ثقافة العنف في أمريكا د, علي الدين هلال |
الحادثة التي وقعت في احدى المدارس الثانوية الأمريكية من اسابيع، والتي قام فيها طالبان باطلاق الرصاص وتفجير المفرقعات مما ادى الى موت واصابة الكثير، هزت المجتمع الأمريكي من جذوره, فقد ثار السؤال حول قيم الجيل الجديد من الأمريكيين وما هي الأفكار التي تؤثر على سلوكهم وتوجه تصرفاتهم تجاه الآخرين؟ كما أثير السؤال حول اسباب لجوء هذين الطالبين الى العنف وعما اذا كان ذلك يمثل حالة فردية مرضية ام انها مؤشر لخلل في التربية ونظام التنشئة الاجتماعية؟
وجاءت ردود الفعل متنوعة ومتباينة، كما انها عكست الأفكار والمصالح السياسية المختلفة، فالرئيس كلينتون سارع بالحديث عن ضرورة وضع مزيد من القيود على بيع السلاح، واقترح رفع سن من له حق شراء السلاح من الثامنة عشرة الى سن الحادي والعشرين، وانه لا يجوز بيع اكثر من قطعة سلاح واحدة في الشهر الواحد، وان على المتجر الذي يقوم ببيع السلاح التحقق من هوية المشترين والتأكد من انهم ليست لهم سوابق اجرامية او جنائية, من ناحية اخرى، اعترض جناح من الحزب الجمهوري على هذه الاقتراحات بحجة انها تمثل تقييداً لحق شراء السلاح وحمله وهو الحق الذي اباحه الدستور, وبدلاً من ذلك طرحوا فكرة عقد مؤتمر لبحث قضايا الشباب الأمريكي والمشاكل التي تواجههم ودور المجتمع في حل هذه المشاكل.
والحقيقة، ان هذا الخلاف بين كلينتون ومعارضيه في الكونجرس يعكس اختلافاً اعمق بين توجه كل من الحزبين الديموقراطي والجمهوري تجاه قضية بيع السلاح وحمله في الولايات المتحدة, فأنصار الحزب الجمهوري يرون فيه حقاً دستورياً لا يمكن للكونجرس ان يصدر قانوناً بتقييده, والى جانب هذا الاعتبار القانوني فانهم يعكسون سطوة جماعات المصالح المرتبطة بتجارة الاسلحة في امريكا والتي تعتبر اقوى لوبي او جماعة مصلحة على وجه الإطلاق فلها تأثيرها على كثير من اعضاء الكونجرس من الجمهوريين وتقوم بتمويل جزء كبير من حملاتهم الانتخابية, اما الرئيس كلينتون وقطاع كبير من الحزب الديمقراطي فيرى ان نص الدستور بشأن حمل السلاح جاء في سياق محدد ارتبط بالمرحلة الاولى من تاريخ الولايات المتحدة، وهي المرحلة التي شهدت وجود ميليشيات من المواطنين بهدف الدفاع عن الذات وانه مع تطور المجتمع واستقرار اوضاعه وغياب تلك الميليشيات فان وضع ضوابط على بيع السلاح وحمله لا يعد مخالفة للدستور.
وبعيداً عن هذا الجدل السياسي، فالأمر الذي لا شك فيه ان العنف له جذور وتقاليد في ثقافة المجتمع الامريكي حتى ان بعض الصحفيين كتب ما معناه ان حمل السلاح واستخدامه هو امريكي تماماً مثل فطيرة التفاح، ويقصدون بذلك ان المجتمع الامريكي خلال نشأته وتطوره تعايش مع العنف بصور واشكال مختلفة، ونستطيع ان ندلل على ذلك بالاشارة الى اكثر من مثال وخبرة، فالمجتمع الامريكي نشأ عن طريق الهجرة، ودخل المهاجرون الأوائل في صراع حياة وموت مع الهنود الحمر، وخلال سنوات المواجهة الطويلة بين المهاجرين الجدد من ناحية والهنود الحمر من ناحية اخرى كان العنف والقتال المسلح احد الاساليب الاساسية المستخدمة ومن ثم لم يكن غريباً ان تصبح شخصية راعي البقر من الشخصيات الاسطورية في التاريخ الامريكي وعديدة هي الافلام التي سجلت تلك الحقبة من التاريخ الامريكي وصورت شخصية راعي البقر في صورة المدافع والحامي للمهاجرين ازاء هجمات الهنود الحمر ضدهم وبالطبع فان المهارة الاساسية لراعي البقر هي في استخدام السلاح والقضاء على الخصوم.
وارتبط بدور رعاة البقر توسع المهاجرين من الساحل الشرقي الى الوسط والغرب الامريكي وهو ما عرف في التاريخ الامريكي باسم الحدود الجديدة والتوسع نحو الغرب وكان الفصل الاساسي في هذا التوسع هو استخدام القوة والاستيلاء على أراضٍ جديدة والاستيطان فيها, وفي هذا السياق ارتبط حمل السلاح بمفاهيم البطولة والشجاعة والاقدام وفي هذه الظروف ايضا قنن الدستور حمل السلاح كحق دستوري.
وشهدت الولايات المتحدة في سنواتها الاولى فصلاً جديداً من استخدام العنف عندما نشبت الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب بشأن قانون تحرير العبيد والذي رفضته ولايات الجنوب بحكم ما كان يمثله العبيد من ركيزة اقتصادية واجتماعية فيها ودارت حرب ضروس استمرت لسنوات تأكدت فيها قيمة العنف واستخدام السلاح كأساس لبناء الدولة وبعدها نشبت الحرب الامريكية المكسيكية التي استولت فيها الدولة الجديدة على اجزاء من اراضي المكسيك وضمتها اليها.
والى جانب تلك الجذور التاريخية المرتبطة بنشأة الدولة الامريكية والمرتبطة بالعنف، فان الممارسات الاجتماعية والخاصة بشراء الامريكيين للسلاح واحتفاظهم به في منازلهم جعل من حمل السلاح خصوصاً في مناطق الغرب المتوسط والجنوب، امراً عادياً وطبيعياً, دعم ذلك طبيعة الفلسفة العامة التي تسود المجتمع الامريكي والتي تتسم بغلبة النزاعات الفردية وان الفرد هو محور المجتمع، وفي هذا الاطار شهدت الولايات المتحدة ظهور العشرات من الحركات المتطرفة التي حملت السلاح والتي استخدمته لتحقيق اهدافها لعل ابرزها عصابات الكوكلوكس كلان التي قامت بممارسات مقيتة ضد السود ومنها حركات نازية وعنصرية مختلفة.
ومن حوالي عامين خصصت مجلة التايم الاسبوعية الامريكية عدداً خاصاً لتلك الحركات التي تتبنى افكاراً متطرفة او شاذة وأوردت اسماء العشرات منها وان كان الكثير منها لا يدخل في مواجهة مع المجتمع وانما يكتفي بالانعزال عنه والانكفاء على داخل الجماعة في منطقة معزولة او نائية.
في هذا الإطار التاريخي والفكري يمكن فهم حادثة العنف الاخيرة، والتي فجرت قضايا كثيرة بشأن العنف وممارسته في المجتمع الامريكي فقد اثيرت مثلاً مسؤولية الآباء عن سلوك ابنائهم وخصوصاً عندما يكونون على معرفة بما يدبر له الأبناء، وهو ما تشير اليه الأنباء بشأن الحادثة الأخيرة من عدم تعاون اسرة احد الطالبين مع سلطات التحقيق وطلبها الحصانة القضائية قبل ادلائها بأية معلومات امام المحققين, واثيرت ايضا مسؤولية رجال البوليس فقد اشارت بعض التقارير الصحفية ان البوليس المحلي في المدينة كان على علم بما يقوم به هذان الطالبان ولكنه لم يأخذهما مأخذ الجد، كما اثيرت مسألة الرفض الاجتماعي من الأقران حيث تشير المعلومات ان هذين الطالبين كانا من اكثر طلاب المدرسة نبوغاً وتفوقاً ولكنهما كانا يشعران بالرفض الاجتماعي من جانب اقرانهم الذين كانوا اكثر اعجاباً بالمتوفقين في مجال الرياضة او الموسيقى او الرقص ولم يقدروا نبوغهم العلمي تقديراً مماثلاً.
والحقيقة ان شباب اليوم في الدول الصناعية المتقدمة يواجهون الآثار المترتبة على التغير الاجتماعي الذي حدث بهذه البلاد في نصف القرن الاخير مثل: تفاقم النزعة الفردية، واعتبار الفرد ركيزة المجتمع، وتصاعد التيارات المادية الاستهلاكية، وظروف التفكك الاسري السائدة, وهو ما ادى الى صور مختلفة من الاغتراب الاجتماعي، وغياب المعنى في الحياة الاجتماعية، وانتشار انماط غريبة او متطرفة او شاذة بينهم.
|
|
|