الأسطورة والشعر بين التغريب والتأصيل د, نذير العظمة |
ترشحت الى الثقافة العربية الحديثة بعامة والشعراء بخاصة الوان من الاساطير من مصادر متعددة وكان في مقدمتها الميثولوجيا الاوروبية لهيمنتها الثقافية، وهذه الميثولوجيا بدورها كان لها ما يوازيها في المواريث اللاتينية والرومانية والاغريقية تختلف الاسماء والمسميات لكن الوظائف والمرجعيات الاسطورية واحدة ان لم تكن مشتركة.
ان فينوس الرومان واوروبا كرمز للجمال والحب والخصب يقابلها افروديت الاغريقي، الحقل الدلالي مشترك والشخصيات والرموز متعددة ومنذ مطالع هذا القرن اخذت اعين الشعراء عندنا تتطلع الى الاساطير ورموزها المتوهجة كمقولات لثقافة اوروبية متفوقة، فالعقاد يترجم قصيدة فينوس على جثة أدونيس لشكسبير وابوالقاسم الشابي في مداخلته المشهورة الخيال الشعري عند العرب 1929م يتخذ الاسطورة معيارا يقيس به الشعر ويتمثل بعشتروت ويؤكد على اصلها الاشوري وهي التسمية الفينيقية لعشتار بابل كما اكد العقاد على اصل ادونيس المشرقي (أدون بمعنى السيد بالكنعانية وادونيس بالاغريقية) فنزعة التأصيل عند كل من العقاد والشابي تتجلى في طموحات المفكر لا المبدع، لأن عليهما حين ابدع شعرا لم يعد الى الينابيع المشرقية فالعقاد يختار اسطورة إكاروس وهي اسطورة اغريقية موضوعا لقصيدة تحمل العنوان نفسه والشابي يكتب قصيدة عذارى افروديت وهي قصيدة حب تتكلم عنها كنسق انساني لا كإحساس عاطفي فحسب,, ولم يعد الى عشتار نسبها المرجح، كما لم يعد العقاد في القصيدة الى ايزيس واكتفى بأوزوريس في انس الوجود في شعر الاوابد فالعقاد حين يؤصل للأسطورة يهبط الى الهامش وحين يبدع في المركز يتعاطى مع الاسطورة الاغريقية، وابوالقاسم الشابي يؤصل عشتروت كأسطورة اتت من الينابيع الآشورية ولكنه حين يبدع يختار افروديت الاغريقية ويثني في النص بفينيس (فينوس) رديفتها في الميثولوجيا الرومانية ووريثتها الاوروبية، كما يتناول اسطورة بروميثوس في قصيدة اخرى.
وهذا بدون ريب مؤشر على هيمنة الرموز الثقافية والاسطورية التي حملتها لنا الثقافة الاوروبية ذات الجذور الاغريقية والرومانية، ففي مركز الوعي وحيوية الابداع تحتل هذه الرموز مكانتها ولكن الشاعر المفكر سواء أكان العقاد او الشابي او غيرهما كان يتفتح في هامش التعليق او المحاضرة عن وعي آخر باتجاه التأصيل فلا يؤخذ ببريق الاساطير ورموزها، ويقف عنده بل يتعدى ذلك الى اصول هذه الاساطير وجذورها المشرقية ويكتشف حقلها الدلالي المشترك وينتقل من الجزء الى الكل ومن المتعدد الى الواحد في التعامل مع الدلالات وحقولها الموحدة.
الا اننا الى جانب هذا التيار الذي يمارس الابداع على النموذج الاوروبي الاغريقي في القصيدة كما يمارس التأصيل معلقا محاضرا، نجد تيارا آخر مبهورا بالنموذج اياه فينكب عليه بالترجمة شارحا وموضحا في حركة مثاقفة تتطلع الى الابداع بالمحاكاة كما تتطلع الى تأصيل هذه الرموز الوافدة باخضاعها الى نسق القصيدة العربي، فيبدع مستعيرا الرموز الاسطورية يوطئ لها إما في المقدمات او بالشرح في الهامش.
