كنت في مهمة رسمية خارج البلاد وقد استغرقت تلك المهمة بضعة اشهر، وكنت حريصا ان تكون عودتي ليلا للاستمتاع بمنظر مدينة الرياض الساحر حيث يحظى الناظر برؤية مشهد يتخطى خيال اعظم الفنانين ويوحي للأديب معاني نثره وللشاعر قوافي نظمه.
ولكن المفاجأة أخرست الألسن واغمضت الأعين التي كانت تحدق,, فلو لم يعلن قائد الطائرة تعليمات ربط الاحزمة استعدادا للهبوط في مطار الملك خالد الدولي لأقسم الجميع ان ما يشاهدونه لا يمكن ان تكون مدينة الرياض التي عرفوها عروسا في ليلة زفافها.
لقد صرخ احدهم يا إلهي ما هذا؟ ماذا حدث؟ ان ما نشاهده مدينة حزينة رد عليه الجالس بجواره فال الله ولا فالك ، قل غير هذا، بل انتظر حتى تحط الطائرة فما هي الا دقائق وتعرف كل شيء ربنا يحرسها من كل مكروه.
كنت اسمع ذلك الحوار ولم أكن احسن حالا منهما ولكن لا بد من الانتظار فربما ينطبق المثل القائل اذا عرف السبب بطل العجب .
حطت الطائرة بسلام وبدأ الركاب يأخذون طريقهم الى داخل المطار وسط ترحيب المشرفين على استقبالهم حيث لم يكن من المناسب سؤال اي منهم فالكل مشغول بما اوكل اليه ومن الاولى عدم تشتيت ذهنه فكل الحواس يحسن ان تكون في اوج نشاطها ويقظتها.
أنهيت اجراءات الوصول وخرجت من المطار لأستقل اقرب سيارة اجرة فلم يكن من عادتي ازعاج الآخرين - ولو كانوا اقرب الناس - بترك التزاماتهم او حرمانهم من راحتهم بالحضور للمطار واستقبالي ما دامت الامور ميسرة وخاصة عندما يكون الوقت متأخرا كهذا إذ تشير الساعة الى منتصف الليل.
وما ان دلفت داخل السيارة وبادلت سائقها التحية وكان من حسن حظي مواطنا مع ندرتهم في مجال خدمات سيارات الاجرة التي يمتطي جلها - إن لم نقل كلها - اناس قادمون من خارج البلاد تضطر للتحدث معهم الى تكسير لغة القرآن لتستطيع ابلاغه بما تريد.
لقد سألته سؤالا مباشرا لماذا الرياض هكذا,؟ ماذا حدث؟
استغرب صاحبنا السؤال محاولا معرفة سببه ولكني لم أترك له فرصة استنتاج ذلك بل عاجلته بسؤال محدد لماذا تبدو نائمة,؟ هل تعاني من نقص في امدادات الكهرباء؟ اين تلك المدينة التي يعانق سناء ضوئها عنان السماء؟ لقد كنا نرى وهج انوارها وشعاعه على بعد عشرات الأكيال وربما المئات,.
ضحك صاحبي وأدرك بفطنته انني قادم من بعيد ولم تطأ قدمي ارض هذه المدينة منذ اشهر وقال يبدو أنك لم تزر الرياض منذ مدة؟ فأكدت له ذلك فقال اذن أنت معذور ولك الحق ان تخاف على مدينتك.
استعجلته الخبر فلا وقت لدي للانتظار انني اشعر بالضيق واللهفة كمن ينتظر نتيجة نجاحه في دراسته او قبوله في وظيفة.
ضحك مرة اخرى مداعبا اذا كانت لا تعجبك هكذا فلا مانع لدي من اعادتك للمطار مرة اخرى ولكني لم احتمل دعابته قائلا هل هي مدينة ابيوك .
اعتذر لامتصاص حدتي وقال ألا تستمع للأخبار؟ ألا تقرأ الصحف,؟
فقلت: اسمعها ولكن لم يأت ذكر لما سألتك عنه أما الصحف فلا أقرأها أسفاً لأن الصحف السعودية لا تجدها خارج الوطن إلا بشق الأنفس واذا وجدتها فقد لا تحصل على الفائدة من قراءتها لأنها اصحبت ميتة لمضي ايام عدة على صدورها ولذا تفقد الرغبة في شرائها وتصفحها.
فقال ,, لا عليك سأقص ما حصل باختصار.
لقد أصدر امين مدينة الرياض وهو الشاب المؤهل المتحمس قرارا جريئا يقضي بما يلي:
1- قفل جميع المحلات التجارية في العاشرة مساء.
2- خفض اضاءة مصابيح الشوارع بعد الحادية عشرة الى النصف.
3- تكليف الدوريات الأمنية بمتابعة ذلك ومعاقبة كل مخالف.
وكان الهدف من ذلك كما جاء في القرار.
1- توفير نسبة كبيرة من الطاقة.
2- اعطاء اصحاب المحلات والمتسوقين فرضه الالتقاء بأسرهم ومتابعة ابنائهم.
3- نوم الشخص مبكرا لقيامه مبكرا ليذهب الطالب الى مدرسته والعامل الى مصنعه والموظف الى مكتبه وقد اخذوا حقهم من الراحة والنوم.
4- المساهمة في تخفيف التلوث والضوضاء اللذين تحدثهما المركبات التي تزرع الطرقات جيئة وذهابا لهدف ولغير هدف.
5- المساعدة في سعودة الانشطة التجارية حيث يستطيع المواطن بهذا الاسلوب الجمع بين العمل ورعاية اهل بيته وتلبية حاجاتهم الاجتماعية والاسرية.
6- واخيرا تطبيق النص القرآني الكريم وهو قوله تعالى: وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا إضافة الى فوائد يصعب حصرها ولكن أذكر منها,.
لم ادعه يكمل بل قاطعته متسائلا هل لمستم نتائج ما قصد من ذلك؟
رد بسرعة نعم واكثر مما كنا نتوقع.
ان النتائج تبدو جيدة مع انه لم يمض سوى شهرين فقط على تطبيق القرار ويتوقع اهل الخبرة نتائج افضل مع مرور الايام ولكن بشرط.
وما ذلك الشرط؟
ان تستمر متابعة تطبيق القرار لا ان يكون مجرد فقاعة او عاصفة ينحني أمامها المعنيون حتى تمر ثم يطلوا برؤوسهم مرة اخرى وربما اكثر,, ان كثيرا من القرارات تتوافر فيها اسباب النجاح لأن الهدف منها مشروع ولكن ينقصها استمرار متابعة التنفيذ ولو كان المجال يتسع لذكرت عددا منها.
وبعد ان صمت هنيهة تابع قائلا احس هذه المرة بشعور مختلف يدفعني الى القناعة بجدية المسؤولين وحرصهم على التطبيق التام والحازم لما قرروا.
مددت يدي الى السماء داعيا بالتوفيق للعاملين بإخلاص عازما على مهاتفة احد زملاء الدراسة سابقا واحد المسؤولين بأمانة مدينة الرياض حاليا لتهنئته على ذلك القرار الصائب منتظرا الصباح بفارغ الصبر.
ولكن قبل الصباح هل تدرون ماذا حدث,؟
لقد اكتشفت أني على فراش وثير وفي حلم جميل تمنيت ألا ينتهي.
|