Saturday 15th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,السبت 30 محرم


يارا
الثوب الواحد
عبدالله بن بخيت

يبالغ كثير من الناس في اعطاء المجتمعات الغربية مثالية تشعر معها ان المجتمعات الغربية ليست مجتمعات بشرية تتحكم فيها المصالح الشخصية والصراعات والقوى العائلية والحب والكره إلخ, كأنها خلقت وحدها بعيداً عن البشرية, ففي كل مرة تشاهد صراعاً بين طرفين خصوصا على مستوى المثقفين نلاحظ ان الطرفين يضربان امثلة بالمجتمعات الغربية بعبارات اصبحت جزءا من لغتنا المعتادة مثل قولهم: (في المجتمعات المتقدمة لا يفعلون كذا وكذا) (في العالم المتحضر يحترمون كذا وكذا) وعلى الفور نعرف جميعاً من المعني بالمجتمعات المتقدمة والمتحضرة المشار اليها في مثل هذه العبارات فهي مخزنة في لا شعورنا كتعريف بالمجتمعات الغربية, ومن جهة اخرى مهما بالغنا في التهجم على الغرب يظل الشعور بالدونية يتحكم في نظرتنا لهم, وهذا الشعور بالدونية او العداء المبالغ فيه يمنعنا من النظر اليهم نظرة انسانية طبيعية, ففي كل شيء نتحدث فيه عن الغرب نتحدث بصورة مبالغ فيها حتى الشر في الغرب هو شر مستطير، نتحدث عن تفككهم نتحدث عن ماديتهم نتحدث عن ضياعهم بل حتى الآن ما زال هناك من يضرب امثلة بكتاب شبنغلر الذي تحدث فيه عن انهيار الغرب(من مؤلفات ايام الغوص) فنظرتنا السلبية او النظرة الايجابية للغرب تصب في شيء واحد هو عدم انسنة الغرب فالانسان الغربي في نظر بعضنا هو شيء مادي لا يقع في اطار ثقافتنا عن الانسان، فالتطور التكنولوجي والتطور الاجتماعي مضافا الى ذلك الاستعمار والاختلافات في النظرة الى الحياة لوثت نظرتنا لهذا الانسان.
المشكلة ان الذين تعلموا في الغرب تعلموا فقط في الغرب,, ولم تتح لهم الفرصة للانخراط الحقيقي في المجتمع الغربي فبعضنا سافر الى الغرب ومكث هناك سنوات وعاد وما زال يحمل نفس النظرة التي سافر بها، اما سلبية مطلقة او ايجابية مطلقة، فالانسان العربي عندما يذهب الى الدراسة او للعمل وكسب العيش لا ينخرط في المجتمع الغربي بل يعيش هناك بجسده فقط, وتحت سيطرة افكاره المسبقة، ويبحث عما يدعم افكاره فاذا كانت ايجابية وجد مليون سبب لهذه الايجابية، واذا كانت سلبية وجد مليون سبب لدعم افكاره السلبية، يعود الى بلاده مزوداً بحجج لفكرة سافر بها معه.
أتذكر كنت مرة في تركيا وفي مكان الوضوء في احد المساجد شاهدت رجلاً اشقر يتوضأ الى جانبي فأصبت بدهشة عظيمة فصورة الانسان الغربي في خيالي وفي وجداني لاتسمح لي ان ارى رجلاً اشقر يتصرف كما اتصرف او أن اشترك معه في ثقافة حميمية كالوضوء مثلا ليس لأن الاسلام قليل الانتشار في الغرب ولكن بسبب الصورة النمطية عن الغرب في خيالي، فالاشقر في البار او الكابريه.
والشيء الأهم من هذا عندما نتحدث عن الغرب نتحدث عن رجل واحد لا تمييز بين الفرنسي وبين الالماني بين الانجليزي وبين السويدي طالما انه اشقر و ابيض شديد البياض فهو ذلك الرجل الغربي رغم ان الشعوب الغربية تختلف بشكل جوهري بعضها عن بعض, فالاسكندنافيون مثلاً ينظرون للانجليز كما ينظر اليهم في العالم العربي من حيث الشعور العدائي فهم يرون ان الانجليزي والامريكي رجلان امبراطوريان استعماريان، والحديث عن العولمة (الأمركة) في صحفهم وفي مجلاتهم لا يقل زخماً وحدة عما يجري في صحفنا, ولكن المشكلة من بين مجموعة المشاكل اننا كمسلمين وكعرب لا نستطيع ان نطل على العالم خارج ثقب اللغة الانجليزية فألبسنا الجميع ثوباً واحداً واعلنا العداء على كل من يلبس هذا الثوب.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الثقافية
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تغطيات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved