Saturday 15th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,السبت 30 محرم


المسلمون في يوغوسلافيا
كوسوفا بين التاريخ والآلام

تعود علاقة الصرب ببلاد المسلمين الى عهد السلطان أورخان ثاني سلاطين الدولة العثمانية الذي أرسل اليه ملك الروم بالقسطنطينية سنة 1355م وفدا يطلب المساعدة ضد دوشان ملك الصرب الذي استولى على بلغاريا وزحف بقواته على القسطنطينية، وعرض ملك الروم على السلطان أورخان في مقابل مساعدته ان يزوجه ابنته، ولكن دوشان عاجلته المنية في 20 ديسمبر سنة1355 م ،وتشتتت مملكته بعد وفاته حتى أجهز عليها العثمانيون سنة 1389 في واقعة قوص أوه كوسوفا في عهد السلطان مراد الأول.
فقد فتح مراد العديد من البلدان في بداية حكمه صارت بعدها ممتلكات العثمانيين متاخمة لامارات الصرب والبلغار والبانيا، ولذلك فقد استعان ملك الصرب أوروك الخامس بأمراء البوسنة وبعض المجر وغيرهم لمهاجمة عاصمة العثمانيين حينئذ أدرنة ففاجأهم العثمانيون على شاطىء نهر مارتيزا وشتتوا شملهم في سنة 866ه/ 1363م.
وبعدسنة 1379م اضطر ملك الصرب لازار جربلينانوفتش وحليفه ملك البلغار سيسمان الى ابرام الصلح مع مراد على ان يزوجه الثاني ابنته بينما وافق الملكان على دفع الخراج السنوي للسلطان مراد العثماني، وعندما تأخر الاثنان في دفع الخراج هاجمهم السلطان مراد، واستولى على عاصمة البلغار صوفيا بعد حصار دام ثلاث سنين 1381-1383م وعدة مدن كان منها مدينة سالونيك الشهيرة من بلاد مقدونيا .
وفي سنة 1388ه استطاعت الجيوش العثمانية الانفراد بجيوش البلغار التي يقودها سيسمان قبل اتحادها بالصرب وهزموهم واستولى على نصف بلادهم وتسامح مراد مع سيسمان فولاه حكم النصف الآخر، أما لازار ملك الصرب فقد حاول الاتحاد مع أمراء ألبانيا الأرنؤد إلا ان مراد لم يمكنه من ذلك ولحقه في سهل قوص أوه كوسوفا سنة 1389م، ودارت معركة رهيبة بين الجانبين فر خلالها صهر لازار ملتحقا بجيش المسلمين فدارت الدائرة على الصرب، وتم أسر لازار حيث قتل وفقدت بلاد الصرب استقلالها حيث وقعت تحت الحكم العثماني الاسلامي.
بعد معركة قوص أوه كوسوفا ، تفقد السلطان مراد قتلى المعركة فقام جندي صربي من بين الجرحى اسمه ميلوك كوبلوفتش فطعن السلطان طعنة أودت بحياته، وتولى السلطان بايزيد ابنه فلم يشأ أن يحكم بلاد الصرب مباشرة، ولكنه ترك حكمها لابن لازاراسطفن ، وتزوج من أخته أوليفيرا على ان يدفع اسطفن الخراج، ويقدم عددا محددا من الجنود وقت الحرب، وبالفعل قدم اسطفن عددا كبيرا قادهم بنفسه في صفوف العثمانيين عند تحالف الأوروبيين عليهم بقيادة البابا والفرنسيين، وتمكن العثمانيون من هزيمة الأوروبيين وأسر اعداد كبيرة من اشرافهم، كما شارك الصرب مع العثمانيين في واقعة أنقرة ضد المغول التي هزم فيها العثمانيون ونتج عن ذلك انسلاخ الصرب والبلغار والفلاخ عنهم، وأعادها السلطان مراد التالي في حوالي سنة 1429م، وحتى فتح القسطنطينية سنة 1453م على يد محمد الثاني الفاتح ظلت منطقة بلاد البوشناق البوسنة والهرسك مستقلة على الرغم من وقوع بلاد الصرب تحت السيادة العثمانية عدة مرات الى ان تم فتحها نهائيا سنة 1460م- كما أشرنا.
أما وقوع بلاد البوسنة البوشناق تحت الحكم العثماني فقد حدث ذلك في حوالي سنة 1462م، عندما حاربها السلطان محمد الفاتح بعد ان امتنع اميرها عن دفع الجزية حيث هزمه وأسره، ودانت له جميع بلدان وأهالي البوسنة حينئذ، واصبحت تلك البلاد ولاية عثمانية، وانخرط أكثر من ثلاثين ألفا من رجالها في جيش الانكشارية العثماني، كما أعلن أغلب اشرافها الاسلام، وظلت الدولة العثمانية في صراع مع الدول الأوروبية في محاولات مستميتة للتمسك بتلك البلدان في البلقان ولاسيما صراعها مع روسيا وحروبها الطويلة على مضايق البسفور والدردنيل، حتى استقلت بلاد الصرب سنة 1824م، والجبل الأسود سنة 1878م، واحتلت النمسا منطقة البوسنة والهرسك رغم سيادة العثمانيين عليها بعد معاهدة برلين سنة 1878م.
أما مقدونيا فقد منحتها معاهدة برلين حكما ذاتيا لم ينفذه السلطان عبدالحميد العثماني، فقامت الحركات الوطنية فيها انتهت بثورة عارمة سنة 1903م.
وعلى الرغم من حكم العثمانيين لمنطقة كوسوفا ما يقرب من خمسة قرون ابتداء من هزيمة الصرب في موقعة قوص أوه كوسوفا سنة 1389م، إلا أن الصرب لم ينسوا الهزيمة،واهتبلوا فرصة تفكك الدولة العثمانية أوائل القرن العشرين،وقاموا بغزو كوسوفا بمساعدة البلغار واليونان سنة 1912م،وحققوا سيطرتهم على الاقليم الذي أقاموا فيه المذابح للألبان الذين كانوا عماد الجيش العثماني ، ومن يومها بدأت عملية تفريغ الاقليم من سكانه المسلمين الألبان، وفي العام التالي سنة 1913م كانت العديد من المدن الكوسوفية مثل فريزاي، وجيلان، وجياكوفا، وغيرها قد ذبح معظم سكانها، وباتت المدن والقرى تحت احتلال الصرب مما دفع الألبان الى تنظيم حركة مقاومة أطلق عليها اسم: كاتشاك .
وفي عام 1918م وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى أعلن قيام دولة الصرب والكروات والسلوفيين بهيمنة وسيطرة صربية تولى حكمها الأمير الكسندر، وفي سنة 1929م سميت الدولة يوغوسلافيا وتم ادماج كوسوفا ضمن الدولة الجديدة مع معاملة أهلها كمواطنين من الدرجة الثانية، فأهمل فيهم التعليم والخدمات، ومحاولة تجريدهم من عناصر القوة كالتملك والاستقرار,, الخ.
وفي الحرب العالمية الثانية في الاربعينات من القرن العشرين ظهر مصطلح التطهير العرقي الذي ابتدعه أحد مستشاري الجيش اليوغسلافي واسمه دراجا ميهايلوفيتش الذي كون منظمة تدعى شتنك بهدف مقاومة احتلال النازيين ليوغسلافيا، وكان الهدف من التطهير العرقي طرد المسلمين من البوسنة والهرسك، وكوسوفا الى ألبانيا وتركيا.
وعندما تمت هزيمة ألبانيا النازية في الحرب انسحبت جيوشهم من يوغوسلافيا، وقامت فيها الجمهورية، وانتخب تيتو رئيسا للجمهورية، حيث كان قائد لحركة المقاومة النازية ابان الحرب، وهو كرواتي الأصل، وفي البداية انفرج الوضع عدة سنوات لمسلمي كوسوفا حيث تسلم الشيوعيون السلطة في كل من ألبانيا ويوغوسلافيا، وصارت العلاقات بينها طيبة فامتدت الجسور الاجتماعية بين كوسوفا وألبانيا، واجتمعت الأسر التي توزعت بين الجانبين من قبل.
ولكن الخلاف بين ستالين في موسكو، وتيتو في بلجراد، وانضمام البانيا الى موسكو، قد جاء بنتائج وخيمة على كوسوفا، حيث سيطر على مقاليد الحكم في بلجراد جناح متشدد بقيادة الكسندر رانفكيتش الذي طبق سياسة اطلق عليها القبضة القوية اخضعت البلاد كلها لحكم استبدادي قمعي لحق المسلمون منه نصيب أوفر، واستمرت الفترة هذه من سنة 1948 الى سنة 1968م.
وابتداء من سنة 1968 الى سنة 1989م تبدل الحال الى الأحسن بعد زيارة الرئيس تيتو لكوسوفا وما لمسه من تدهور الحال في المنطقة الأمر الذي جعله ينظر الى الاقليم بشيء من الاهتمام ظهر من خلال التعديلات الدستورية التي أقامها سنتي 1971، 1974م وبموجبها مارست كوسوفا شيئا من الحكم الذاتي،ونالت حقوقا متساوية مع الجمهوريات الأخرى داخل الاتحاد اليوغسلافي بما فيها صربيا.
واصبحت لكوسوفا منذ هذه التعديلات حكومة محلية ومجلس تشريعي واذاعة،وتلفزيون، وصحافة ناطقة بالألبانية التي أصبحت لغة التدريس في الجامعات والمدارس، وسمح للمسلمين ان يعلنوا عن اسلامهم في الأوراق الرسمية ومباشرة عبادتهم وخصوصيتهم الدينية.
ولكن الفرحة لم تطل كثيرا بعد موت الزعيم تيتو سنة 1980م، ولاسيما بعد ان أخذ الاتحاد السوفيتي ينهار واستقلت دول الكتلة الشرقية عنه، وانفرط كذلك عقد الاتحاد اليوغسلافي، وصعد نجم القوميين الصرب الذين كبح جماحهم الرئيس تيتو من قبل ،وبرز من بينهم سلوبودان ميلوسوفيتش الرئيس الحالي لصربيا بوحشيته، وقاد انقلابا دستوريا الغى بموجبه الحكم الذاتي لكوسوفا، وجعلها مقاطعة ضمن جمهورية صربيا، وأغلق وألغى كل المكاسب التي حققها أهلها في عهد تيتو عامدا طمس هويتهم الألبانية.
ورد عليه أعضاء برلمان الاقليم بالعمل على استكمال اجراءات اعلان جمهورية كوسوفا في السابع من سبتمبر سنة 1990م في بلدة كتشانيك، وفي سنة 1992م وبعد انتخابات سرية في الاقليم اختار الأهالي ممثليهم في مجلس تشريعي، وأعضاء للحكومة، وتم انتخاب ابراهيم روغوفا الكاتب والفيلسوف رئيسا للجمهورية، الذي اعلن انحيازه للحل السلمي السياسي لقضية الشعب الألباني في كوسوفا، ولكن الرد الصربي على ذلك جاء عنيفا فعمد الصرب الى اجراءات قمعية عنيفة راح ضحيتها عدد كبير من القيادات البارزة والعناصر النشطة في كوسوفا، ولما تيقن المسلمون من عدم جدوى الحل السلمي برز على الساحة في الإقليم جيش تحرير كوسوفا الذي تأسس في صيف سنة 1997م, وتوالت أحدث القمع والتصفية العرقية، والتطهير، والطرد، والمجازر الدائرة هذه الأيام.
*أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر المشارك بجامعة الأزهر
جامعة الملك سعود الملك خالد

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الثقافية
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تغطيات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved