يسعد العرب خروج بنيامين نتنياهو من السلطة بلا رجعة بعد استقالته من رئاسة حزب تجمع الليكود في اعقاب هزيمته امام يهودا باراك في انتخابات رئاسة الوزارة لانه اسوأ رجل تقلد منصب رئيس الوزارة في اسرائيل من ديفيد بن جوريون سنة 1948م الى بنيامين نتنياهو حتى يوم 17 مايو 1999م.
لا يفرح العرب دخول يهودا باراك الى السلطة لأن التبديل في الوجوه السياسية لا يغير مسار الحكم في تل ابيب، الذي يسعى الى تنفيذ مخطط الاستيلاء على الاراضي العربية المحتلة من خلال خطة موضوعة لا يمتلك تغييرها الوافد الى السلطة وانما عليه تنفيذها برؤى تنسجم مع التفكير السياسي للحزب الذي ينتمي اليه.
انتماء حزب العمل الى الفكر اليساري المتناقض مع الفكر اليميني لحزب تجمع الليكود سيفرض مسارات جديدة في العمل السياسي بعد وصول حزب العمل الى الحكم ويغلق مسارات قائمة في العمل السياسي بعد خروج حزب تجمع الليكود من الحكم، ولكن تخدم المسارات كلها التي تفتح والتي تغلق الهدف الواحد الذي تتطلع اليه اسرائيل بالاستيلاء على الارض المحتلة واخضاع الانسان العربي لنفوذ السلطة القائمة في تل ابيب.
تحدث رئيس الوزراء الجديد يهودا باراك عن السلام في الشرق الاوسط بعبارات مبهمة والغاظ مفرغة من معانيها لا توضح طبيعة المرحلة القادمة في التفاوض السلمي ولا تلزم الحكومة الجديدة بمسؤوليات التنفيذ للمعاهدات المبرمة مع الفلسطينيين، وتجعل الباب موارباً مع لبنان ارضاء للامهات الثكالى، وموصداً مع سوريا للاحتفاظ بمرتفعات الجولان ذات الاهمية الاستراتيجية العالية للامن الاسرائيلي، اما القدس فلا تحرك به لسانك في التفاوض بعد ان تقرر اتخاذها العاصمة لإسرائيل بموافقة معلنة من امريكا، قامت واشنطن بتأجيل دورها بنقل السفارة اليها الى ما بعد الانتخابات التي بخروج بنيامين نتنياهو من السلطة ودخول يهودا باراك اليها ابتداء من يوم الثلاثاء الماضي 20 مايو من سنة 1999م.
يدعي اريل شارون وزير الخارجية في الحكومة الاسرائيلية الساقطة ان يهودا باراك لم يدخل على السلطة ولم يجلس فوق كرسي الحكم، وانما يطرق بشدة باب الدخول اليها لأن فوزه في الانتخابات الشعبية برئاسة الوزارة وحصول حزبه حزب العمل على اثنين وثلاثين مقعداً في البرلمان الكنيست البالغ عدد اعضائه مائة وعشرين عضوا يحول دون تشكيل الوزارة التي تتطلب الاغلبية المطلقة واحدا وستين عضواً مؤيداً له حتى يكتسب شرعية تشكيل الحكومة الجديدة.
إذا راجعنا التاريخ السياسي الاسرائيلي قبل وبعد فصل شخصية رئيس الوزراء عن معطيات الاغلبية في البرلمان لوجدنا كل الاحزاب التي فازت بالسلطة لم تحقق منفردة الاغلبية المطلوبة في تشكيل الحكومة مما جعل كل الحكومات المتعاقبة على السلطة تلجأ الى الائتلاف مع غيرها من الاحزاب لتصل الى النصاب الشرعي المطلوب دستورياً لتشكيل الحكومة.
احكام الدستور الاسرائيلي تقرر بوضوح انه في حالة عجز رئيس الوزارة المنتخب لشخصه او الفائز بالمنصب بحكم ما يتمتع به حزبه من اغلبية في البرلمان عن تشكيل الحكومة خلال خمسة واربعين يوماً شهر ونصف من تاريخ فوزه بالمنصب يسقط حقه في رئاسة الوزارة وتجرى انتخابات جديدة لإعادة اختياره او اختيار غيره لمنصب رئيس الوزراء.
لا توجد سابقة عملية لما يتحدث عنه الدستور الاسرائيلي من تغيير لرئيس الوزارة بعد خمسة واربعين يوماً، ومع ذلك نجد حزب تجمع الليكود يراهن على عجز يهودا باراك في تشكيل الوزارة الجديدة، ولذلك دفع رئيس الوزارة المنهزم بنيامين نتنياهو الى الاستقالة من رئاسة الحزب لاختيار رئيس جديد له لينافس في الجولة الانتخابية القادمة بعد خمسة واربعين يوماً يهودا باراك الذي فاز برئاسة الوزارة في غفلة من التاريخ.
آمال حزب تجمع الليكود وفي العودة الى السلطة بعد خمسة واربعين يوماً يماثل تماماً امل ابليس في الجنة لان التحرك السياسي بين الاحزاب اليمينية الصغيرة قد تؤجج هذا الأمل عند حزب تجمع الليكود، ولكن التحرك السياسي لحزب العمل بين الاحزاب اليسارية الصغيرة يحقق نتائج باهرة تجعل يهودا باراك يحصل على اكثر من النصاب المطلوب لتشكيل الوزارة، وبذلك يغتال آمال حزب تجمع الليكود ويجبر رجاله على الحياة في الظل داخل الكنيست لسنوات طويلة ليعارض القرار السياسي دون ان يحقق له المشاركة في صناعته.
نحن لا ننساق مع تيار التعاطف الفلسطيني اللسلطة الجديدة في اسرائيل لأننا لا نثق في الزعامات الاسرائيلية الملطخة يدها بدماء العرب، ومنهم يهودا باراك الذي تنكر في ملابس امرأة وقتل ثلاثة من رجال المقاومة الفلسطينية على ايام منظمة التحرير الفلسطينية، ومارس الارهاب الدولي باختطاف طائرة سابينا في عام 1972مو تخلى عن جنده عندما كان يشغل منصب رئيس الاركان في الجيش الاسرائيلي دون ان يعبأ بالقتلى والجرحى واثار الفرار بحياته هذه الدلائل تثبت عليه انه مجرم محترف وارهابي متمرس وخائن للامانة وهي كلها صفات تعطي المؤشر لما سكيون عليه اسلوب الحكم في اسرائيل خلال السنوات القادمة مما يجعلنا نتوقع من الآن تعثر مسيرة السلام في الشرق الاوسط باسلوب جديد خفي ليحل محل الاسلوب العلني في المجاهرة بالسوء الذي كان يمارسه طوال السنوات الثلاث الماضية بنيامين نتنياهو اتخاذ المراوغة في العمل السياسي جعل يهودا باراك يقرر الانسحاب غير المشروط من الجنوب اللبناني خلال السنة الاولى من حكمه وهو بذلك يرمي الى كسب النساء الاسرائيليات الى صفه من اللاتي فقدن الابناء على ارض لبنان او اللاتي يعشن في رعب من الخوف على الأبناء في ارض لبنان,, إذا كان يهودا باراك صادقاً في ما يقول عن الانسحاب من الجنوب اللبناني فعليه ان يبدأ مبادرة الانسحاب من الآن دون الانتظار لسنة ليبدأ الانسحاب منها دفعة واحدة في الحقيقة ان يهودا باراك يرمي الى تجميد احاسيس الامهات بمخدر الأمل لمدة سنة، وبعد انقضاء السنة يخلق الله ما لا تعلمون خصوصاً وان طبيعة الحياة المتحركة تؤدي الى تغيير المواقف السياسية استناداً على المستجدات التي تتولد من حركة الحياة المراوغة الثانية اعلان تعاطفه مع قيام الدولة الفلسطينية بمعطيات جديدة ومفاهيم مبتكرة وهو في واقعه ترديد ممل لما كان يقول به بنيامين نتنياهو في بداية عهده قبل ان يكشر عن انيابه ليخيف كل من ينادي بقيام الدولة الفلسطينية، ووصل تهديده عند اقتراب نهاية حكمه انه في حالة الاعلان المنفرد من قبل الفلسطينيين عن قيام دولتهم ستبادر اسرائيل الى استرجاع الاراضي العربية التي اعطيت للسلطة الوطنية الفلسطينية، وحدث الشرخ في الجبهة الفلسطينية بين المؤيد للمواجهة العسكرية مع اسرائيل وبين المتريث في اتخاذ القرار حتى يحافظ على المكتسبات التي حصل عليها من خلال المفاوضات المباشرة مع اسرائيل.
انتهت تلك الحرب الباردة بين الاسرائيليين من ناحية والفلسطينيين من ناحية اخرى وبعد استطلاع الرأي الدولي الذي قام به ياسر عرفات بتكاليف مالية باهظة الى تأجيل اعلان الدولة الفلسطينية الى ما بعد انتخابات رئاسة الوزارة الاسرائيلية وهو ما دفع يهودا باراك المتخصص في المراوغة السياسية الى اعلان تأييده لقيام الدولة الفلسطينية بعد فوزه مباشرة ليكسب بذلك مزيدا من الوقت بتجميد الاحاسيس الوطنية عند الفلسطينيين بمخدر الأمل فيلتزمون الصمت عن حقوقهم المشروعة في الوطن الخاص بهم بوعد كاذب من رئيس الوزارة الجديد الذي يظهر ما لا يطبق ويواصل الفلسطينيين تصديقهم له، على الرغم من يقينهم بانه كذاب اشر لن يعيد ارضاً ولن يسمح باقامة الدولة، وسيترك الفلسطينيين يدورون في حلقة مفرغة ينتهون الى نقطة البداية التي انطلقوا منها في مسار المفاوضات السلمية الدائرة بينهم وبين اسرائيل دون ان يتأثر ذلك بالوجوه القديمة التي غابت عن المسرح السياسي او بالوجوه الجديدة التي ظهرت فوق المسرح السياسي في منطقة الشرق الاوسط من الركن الاسرائيلي.
علينا ان ننبه الفلسطينيين ان السلطة تعد الرجال فان كان الرجال اصلاً فاسدين اصبحت السلطة اداة في يدهم يحاربون بها الاصلاح حتى يمنعوا الوصول الى النتائج التي تخدم مصالح غيرهم وتضر بمصالحهم دون ادنى مراعاة لحق شرعي او نظام دولي او احترام للارادة العالمية التي ترى في السلام المخرج الطبيعي لمعاناة الدول بما في ذلك اسرائيل والقائمة في منطقة الشرق الاوسط.
غياب العرب عن ساحة العمل السياسي الاسرائيلي اتضح من وقعهم في الانتخابات الاخيرة لرئاسة الوزارة الاسرائيلية الذي جاء اقل بكثير عن معدله العام الطبيعي استنادا الى نسبتهم في تكوين الشعب الاسرائيلي.
وهذا الغياب العربي قد يكون غياباً فعلياً الانصراف العرب الى قضاياه اهم من الانتخابات التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل وقد يكون نتيجة لتزوير قوائم الانتخابات التي فضح قيامها بالكشف عن التزوير لها بواسطة رجال بنيامين نتنياهو، وهذا يقيم الدليل على تزوير في قوائم الانتخابات لم يكشف عنها بالغفلة او بالتعمد حتى يحجم دور العرب في الحياة السياسية الاسرائيلية فلا يتكرر ما فعله عزمي بشارة زعيم التجمع الديمقراطي العربي من ترشيح لنفسه لشغل منصب رئيس الوزارة الاسرائيلية خصوصاً وان المتشددين اليمينيين من اليهود يرون في ترشيح الاغيار من غير اليهود لمنصب رئاسة الوزارة في الدولة اليهودية يمثل اهانة بالغة في حق شعب الله المختار.
ومهما اختلفنا في داخل البنيان السياسي الفلسطيني فعلينا ان نتفق فوراً على توحيد العمل السياسي العربي لمواجهة التيار اليساري الذي سيحكم اسرائيل خلال الحقبة القادمة من مواطن ادراكنا لمكر اليسار الذي يدس السم في الدسم، وهو اخطر بذلك من اليمين المتشدد الذي يجهر بمواقفه ضد العرب المواطنين باسرائيل او جيرانها من الدول العربية.
العرب على اختلاف مواقعهم من اسرائيل بالمواطنة بها او الجيرة لها او المشاركة معها في الاقليم في امس الحاجة الى موقف موحد لتجديد اهدافهم وسبل تحركهم صوب هذه الاهداف لان اهمال ذلك في عهد يهودا باراك القادر على سرقة الكحل من العينين سيفقد العرب حقوقهم في المواطنة داخل اسرائيل ويحرم جيرانها العرب من استعادة اراضيهم المحتلة، ويفرض زعامتها على العرب في داخل الاقليم الذي يتشاركون معها في الحياة فيه ويحول السلام العادل في منطقة الشرق الاوسط الى استسلام مهين للعرب اجمعين.
|