ويكاد يتفق الجميع على أهمية البحث العلمي في عملية النمو الاقتصادي والارتقاء بمستويات المعيشة لما ينتج عنه من اختراعات وابتكارات يمكن استخدامها في إيجاد منتجات جديدة تخدم البشرية أو في تطوير أساليب الانتاج المستخدمة أو في محاولة تشخيص المشكلات التي يعاني منها المجتمع ثم وضع الحول المناسبة لها الى غير ذلك من الأمور التي لا يمكن التوصل اليها إلا عن طريق البحث العلمي, ويصدق هذا الشيء واقع الدول المتقدمة صناعيا والتي يمكن تفسير ما وصلت إليه من تقدم ورقي باهتمامها بالبحث العلمي والعمل على تطبيق نتائجه في الواقع المعيش وتحويلها الى أشياء ملموسة يدركها الأفراد, ولاقتناع الدول النامية بأهمية البحث العلمي لعملية التنمية رأت أنه من الضروري عدم إغفال هذا الجانب لذا سعت الى إنشاء مراكز ومعاهد للبحث العلمي والى دعم الجامعات في هذا الجانب كما عملت على استقطاب وتأهيل مجموعة من الباحثين والعلماء المختصين, لكن وجدت كثير من الدول النامية ان مؤسسات البحث العلمي المحلية لم تقم بالدور المأمول ولم يكن لها نفس الآثار الواضحة في الدول المتقدمة صناعيا، وربما يكون هذا القصور الذي تعاني منه مؤسسات البحث العلمي في الدول النامية راجعا بشكل كبير الى عدم التنبه الى ان دور البحث العلمي وتأثيره في التقدم التقني والتنمية الاقتصادية يعتمد على تركيبة المجتمع ودرجة تأهيله والآلية التي تعمل بها مؤسساته المختلفة وعلى هيكله وبنائه الاقتصادي، فالحاصل في الدول النامية عموما هو وجود نوع من العزلة بين مراكز البحث العلمي المحلية وعملية الانتاج والتطوير في كثير من المجالات، فكل منهما يعمل بشكل مستقل عن الآخر، ويرجع سبب هذه العزلة الى اعتماد الدول النامية في تطوير قدراتها التقنية والتصنيعية وتطوير أغلب القطاعات الأخرى على عملية نقل التقنية وعلى الكفاءات والخبرات الأجنبية, ليس هذا فحسب بل ربما اكتفت الدول النامية بنقل التقنية بالحلول الجاهزة ولم تسع الى تطوير التقنية المستوردة ومحاولة تكييفها بما يتفق مع ما هو متاح للمجتمع من موارد اقتصادية وبما يتواءم مع حاجاته، لذا اصبحت الحاجة الى مؤسسات البحث المحلية والى منتجاتها محدودة وأصبح البحث العلمي في كثير من الحالات استهلاكا لا استثمارا.
ولعله من الممكن التخفيف من حدة الانفصام بين مؤسسات البحث العلمي والجهات المستفيدة منه عن طرق توطين التقنية المنقولة من الدول الصناعية والعمل على تطويرها بما يتواءم مع حاجات المجتمع وموارده الاقتصادية وذلك بمساعدة مؤسسات البحث العلمي المحلية وفي جانب آخر فإنه لحل مشكلة العزلة التي تعاني منها مؤسسات البحث العلمي يجب العمل على ربط برامج هذه المؤسسات وخططها البحثية باحتياجات القطاعات الانتاجية والمجتمع ككل والذي يفترض فيهما ان يقوما بدعم وتمويل هذه البرامج والخطط, والمتوقع انه متى اصبح ممكنا تخفيف حدة الانفصام بين مراكز البحث العلمي المحلية والجهات المستفيدة من خدماتها فإن البحث العلمي سيصبح شكلا من اشكال الاستثمار الذي يستطيع اجتذاب قدر مناسب من الموارد المالية وسيصبح التوسع في الانفاق عليه منطقيا ومقبولا بل وامرا مطلوبا, ولعل في هذا الأمر تفسيرا معقولا لحجم الانفاق الكبير على البحث العلمي في الدول المتقدمة صناعيا مقارنة بضآلة ما ينفق عليه في الدول النامية, وأخذ البحث العلمي لشكل الاستمثار يحمل في طياته عوامل ديمومته وازدهاره واستمرار تزايد الطلب عليه، ذلك ان البحث العلمي والحالة هذه يصبح مصدرا من مصادر تحقيق الأرباح العالية لأنه يمكن من التوصل الى اكتشاف مخترعات جديدة او تطوير المنتجات القائمة او تطوير أساليب انتاجها وهذه كلها توفر لمستثمريها ارباحا عالية, ولذا فإنه ليس بمستغرب ان يكون اعتبار البحث العلمي استثمارا والعمل على توطينه شرطا من شروط التقدم الصناعي والاقتصادي والتنمية الشاملة، وفي جهة اخرى يوفر التعامل مع البحث العلمي بهذه النظرة ضمانة لحصوله على الدعم اللازم لاستمراره والارتقاء بمستواه.
* قسم الاقتصاد الإسلامي - جامعة الإمام محمد بن سعود

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
الطبية
تحقيقات
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved