الرياض - مفرح الحقوي
شدد الشيخ الدكتور إبراهيم الخضيري القاضي بالمحكمة الكبرى على اهمية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وقال ان القيام به كفيل بحماية الامة ومعين لعزتها واشار إلى ضرورة التزام الشباب بالضوابط الشرعية للامر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن اي تصرف لا يراعي هذه الجوانب قد يترتب عليه مفسدة كبيرة,, وتناول د, الخضيري في حديثه لالرسالة عددا من المواقف التي تعرض لها خلال مسيرته القضائية وقال ان القاضي يحمل في قلبه هماً كبيرا للقضايا التي ترد إليه ويحرص على انهائها بالصلح إذ تجاوب المتخاصمان,, وأبان الحالة العصيبة التي يمر بها القاضي وهو يتلو حكما امام اقارب المجني عليه او العكس واستشهد بحالة احد الآباء وهو يتألم ويبكي عندما سمع كيفية مقتل ابنه وتمنى د, الخضيري من الله ان يعم الامن والرخاء بهذه البلاد وان يوفقه وزملاءه في عملهم القضائي,, وقد تناول امورا أخرى في حديثه لالرسالة وفيما يلي نص الحوار:
** في بداية الحديث لعلك تعود إلى الوراء قليلا لتذكر لنا بعضا من جوانب حياتك؟
- الحديث عن الماضي يجر الانسان لاستعادة الكثير من الذكريات ولعلي اتحدث عن الجوانب في حياتي اولها مولدي حيث كان في مستهل عهد الملك سعود رحمه الله تعالى ثم تتابع الامن والرخاء ولا أعي من الاحداث شيئا عدا ما كان من حادث حرب الوديعة وتربيت في كنف والدي رحمه الله الذي وجهني التوجيه السليم رحمه الله رحمة واسعة وكان يصر على ان اطلب العلم فوجهني التوجيه الذي جعلني ادخل حياة جديدة تتلمذت فيها على يد بعض العلماء الكبار امثال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله والشيخ عبدالله بن حميد رحمه الله وتعلمت من هذين الشيخين الفاضلين الكثير واستفدت من علمهما فهما عالمان كبيران وكانت دروسهما مفيدة ومثمرة نفع الله به كثيرا من الناس رحمهما الله رحمة واسعة.
** ننتقل من هذه الوقفات في حياتك إلى الجانب العملي بعد التحاقك بالقضاء وكيف كانت اول مواجهة لك مع المتخاصمين؟
- كانت بدايتي في القضاء كملازم قضائي لمدة ثلاث سنوات وبتوفيق من الله ان القضايا التي صاحبت بداياتي كانت انهائية ولم يكن فيها خصوم ولكن لعل من القضايا التي واجهتني كملازم قاضي قضية قتل فوجئت بها وكلفني القاضي آنذاك بأن أقرأ اعتراف القاتل وكان والد المقتول يستمع إلي من اجل ان يحرر دعواه بعد ان يعرف كيف قتل ابنه فتكون الدعوى على ضوء ذلك فكان يستمع لي وهو يبكي فلم استطع ان اواصل القراءة وتأثرت جدا من ذلك الموقف الرهيب الذي مر عليّ ومازال في ذاكرتي حتى الآن.
** قضايا القصاص والحكم فيها كيف ينقلها القاضي للمحكوم عليه؟
- القاضي عبد مؤمن مثل غيره من المؤمنين يود الخير والفلاح للمؤمنين وإذا حكم على رجل استحق القتل لجرمه وهو من المسلمين فإن القاضي حينئذ يحمد الله عز وجل ان جعل الشرع الاسلامي مظلة أمن تقي كل الناس الشرور والآثام والفتن ويحمد الله سبحانه وتعالى ان اقامة حد من حدوده خير من ان تمطر السماء اربعين يوما ويحمده على ان هذه الدولة وفقها الله جعلت للقضاء الشرعي منافذه واصوله وجعله سياجا امنيا في مناهجها ولابد ان ينتاب القاضي حزن شديد إذا رأى مسلما اقترف جرما يوجب القتل ولكن هذا الحزن لا يمنعه من تنفيذ حكم الله عز وجل لانه لا دخل للعواطف فيه وهذا الشعور يجعل القاضي يوصي ذلك المحكوم عليه دون ان يخبره بحكم القتل عليه لانه لا يخبر بذلك إلا وقت التنفيذ,, والقاضي يناصح كل المجرمين دائما ويؤكد عليهم بضرورة التوبة والاكثار من الدعاء والصلاة ويدلهم على طريق التوبة وغالبا ما يستجيبون خلال فترة السجن لانه لا شفاعة ولا توبة ترد الحد لقصة ماعز رضي الله عنه والادلة الفقهية المعروفة.
** إذن من مهام القاضي الدعوية استصلاح من حوله من اصحاب القضايا؟
- هذا لا جدال فيه فهو يبذل الجهد في استصلاح من حوله حتى لا يعود المرضى سواء كانت القضايا مالية او جنائية او عامة او خاصة من مبدأ الرحمة من غير افراط بحقوق الله عز وجل,, والشفقة من غير ذلة ولا هوان ويتعامل معهم بروح الحب والاحترام والتقدير ويبذل غاية الجهد في مناصحتهم لعودتهم للتوبة.
** وهل تجد دعوتهم تجاوبا؟
- يختلف الناس فمنهم من يستجيب للنصيحة ومنهم من لا يعيرها اهتماما وكم من نصيحة ولكن كان لها اثر على بعض هؤلاء فعادوا إلى الصواب وهداهم الله، ولكن هناك صنف غير متجاوب وهم الذين يتعاطون المخدرات فهؤلاء هناك صعوبة في استصلاحهم الا ما شاء الله وأغلبهم تدعوه للتوبة ولا يستجيب لانه ران على قلبه وهذا الامر خطير ولكن لابد من بذل الجهد والهداية بيد الله سبحانه وتعالى.
** ما هي اطول قضية بقيت لديك؟
- أطول قضية بقيت عندي ثلاث سنوات وسبب ذلك مماطلة الخصوم ويكون من الضروري اخذ بعض اقوالهم او يكون هذا لمصلحة تقتضي بقاءها للصلح ولعلي اذكر قصة لرجل وزوجته كانت الزوجة تطلب الطلاق فأخرتها رغبة في ان يصطلحا والحمد لله انهما اصطلحا وجاء كل منهما يدعولي ويقدم شكره وقد اوصيت الزوج بالاهتمام بالزوجة واعطائها حقوقها,, ويكون هناك تشاور بين القضاة في القضايا التي تأخذ وقتا طويلا وكذا معظم القضايا يكون تشاور بين القضاة فيها ويستشيرون بعضهم ببعض حتى يكون الرأي المتخذ في هذه القضايا قد حظي بأكبر عدد من الآراء التي هي تعتبر مهمة لحسم القضية.
** وما هي أغرب قضية مرت عليك؟
- اغرب قضية كانت لرجل بلغ من الكبر عتيا جاء يشتكي من زوجته بأنها تمنعه اعطاءه حاجته وتهربها منه وهي تشتكي من حدة جماعه فأمرت من ينفق عليه بأن يقوم بتزويجه زوجة اخرى وانتهت المشكلة بينهما بعد ان تم زواج الرجل الكبير في السن ومثل هذه القضية حصلت في عهد ابن الزبير الذي حكم بين الرجل والمرأة بعدد معين من الجماع لشكوى المرأة وايضا لشكوى الرجل.
** وما هي اطرف القضايا التي مرت عليك؟
- من القضايا الطريفة التي مرت بي انه مربي رجل للتقاضي فزعم انه اعزب وانا أعرف انه متزوج وبعد كذا سنة جاء الرجل إلى المحكمة وقابلني في الطريق ولم يكن يعرفني واخذ يشتمني وسأل عن مكتبي فقلت هذا مكتبه فلما جاء ودخل عليّ ورآني سقط مغشيا عليه فلما جاء في الجلسة الاخرى قلت له ما قلته عليّ سامحتك عليه اما كذبك بأنك لم تتزوج فهذا لابد ان تعترف به,, فاعترف بالزواج وكفانا الله شر هذه القضية,, وقضية اخرى رجل آسيوي دخلي عليّ في المكتب وكان معه سكين صغير وكان صاحبه حولنا فقام بطعنه وقال لا أريدك اريد صاحبي وجاء رجال الامن فقبضوا عليه والطرافة هنا انه لم يكن بيني وبينه عداوة وهو ظن انني خفته.
** وبالنسبة للقضايا التي يكون فيها مسلمون ما الدور الذي كنت تقوم به؟
- القاضي لابد ان يطبق العدل سواء كان امامه مسلم او كافر الذي يثبت له الحق يعطى ويحكم له به وقد كنت بعد انتهاء القضايا التي يكون بعض الخصوم فيها من غير المسلمين اقوم بدعوتهم للاسلام والحمد لله حالفني توفيق الله في اسلام بعضهم فإذا صدقوا في اسلامهم فإن الله يعطي الداعي الى ذلك أجرا عظيما وأسأل الله ان أكون قد نلت ذلك من خلال هؤلاء وان يثبتهم على اسلامهم إنه ولي ذلك والقادر عليه.
** نخرج بك من اطار الحديث القضائي ونعرج بك الى قضية مهمة وهي قضية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر اهميتها ومكانتها في الاسلام؟
- قضية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من القضايا المهمة في حياة الامة المسلمة,, وهي ما تعرف بالحسبة وقد عرفها العلماء بأنها امر بمعروف إذا ظهر تركه ونهي عن منكر إذا ظهر فعله.
والمعروف كله خير دعت اليه الشريعة الاسلامية والمنكر هو الشر وكل شيء حذرت منه الشريعة وعلى رأس المعروف الايمان بالله عز وجل وعلى رأس المنكر الكفر بالله ولهذا يقول الله تعالى: (إن الشرك لظلم عظيم) ويقول تعالى: (كنتم خير أمة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) وقال صلى عليه وسلم: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر او ليخالفن الله بين قلوبكم فالامر بالمعروف والنهى عن المنكر عند بعض اهل العلم ركن سادس من اركان الاسلام وهو في حقيقته لون من ألوان الجهاد وهو لون عظيم من ألوان العبادة وتأتي اهميته في حياة المسلم بمثل ما تأتي أهمية النفس في الانسان لكي يحيا بها وهو قوام الحياة والامن ولذلك ينبغي ان يسمى الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر برجال أمن لانه إذا كان رجل الامن مهمته المحافظة على امن بيوتنا وطرقاتنا وأرواحنا فإن مهمة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر الحفاظ على قلوبنا من لصوص القلوب.
** وما هي النصيحة التي توجهها للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر؟
- من المسلّم به لدى علماء الشريعة الإسلامية ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضته من نصوص الشريعة فلا اعراف دولية ولا انظمة تشريعية يمكنها ان تكون مكانه ولا تترك لزيد او عبيد بل نظمته الشريعة الاسلامية الغراء منطلقة من قوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) وقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) وقوله صلى الله عليه وسلم في توضيح مراتب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فليغيره بلسانه فإن لم يستطع فليغيره بقلبه وفي رواية ليس وراء ذلك من ايمان حبة خردل وفي رواية وذلك اضعف الايمان ورجال الهيئة يجب ان يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر وفق الضوابط الشرعية وكان شيخ الاسلام يقول لا يجب ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا إذا كان يترتب على حصوله ضرر اخطر منه.
** واهمال الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ماذا يترتب عليه؟
- نجاح الامة الاسلامية وفلاحها لا يكون إلا إذا اقامت الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وما اصاب المسلمين من ضعف ونقص في الثروات والامن إلا بسبب اهمالهم لهذا الامر,, ومن هذا المنطلق نجد ان اهمية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر للدولة وللمواطن وللمقيم وللمسلم وحتى لغير المسلم مثل اهمية النفس للحياة,, وهو عزة للمسلمين والآيات العظيمة في كتاب الله التي ذكرتها في اجابة سابقة تبين اهمية هذا الامر بل هذا الركن العظيم الذي كما اسلفت جعله بعض السلف الركن السادس من اركان الاسلام والذي بوجوده تحيا الامم وتستقر كما اوضحت النصوص الصريحة من الكتاب والسنة والتي يحتاج المسلم إلى الوقوف معها لكن مع هذا كله فإن الانكار كما ذكرت في اجابة سابقة له ضوابط واضحة فعلي الجميع التقيد بما فيها والعمل بمقتضاها حتى لا تحدث امور نهى عنها الشارع.
|