يكتب احمد زكي ابوشادي من ضمن هذا المنظور قصيدته افروديت وأدونيس وينثر احمد كامل عبدالسلام قصيدته إلى فينوس في مجلة ابولو في العدد نفسه الذي نشر فيه ابوشادي قصيدته, ابو القاسم الشابي قصيدة (ايتها الحالمة بين العواصف) التي يخاطبها بفينيس (فينوس).
ويخص شفيق معلوف في عدد سابق من أبولو افروديت بمقطع شعري مطول في قصيدته على اطلال بعلبك ويرادفها بفينوس وعشتروت شارحا ومعرفا في الحاشية.
وتمتزج في مثل هذه الابداعات الشعرية عواطف الانبهار كما تستفيق من خلالها صحوة الذات متمثلة بتململ الوعي، معرفة الآخر وتراثه ان هي الا طريق الى معرفة الذات ومواريثها الأمر الذي عكسته مجلتا أبولو ومجلة شعر (بيروت) في مرحلتين شعريتين متباعدتين.
لقد ابتهج بعض رواد الاستشراق حين اكتشفت مخطوطة لكتاب ابن الكلبي بعنوان الاصنام فحقق وطبع ولم يخفوا فرحهم بذلك اذ كانوا يتوقعون ان يجدوا ميثولوجيا عربية قبل الاسلام على غرار الميثولوجيا الاخرى,, لكن كتاب الاصنام لابن الكلبي ما عدا ان جمع ما في حواشي التفسير عن بعض اسماء الاصنام التي وردت في القرآن الكريم كبعل وود وسواع وغيرهم,.
أن نقارن ما تبقى من رواسب الاساطير العربية بالميثولوجيا الاوروبية الوارثة للاغريق والرومان فإنها لمقارنة جائرة لاننا نعلم ان الإسلام كعقيدة يجب ما قبله، وان تبقى لنا شيء من النظام الاسطوري القديم للعرب فما تبقى الا القليل.
وقد حاول شفيق المعلوف في ديوان عبقر ومقدمته الضافية ان يعيد بناء المخيلة الاسطورية لعرب الجاهلية فحشد رموزها جميعا في عبقر كمجمع يضمها على غرار الاولومبا الذي تجتمع فيه معبودات الاغريق الوثنية.
وفيما خلا اساطير الطير كالعنقاء ونسور لقمان والهامة فإنه قد خلط الميثولوجيا بالفولكلور والخرافة,.
كما حاول محمد عجيبة ان يستجمع في كتابه موسوعة اساطير العرب (بيروت 1994م) الاساطير العربية في الجاهلية لكنه استقر على تصورات وروايات إسلامية عنها واستقى من كتب التاريخ والادب والتفسير ما تبقى منها او ما رسب لكنه كشفيق المعلوف لم يميز في جمعه بين الفولكلور وعلم الاساطير,.
واكد ابوالقاسم الشابي في كتابه الخيال الشعري عند العرب على فقر الاساطير العربية الاصيلة منها والمستعار من الامم المجاورة للجزيرة العربية الذي تردى الى مستويات حسية عابرة لا تسمو الى شرف المخيلة الاصيلة ودلالاتها الانسانية خلافا لما استعاره الرومان من الاساطير المشرقية التي حسنوها واضافوا عليها, وهو رأي جريء يحتاج الى مزيد من البحث والتفكير لأنه أشبه بقراءة استشراقية الا ان ابا القاسم ينوه بالاساطير العربية القديمة التي تتعلق بالنجوم وتميزها لمعرفتهم بالفلك كما نوهنا نجن بأساطير الغرب ويتجلى ابوالقاسم الشابي في كتابه الخيال,, عن نزعة تأصيلية باتجاه التراث السامي القديم فيرد بعض رموز اساطير الخصب (فينوس) الى عشتروت (أو عشتار) جذرها السامي.
كما يرد العقاد أدونيس الى جذوره المشرقية في ترجمته لقصيدة شكسبير وفينوس على جثة ادونيس، متجليا عن نزعة التأصيل التي مارسها الشابي من بعد,.
والواقع ان العديد من الاساطير الاغريقية يمكن رده الى اصول مشرقية (فينيقية وآشورية وعربية) بشهادة بعض شعراء الاغريق والرومان ومؤلفيهم.
ويمكن القول: ان الفينيق بشهادة هيرودوت طائر عربي وان قدموس الذي نشر الابجدية والمعرفة في اوروبا القديمة بطل فينيقي، كما وثق ذلك اوفيد في كتابه التحولات وان دوتيسيوس رمز الحيوية الربيعية وادونيس رمز الخصوبة والجمال والحب مشرقيان,, وكذلك بجماليون فهو من صور او قبرص (الفينيقيتين) وان عشتار وايزيس ام افروديت وفينوس,, فكثير من موروثات اوروبا الاغريقية والرومانية يعود الى اصول مشرقية,, فكيف اذن يمكن ان يتهم بعض مفكريها تراثنا وشعرنا بالفقر والضحالة بالنسبة لحصيلته من الاساطير والاجناس,,؟ لا سيما ان الحفريات الانثربولوجية الحديثة كشفت عن نظم اسطورية في مصر وسوريا وما بين النهرين سابقة بمئات بل ألوف السنين على اساطير الاغريق والرومان التي ورثتها اوروبا.
هذه النظم الاسطورية كانت نتاجا حضاريا للعرق السامي نفسه الذي حكم عليه في دوائر اوروبية معينة بالفقر والضحالة من منظور الاعراق المثقوفة.
ان الاكتشافات الانثربولوجية الحديثة التي اذهلت اوروبا في خصوص حضاراتنا القديمة دفعت بالفهم والتفسير العرقيين لتراث الشعوب الى الاهمال والنسيان، وبرزت اهمية هذه الحضارات من خلال ما تركته لنا من انجازات ومعارف ونظم أدبية واسطورية.
فلا نستغرب اذن حين ينشأ اتجاه شعري كامل في شعرنا الحديث ونزوع ادبي خلاق للنهل من مواريث هذه الحضارات التي قامت على ارضنا ووطننا.
ان كثيرا من الموضوعات والرموز والشخصيات والاساليب والاساطير في الرواية والشعر والمسرح عندنا في الازمنة الحديثة مدينة الى هذه المواريث القديمة,, واذا كانت اوروبا تفتخر بالميراث الاغريقي الروماني وتعتبر نفسها وارثة له على بعد الشقتين الزمنية والجغرافية، فمن اولى بميراث الهجرات التي انبثقت من قلب الجزيرة العربية واستقرت في بلاد الشام والرافدين وانتشرت في وادي النيل منا نحن واذا كان الاسلام كعقيدة قد جب ما قبله من عقائد باطلة لا تنسجم مع التوحيد فقد وسع صدره كحضارة لكل المعارف والانجازات الانسانية والفولكلور الاسلامي الادبي والتاريخي والديني غالبا ما يتمثل مواريث فارسية وهندية واغريقية ومسيحية وعبرية ولكن بصياغات عربية اسلامية.
واذا كان ال)Mythology( الميثولوجيات الكلاسيكية الوثنية قد اصطدمت بالتوحيد وانحسر معظمها عن التداول الا ان الكثير من رموزها وافكارها وسياقاتها مرت في محولات القيم الإسلامية وتعرب مما افسح المجال لنمو الفولكلور )Folcklore( والاساطير التاريخية وحركاتنا الشعرية الحديثة حين تقبلت الاسطورة كمفردة من مفردات القصيدة وادواتها لم تعول على الميثولوجيا فحسب بل سمت بمصادرنا الفولكلورية وبعض رموزنا التاريخية والأدبية الى مستوى الاسطورة انطلاقا من معاناة الشاعر والانتماء الى هوية حضارية مخصوصة والرغبة في محاذاة الآخر في الابداع ومباراته.
|
|
|