* لا أجد في مآثر زعيم عربي خلال الخمسين عاماً الماضية مأثرة افضل من قيامه بترسيم حد من حدود بلاده مع الدولة العربية المجاورة، ان هذا العمل هو خير عمل يقدمه لوطنه ومواطنيه، ولو انصف التاريخ لسجل هذا الانجاز على اول قائمة منجزاته!.
لقد رحل الاستعمار تاركا نقاط الحدود بين الدول العربية مبهمة العنوان، خفية الجوانب! ومعظم المعارك التي نشبت والتي لا تزال تنشب في اهم اسبابها هذا النزاع على الحدود التي لم يُعترف بها!.
وتظل هذه الحدود الغامضة سبباً دائماً لافتعال الخصام وحدوث النزاع وقيام الحروب أفلا يكون إذن في رسم الحدود والاعتراف المتبادل بها والتوقيع على معالمها وخرائطها على الورق وعلى الارض خير ورحمة للوطن ولأجياله المتعاقبة عليه؟!.
ذلك لأنه يحقن الدماء ويحفظ الأموال ويديم بإذن الله نعمة الأمن والأمان بين المتجاورين!.
لقد سعى كثير من الحكام العرب في مشاريع ترسيم الحدود لدولهم، ونجح الكثير منهم في اتمام هذه المشاريع الوطنية، وبقي كثير من النقاط الملتهبة التي لا تزال موضع خلاف بين الجيران وان خير ما يقدمه الحاكم العربي لوطنه وشعبه ان يجعل مسألة هذا الحد المختلف عليه على اولويات قائمة برامج عمله السياسي، وان يعتبر انجاز ذلك تقويماً صحيحاً لنجاح عهده وزعامته وهو كذلك بحق! وعلى من يكتب التاريخ للخمسين سنة الماضية، وللخمسين الآتية ان يسجل منجزات ترسيم الحدود بين الدول العربية كأحد المفاخر العظيمة للقيادة التي يتم في عهدها هذا المنجز!.
وفي ذلك فقه للظروف المضطربة التي تمر بها الدول العربية بعد خروجها من سيطرة الاستعمار، وسعيها للاستقلال وتفقدها لأطرافها التي كانت نهباً لكل معتدٍ وطامع!.
ان حفظ الحدود لا يكمن في الاستعداد العسكري الذي يحشد على ترابها فحسب، بل يكمن ايضاً في تلك المساعي الأخوية الحضارية التفاوضية التي يُسعى فيها مع الجيران لتثبيت معالم الحق حتى لا تدع الدول العربية إرثها واجيالها وكل اوطانها نهباً للنزوات الانسانية والنزغات الشيطانية والدسائس العدوانية، بل تُسلم - بعون الله - أوطاناً بارزة مُصانة محفوظة بحفظ الله وحماه!.
وإن منجزاتنا الحضارية لترسيم الحدود في بلادنا (المملكة العربية السعودية) هي مكتسبات سياسية وامنية وصفحات مضيئة جرت عبر عقود وعهود مضت ومن حق اجيال الغد الآتية ان تقرأ هذا الديوان التاريخي الرائع الذي حقق لبلادنا - بحمد الله - أمناً واطمئناناً وسلاماً مع القريب والبعيد، وإن اساتذة التاريخ هم اهل الفن والاختصاص القادرون - بعون الله - على تدوين هذا المنجز من مصادره ومراجعه الاصلية لتقرأ اجيالنا القادمة جانباً هاماً من تاريخ البناء والتأصيل للوطن الذي يحافظون عليه.
عبد الكريم بن صالح الطويان