حجبت أحداث الحرب في البلقان، والغارات التي يشنها حلف الأطلسي على مواقع الصرب والاجراءات الأخرى كالحظر النفطي والحصار البحري والتعامل مع المبادرة الروسية -حجب كل ذلك أهم ما اتخذه حلف الأطلسي في قمة واشنطن وما سمي بترتيبات الأعضاء الأوروبيين بالتحالف لتنفيذ عملياتهم العسكرية الخاصة مستخدمين امكانيات الحلف .
هذا العنوان الكبير لما بحثه قادة حلف الأطلسي يمكن اختصاره باستراتيجية حلف الأطلسي للقرن القادم .
والقراءة الأولية لهذه الاستراتيجية حسبما كشف عن بعضها خافير سولانا الأمين العام لحلف شمال الأطلسي في المؤتمر الصحفي الذي عقده يوم السبت، تظهر أن قادة الأطلسي قد نصبوا الحلف شرطيا للعالم,, وليس لأوروبا وحدها, كما أن الحلف سيمكن اعضاءه الأوروبيين من تنفيذ عملياتهم اعتمادا على اصول الحلف وامكانياته.
لتوضيح هاتين النقطتين نشير بالنسبة للنقطة الأولى الى قول سولانا من ان المفهوم الاستراتيجي الجديد للحلف والذي وضع في قمة واشنطن يمكن به ان يضمن الحلف الأمن,, ويدعم القيم الديمقراطية خارج حدوده .
لاحظوا خارج حدوده ,, معنى هذا ان أي تقييم من قبل قادة الحلف,, وقياداته العسكرية لأي عمل عسكري,, أو تغير سياسي في منطقة قريبة أو بعيدة عن أراضي الحلف ترى فيه تهديدا لأمن الحلف,, فإنه يتطلب التدخل ومحاصرة ذلك التهديد, وإلغاءه.
هذه واحدة، أما الأكثر خطورة فهي اطلاق يد الحلف الى خارج حدود الحلف، وفضائه الاستراتيجي , فعبارة المفهوم الاستراتيجي الجديد لحلف الأطلسي يدعم القيم الديمقراطية خارج حدوده ,,!.
هل يعني هذا تنصيب الحلف الأطلسي حارسا للديمقراطية خارج حدود الحلف؟!,, وبما ان تفسير ما يضعه الأقوياء عادة يخضع لمفهوم,, وفكر,, وحتى نزوات الأقوياء، فسوف يظل مفهوم ومعنى دعم القيم الديمقراطية خارج حدود الحلف يخضع لتفسير قيادة الحلف,, وبوضوح أكثر للدول الكبرى في الحلف,, فالآن ما يريده الأمريكان تقوم به باقي الدول,,مع ملاحظة تبني البريطانيين لأفكار وتوجهات الأمريكيين، والألمان لازالوا في طور تشكيل استراتيجيتهم العسكرية ، اما الفرنسيون فمعارضتهم -وعلى استحياء- لا تثني الأمريكيين عن حشد التأييد لما يريدون,, أما الآخرون فعادة ما يوافقون على مضض,, بعد ان يقولوا ما عندهم تسجيلاً لموقف,, أو لرفع عتب حتى وان اتخذت قرارات قد تطولهم اضرارها في المستقبل مثلما حصل مع الأتراك الذين تحفظوا على احدى بنود الاستراتيجية الجديدة، وعندما وجدوا أنهم وحدهم في الميدان,, سحبوا التحفظ،بعد ان سجلوا الموقف,, وباستثناء فرنسا وبريطانيا,, والمانيا، فباقي الدول الخمس عشرة لا أحد منها يستطيع أن يثني أمريكا عندما تريد للحلف ان يفعل شيئاً ما، بغض النظر عن صواب ذلك الفعل أو عكسه,, وسواء كان لخدمة كل أعضاء الحلف أو لخدمة عدد محدود من دوله,, وبما أن مصالح أمريكا لا تتعارض دائما مع الثلاثة الكبار في الحلف القادرة على المعارضة الفعلية، فإن ما تريده أمريكا يتوافق دائما مع رغبة فرنسا وبريطانيا وألمانيا,, وبالتالي فعمل شرطي العالم,, لن يجد من يحد من أفعاله طالما ظل التوافق الأمريكي الفرنسي الحالي,, والتطابق الأمريكي البريطاني,, والتفاهم الأمريكي الألماني,, والقناعة لما تبقى من الأوروبيين,,!!
جاسر عبدالعزيز الجاسر
مراسلة الكاتب على البريد الإلكتروني
Jaser @ Al-jazirah.com