Friday 7th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 21 محرم


الفاكهة في الشعر العربي

** كلمة فاكهة هي مؤنث فاكه، وهي كل ما يتفكه به أي يتنعم بأكله رطبا كان أم يابسا, ويطلق لفظ فاكهة على ما يؤكل من أجل التلذذ لا من أجل الحاجة.
وأشجار الفاكهة من الأشجار المعمرة التي يزرعها الانسان للاستفادة من ثمارها ومنظرها الجميل, ولا تنتج أشجار الفاكهة ثمارا إلا بعد فترة تطول أو تقصر حسب نوع النبات والظروف المناخية ونوع التربة وغيرها من العوامل.
وتحتاج نباتات الفاكهة الى رعاية خاصة، نظرا لطبيعة نموها وارتفاع نسبة الماء في ثمارها مما يجعلها قابلة للعطب, ولذا يلجأ المزارعون والمصدرون الى حفظها بواسطة التجفيف أو التحلية بالعسل أو التعقيم بالتشعيع الجامي أو التقليب أو التجميد.
ويمكن تقسيم أنواع الفاكهة حسب البيئة الجغرافية التي تنمو فيها الى: فاكهة المناطق المعتدلة وفاكهة المناطق المعتدلة الدافئة وفاكهة المناطق الاستوائية وتحت الاستوائية.
ففاكهة المناطق المعتدلة هي التي تنمو وتثمر في المناطق الباردةوالمعتدلة وهي عادة تدخل في طور كمون راحة خلال فصل الشتاء حيث تفقد فيه أوراقها ثم تنشط بعد ذلك في الربيع لتزهر وتورق، ومن أمثلة هذه الفواكه: التفاح والكمثرى والسفرجل,, الخ.
أما فاكهة المناطق المعتدلة الدافئة فهي فاكهة حوض البحر المتوسط وما شابهها حيث يكون الجو حارا صيفا ومعتدلا شتاء ومن فاكهة تلك المناطق البرقوق والمشمش واللوز والعنب والتين والرمان.
أما فاكهة المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية فهي تلك التي تنمو في المناطق عالية الحرارة، ومن أمثلة هذه الأنواع نخيل البلح والمانجو والحمضيات والأناناس والموز.
أما عن القيمة الغذائية للفاكهة فحدث ولا حرج، فهي تمد الجسم بما يحتاجه من فيتامينات وأملاح معدنية مثل الحديد والكالسيوم والفوسفور، وكما ان الفاكهة غنية بالمواد السكرية فهي غذاء مثالي لسرعة هضمها وانعاشها، ومقاومتها للسموم، وهي في نفس الوقت علاج لكثير من الأمراض والعلل، وعلى العموم يمكن القول ان الفاكهة غذاء ودواء.
وليسمح لي القارىء بأن يكون هذا مدخلي الى الموضوع الذي أريد ان أتحدث عنه وهو الفاكهة في الشعر العربي,, وسأختار عشرة من أشهر أنواع الفاكهة وألقي الضوء على مكانتهم عند شعراء العرب.
الأترج: ينتمي الأترج الى الحمضيات وله أسماء كثيرة فهو يسمى أترج وترنج وكباد ومتك كما يسمى تفاح العجم وتفاح ماهي وليمون اليهود .
وعُرف الأترج منذ القدم، وهو معروف في مصر منذ غزوات تحتمس الثالث، وعرفه العرب منذ القدم، وتغنوا به في شتى العصور ومنهم ابن الرومي الذي قال في معرض الحديث عن أحد ممدوحيه:
كل الخلال التي فيكم محاسنكم
تشابهت منكم الأخلاق والخلق
كأنكم شجر الأترج طاب معا
حملا، ونورا، وطاب العود والورق
البطيخ: البطيخ هو أحد أشهر النباتات التي تنتمي الى الفصيلة القرعية والتي تتميز بامتداد سيقانها على الأرض, وللبطيخ أسماء كثيرة في الوطن العربي، فهو يسمى في الشام,, بطيخ أخضر وفي السعودية حبحب وحج وفي ليبيا دلاع وفي المغرب تاج ودلاع وفي العراق شمزى ولكن أغلب الدول العربية يعرفونه باسمه الشهير بطيخ .
والشعراء العرب لم يفتهم الحديث عن البطيخ، فذكروه في شعرهم، وهذا ما قاله الشاعر محمد شرف القيرواني في البطيخ:
ما أطفأت جمر الرقيد
لمشتك وقدا ووهجا
كإداوة أكرية
مملوءة ماء وثلجا
رتقاء لم يسلك بها
غرز الأشافى قط نهجا
تزهو بلؤنى خضرة
هذا انتهى وأخوه لجا
كزمرد وزبرجد
رصعن للكافور درجا
أو وجه ذي حجل تبر
قع بالمصبغ أو تسجى
الشمام: هو الشقيق غير التوأم للبطيخ حتى ان بعض الشعوب يسمونه البطيخ الأصفر وكان الشمام معروفا لدى الرومان والمصريين القدماء, ووصلت زراعته في اوروبا القرن السابع عشر، ويزرع الآن أنواع كثيرة منه في معظم بلدان العالم وفي الشمام قال أحد الشعراء القدامى
ثلاث هن في البطيخ زين
وفي الانسان منقصة وذلة
خشونه جسمه، والثقل فيه
وصفره لونه من غير علة
إذا شققته يوما تراه
بدورا أشرقت منها أهله
التفاح: هو أحد النباتات التي تنتمي الى الفصيلة الوردية, ويعتبر التفاح من أهم فواكه المناطق المعتدلة الباردة، وتنمو أشجار التفاح في صورة غابات برية على سفوح جبال الهيمالايا الشمالية الغربية على ارتفاع 3000متر فوق سطح البحر.
والتفاح من أقدم أنواع الفاكهة التي عرفها الانسان، ويقال ان رمسيس الثاني فرعون مصر زرع أشجار التفاح في حديقته، وزرع التفاح في أوروبا وأمريكا منذ ألفي سنة، وكثرت أنواعه حتى بلغت اليوم أكثر من 6 آلاف صنف, وتغنى الشعراء بالتفاح، ومما قيل فيه:
قال جالينوس في حكمته
لك في التفاح فكر وعجب
هو روح النفس من جوهرها
وبها شوق إليه وطرب
ومزاج القلب ينفى همه
ويجلى الحزن عنه والكرب
التين: من الناحية التصنيفية ينتمي التين الى الفصيلة التوتية, وعرف التين منذ القدم، وقد ورد ذكره في التوارة والانجيل والقرآن الكريم، واستعمله الفراعنة علاجا للمعدة، وعموما زرع التين منذ أكثر من اربعة آلاف سنة في المناطق الحارة من آسيا وافريقيا وورد ذكر التين في كثير من شعر العرب، وقال فيه ابن المعتز:
قم قد بدا ضوء الصباح المسفر
كيما نلذ بلون كل مبكر
وانعم بتين طاب طعما واكتسى
حسنا وقارب منظرا من مخبر
من برد بلح، في قباء التين، في
ريح العبير وطيب طعم السكر
يحكى اذا ما صف في أطباقه
حينما ضربن من الحرير الأصفر
وقال فيه أسامة بن منقذ
أما ترى التين في الغصون بدا
ممزق الجلد مائل العنق
كأنه رب نعمة سلبت
اصبح بعد الجديد في خلق
أو كأخى شرة أغيظ وقد
مزق جلبابه من الحنق
مثل نهود الأبقار صورته
لو لم يناد عليه في الطرق
قد عقدته يد السموم لنا
فالوذج الدوح غير محترق
فالشهد والزعفراان مع عرق
الورد وحب الخشخاش في نسق
فقم بنا سحرة نباكره
قبل جفاف الندى عن الورق
ولا تمل بي الى سواه فلا
اميل عنه ما دمت ذا رمق
الرمان: الرمان شجر مثمر من الفصيلة الآسية، وثمرته الرمانة ,, والثمرة مستديرة صلبة القشرة في داخلها جيوب ذات بذور كثيرة, والرمان فاكهة قديمة جدا، فقد كان معروفا في مصر القديمة منذ 1500 سنة قبل الميلاد، وزرع في حدائق بابل المعلقة، كما ذكر في القرآن الكريم ثلاث مرات في سياق تذكير رب العزة والجلال لعباده بنعمه عليهم في الدنيا، وفي تبشيره سبحانه لعباده المخلصين ببعض ما أعده لهم في الجنة.
