ونحن على مشارف الالفية الثالثة، يرسم الكثير من الباحثين والمختصين صورة مكفهرة لما سيؤول إليه الحال العالمي عندما يدور الحديث عن المياه، ويرى هؤلاء ان النزاعات المتوقع نشوؤها في اجزاء كثيرة من العالم ستجد مبرراتها في الصراع حول مصادر المياه, بل ولا يتورع البعض - وفي ظل المتغيرات الدولية المعاصرة - عن التنبؤ بأن تصبح قطرة المياه اكثر اهمية من نظيرتها النفطية, الواقع على اية حال، يؤكد ان هذه التنبؤات ليست بعيدة عن الحقيقة، فالماء (سر الحياة) باعتباره مصدرا للشرب والري والحصول على الطاقة، يلعب الدور الاساسي في عملية التنمية لأي مجتمع انساني.
تعتبر الانهار من اهم مصادر المياه، وهي تنقسم - قانونا - إلى نوعين: اولا: الانهار الوطنية التي تجري مياهها في اقليم دولة واحدة من المنبع حتى المصب، وهناك ثانيا: الانهار الدولية، التي تفصل او تخترق اراضي عدة دول، وهذه الاخيرة يمكن ان تكون حدودية متاخمة تمثل حدا طبيعيا بين دولتين او أكثر، كما هو حال شط العرب بين إيران والعراق، وقد تكون - وهو الغالب - متتابعة تخترق اقاليم اكثر من دولة، وهو ما ينطبق على نهر النيل وكذلك دجلة والفرات,, ولا يثير النهر الوطني اي اشكالية على صعيد العلاقات الدولية، باعتباره من ممتلكات الدولة التي يجري في اقليمها ويخضع بالكلية لاختصاصها الاقليمي,, وعلى النقيض من ذلك تماما نجد النهر الدولي، الذي يتجاذبه الاختصاص الاقليمي لدولتين او اكثر، إذ تحرص كل دولة على ان تنال ما تعتقده حصتها الكاملة من مياه النهر، حتى ولو كان ذلك على حساب الدول الاخرى, بل وربما تلجأ بعض دول المنبع الى الادعاء بانخفاض منسوب مياه النهر وإلى حاجتها إلى زيادة حصتها لسد احتياجات التنمية لديها، بينما يظل هدفها الرئيس (غير المعلن) استخدام مياه النهر كعنصر ضغط في سبيل تحقيق اهداف ومآرب سياسية انانية!
في تحديد حقوق وواجبات الدول المشاطئة للنهر الدولي تجاه بعضها البعض يسود الفقه الدولي اتجاهات ثلاثة, هناك أولا الاتجاه المؤيد للسيادة الإقيلمية المطلقة، ومؤدى ذلك حق كل دولة في ان تمارس على ذلك الجزء من النهر الذي يمر في اقليمها سيادة مطلقة، وبالتالي، فإن لها الحق الكامل في تنفيذ ما تراه من مشاريع للانتفاع بمياه النهر التي تخصها دون الاهتمام بمصالح الدول المشاطئة الاخرى, وهذا الاتجاه لا يجد قبولا في العمل الدولي حاليا, الاتجاه الثاني يتبنى مفهوم السيادة المقيدة، حيث ينادي مناصروه بعدم جواز تدخل الدولة في ذلك الجزء من النهر الذي يجري في اقليمها، سواء لجهة تحويل مجراه او انقاص كمية تدفقه بوسيلة او بأخرى، فهي لها الانتفاع بمياه النهر في الجزء الذي يجري في اراضيها دون الاضرار بحقوق الدول الاخرى, ثالثا: اتجاه الملكية المشتركة، ويقوم على اساس ان كامل النهر من المنبع الى المصب يخضع للملكية المشتركة للدول المشاطئة، فلا تنفرد احداها بالانتفاع بمياه النهر دون موافقة الدول الاخرى.
على اية حال، فالعمل الدولي مستقر حاليا على عدة مبادئ قانونية تنظم كيفية الانتفاع من النهر الدولي، حيث يتاح - بمقتضى هذه المبادئ - لجميع الدول المعنية الانتفاع بمياهه، على ان يُراعى الاحترام الكامل للحقوق التي تقرها الاتفاقيات الدولية والحقوق التاريخية للدول واحترام الدول مصالح بعضها البعض، مع ايقاع المسؤولية الدولية على عاتق الدولة المخلة بهذه المبادئ.
مع ذلك تلجأ بعض الدول الى تقديم المصالح السياسية على حساب الاعتبارات القانونية, فهذه تركيا، على سبيل المثال، تعتبر طرفا في اتفاقيات عدة معنية بتنظيم الانتفاع بمياه نهري دجلة والفرات، كمعاهدة لوزان (1920) المبرمة مع فرنسا وبريطانيا، دولتي الانتداب على سوريا والعراق آنذاك ومعاهدة لوزان الاخرى المبرمة سنة 1923 بين تركيا والحلفاء، ومعاهدات 1926 و1930 مع فرنسا (ممثلة عن سوريا) ومعاهدة الصداقة مع العراق (1946) وعدد آخر من الاتفاقيات المبرمة حديثا، اهمها اتفاقية سنة 1987 بين سوريا وتركيا، التي تعهدت الاخيرة بموجبها بتزويد سوريا بمعدل مياه سنوي يزيد على خمسمائة متر مكعب في الثانية, رغم ذلك فكثيرا ما اخلت تركيا بالتزاماتها التعاقدية، لتتبنى بديلا عن ذلك ما اسمته بمشروع انابيب السلام الذي تقوم فكرته على نقل المياه من تركيا لكافة دول المنطقة، بما في ذلك (إسرائيل) فيما يبدو(!!) عبر خطي انابيب ينتهي احدهما على ساحل البحر الاحمر والآخر على ساحل الخليج العربي، وهو المشروع الذي لم يجد آذانا صاغية في العالم العربي.
(إسرائيل) على الجانب الآخر، لم تكتف بالسيطرة على المياه الجوفية في المناطق العربية المحتلة، بل انها اثارت منذ بضعة ايام ازمة مع الأردن حيث اعلنت عن عزمها على تخفيض حصة الأردن، من مياه نهري اليرموك والأردن، وهي الحصة التي اقرتها اتفاقية السلام الأردنية الاسرائيلية الموقعة في 26 أكتوبر سنة 1994 (اتفاقية وادي عربة) وذلك بحجة شح الامطار التي هطلت على المنطقة في العام 1998 (!!).
هكذا تبدو حقيقة خطورة الموقف وضرورة اعطاء الامر ما يستحق من الجدية والاهتمام من قبل الجانب العربي، فالصراع القادم - ولاشك - صراع على مصادر المياه، والتعامل معه يجب ان يتم في سياق الاهتمام بالامن القومي العربي الشامل, والاستعداد المبكر سيمكن العرب من مواجهة هذه المعضلة, إن مما يزيد الامر اهمية ان المياه عنصر اساسي في العملية الزراعية، المسؤولة بدورها عن الامن الغذائي للمواطن العربي، ويترتب على ذلك - دون شك - تحرر من السيطرة (الغذائية) للأجنبي، أوليس من يملك غذاءه يملك قراره!
*كلية الملك فهد الأمنية