وتبارى شعراء العرب في وصف الرمان، فهذا أبو الهلال العسكري يقول
حكى الرمان أول ما تبدى
حقاق زبرجد يحشون درا
فجاء الصيف يحشوه عقيقا
وتكسوه مرور القيط تبرا
ويحكى في الغصون ثدي حور
شققن غلائلا عنهن خضرا
وأبدع آخر وصف رمانة مشقوقة يتساقط حبها، فقال
كتمت هوى قد لج في أشجانها
وحشت حشاها من لظى نيرانها
فتشققت من حبها عن حبها
وجدا، وقد أبدت خفا كتمانها
رمانة ترمي بها أيدي النوى
من بعد ما رمت على أغصانها
فاعجب، وقد بكت الدموع عقائقا
لا من مآقيها، ولا أجفانها
وتغنى الشعراء بزهر الرمان لجماله وروعته، ومنهم ابن وكيع القائل
وجُلنسار تبهى
ضرامه يتوقد
بدا لنا في غصون
خضر من الري ميَّد
يحكي فصوص عقيق
في قبة من زبرجد
السفرجل: شجر مثمر من الفصيلة الوردية, وزرع البشر السفرجل منذ القدم وكان الرومان يقدرونه تقديرا كبيرا وكذلك الأغريق والفراعنة وعرف العرب السفرجل منذ القدم وتحدثت عنه الكتابات القديمة وتبارى الشعراء في وصف السفرجل والاشادة به وبخصاله ومما قيل:
لك في السفرجل منظر تحظى به
وتفوز منه بشمه ومذاقه
هو كالحبيب سعدت منه بحسنه
متأملا وبلثمه وعناقه
يحكي لك الذهب المصفى لونه
وتزيد بهجته على اشراقه
فالشطر من أعلاه يحكي شكله
ثدى الكعاب الى مدار نطاقه
والشطر أسفله يحاكى سرة
من شادن يزهو على عشامه
العنب: لا يوجد على الأرض من البشر من لا يعرف العنب، فهو أحد أشهر أنواع الفاكهة، وورد ذكر العنب في القرآن الكريم احدى عشرة مرة في جملة النعم التي أنعم الله سبحانه وتعالى على عباده في الدنيا والجنة:
وقال العرب الشيء الكثير من العنب في اللغة والنثر والشعر، ومما قاله الخليفة العباسي ابن المعتز في حبة عنب:
وحبة من عنب
من المنى متخذة
كأنها لؤلؤة
في بطنها زمردة
ووصف ابن الرومي العنب فقال
كأن الرازقي وقد تباهى
وتاهت بالعناقيد الكروم
قوارير بماء الورد ملأى
تشف ولؤلؤ فيها يقوم
وتحسبه من العسل المصفى
اذا اختلفت عليك به الطعوم
فكل مجمع منه ثريا
وكل مفرق منه نجوم
وقال الشاعر الأندلسي ابن زيدون في العنب
جاء يزهو بمشتف رقيق
خدع العين رقة وصفاء
تنقذ العين منه في ظرف نور
ملأته أيدي الشموس ضياء
أكسبته الأنسام برد هواء
فهو جسم قد صيغ نارا وماء
منظر يبهج القلوب وطعم
يسكر النفس شهده استمراء
ملطف يبرد المزاج اذجا
ش بحرِّ ويقمع الصفراء
ومعين لواصل الصوم يسري
برده في الحشى ويروي الظماء
الكمثرى: الكمثرى هي أحد النباتات التي تنتمي الى الفصيلة الوردية، وللكمثرى أصناف كثيرة يقارب عددها 60 مختلفة الطعم والحجم واللون, وعرف الكمثرى منذ عصور قديمة، فقد كانت معروفة جدا في أيام الرومان، وعرفتها أوروبا منذ عصور سحيقة.
وعرف العرب الكمثرى وتحدث عنها علماؤهم وأطباؤهم وشعراؤهم ومما قاله الشاعر ظافر الحداد الاسكندري في الكمثرى:
لله وافد كمثرى ذكرت به
ما كنت أعهد في أيامي الأول
لم أدنه من فمي إلا وأحسبه
من النهود لذيذ العض والقبل
فذقت من طعمه ما كاد يبلغ بي
ماذقت من رشف محبوب على عجل
أكرم بزورته لو أنها اتصلت
أو أنه كان فيها غير منفصل
لو كنت أملك حكم الأرض ما حملت
نبتا سواه على سهل ولا جبل
المشمش: المشمش هو عاشر نبات سأتحدث عنه اليوم، والمشمش نبات قديم، فقد كان معروفا في الصين قبل ميلاد المسيح بألفي سنة وكان ينبت بريا على جبال بكين، ودخلت زراعة المشمش أوروبا منذ الفي سنة تقريبا، والغريب ان المشمش لم يستقبل فيها بالارتياح، إنما نظر اليه الأوروبيون نظرة خوف وحذر وأطلقوا عليه اسم الفاكهة الملعونة , وفي فرنسا استمرت هذه النظرة الى المشمش حتى القرن السابع عشر الميلادي.
أما العرب فقد عرفوا المشمش وقدروه واحتفوا بشجره وزهره وثمره وتغنى به شعراؤهم، ومما قاله الشاعر ابن الرومي في وصفه:
قشر من الذهب المصفى حشوه
شهد لذيذ، طعمه للجاني
ظلنا لديه تدير في كاساتنا
خمرا تشعشع كالعقيق القاني
وكأنما الأفلاك من طرب بنا
نثرت كواكبها على الأغصان
وقال الخليفة الشاعر ابن المعتز
ومشمش بانه منه أعجب العجب
يدعو النفوس الى اللذات والطرب
كأنه في غصون الدوح حين بدا
بنادق خرطت من خالص الذهب
وقال الشاعر ابن رشيق
كأنما المشمش لما بدت
أشجاره وهو بها يلتهب
خضر قباب الملك حفت بها
جلاجل مصقولة من ذهب
وبعد فكانت تلك جولة سريعة حول عشرة من أصناف الفاكهة مشهورة عرفها العرب وتحدثوا عنها شعرا،حاولت فيها الربط بين المعلومات النباتية والتاريخية والشعر العربي، أرجو أن أكون قد وفقت.
د, عبدالمنعم فهيم الهادي

* المراجع:
1- عالم النبات في طب وأمثال الأجداد, د, عبدالمنعم فهيم الهادي د, دينا بركة, دار الفكر العربي, القاهرة الطبعة الأولى 1996م.
2- عالم النبات في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم, د, عبدالمنعم فهيم الهادي, د, دينا بركة, دار الفكر العربي, القاهرة, الطبعة الأولى 1997م.
3- عالم النبات في القرآن الكريم, د, عبدالمنعم فهيم الهادي, د, دينا بركة, دار الفكر العربي- القاهرة, الطبعة الأولى 1998م.
4- التداوي بالأعشاب والنباتات قديما وحديثا, أحمد شمس الدين, دار الكتب العالمية, بيروت, الطبعة الثانية 1991م.
رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
المتابعة
أفاق اسلامية
لقاء
عزيزتي
المزهرية
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved