لا تتذكر شيئا البتة بما حدث لك , كل ما تستطيع استحضاره الان هو انك كنت تقود سيارتك باسرع ما تستطيع ثم ارتطمت بشئ خرساني صلب، ولم تحس بشئ بعد ذلك حتى الالم لم يعد له وجود الآن وقت تعيشه خارج الزمن.
حالة من الاسترخاء العجيب تحس بها, تفريغ سريع وخارق لكل ما يثقل القلب من انقشاع وزوال مذهل لكل ما كان يحجب العقل من جدران وسواتر خفة عجيبة وانطلاق هادئ نحو الفضاء الواسع بلا قيود تنطلق الى اعالي المكان بسعادة كبيرة، تغض الطرف عما يحدث اسفل المكان تنظر شذرا نحو الاسفل.
صور ضبابية شتى تدور في مخيلتك حول اناس يهرعون الى جسم ممدد على الارض دون ان تدرك السر الكبير وراء اندفاعهم نحوه تنظر الى الجسم المدد وتستغرب دقة التشابه بينه وبينك تسفه صنيعهم هذا بإيماءة من رأسك، اذ لا سبب واضحا يدفعهم الى مثل هذا الامر تتساءل عن سرهم العجيب وتنتظر قليلا في عليائك لتتابع ما يحدث.
تنظر الى مجموعة من الرجال البيض يحملون شخصا يشبهك الى حد كبير تتساءل عن وجهتهم وتصر على متابعتهم فتبقى كذلك تراقبهم كما لو كنت فوق طائرة مروحية يحسبونها جامدة وهي تمر مر السحاب فوق رؤوسهم.
تنادي عليهم بأعلى صوتك وانت تحوم فوق رؤوسهم لا احد يسمعك تضحك من جهلهم بمكانك, تتساءل عن سبب اهتمامهم بهذا الجسد المسجى على السرير.
تصرخ في وجوههم ولا احد يكترث بالامر, تتضايق قليلا لكن السعادة الحقيقية التي تحس بها الان تهون عليك كل شئ، بل انها تكاد تمسح من ذاكرتك كل ما عرفته وما لم تعرفه, يدخلون الى غرفة كبيرة تدخل معهم وتبقي معلقا في سقف الغرفة تراقب ما يحدث بابتسامة ساخرة لا تجد لها تفسيرا, لا يضيرك هذا ما دمت تنعم بهذه النعمة الكبيرة التي خلصتك من سلاسل القيد التي ادمت قلبك, تستغرب جهلهم بوجودك اعلى الغرفة تنادي احدهم لتختبر معرفتهم بوجودك دون جدوي ترفع صوتك ولا من مجيب تتضايق قليلا لا احد يدرك ان هناك شخصا يتحدث.
تجمهر مجموعة من الاشخاص وكوَّنوا دائرة حول الجسد الممدد على السرير, كل في شغل غافلون تحاول ان تغادر الغرفة لتنطلق الى عالمك الفسيح الواسع لكن قوة مجهولة تجبرك على الانتظار, تحاول ان تفهم ما يجري حولك تنزل قليلا نحو الاسفل وتحاول ان تربت على كتف احد هؤلاء المنهمكين دون ان يلتفت اليك تحاول ان تستفزه بالتحديق في وجهه ولا يكاد ينتبه, تتضايق قليلا تركله برجلك بعنف دون ان يأبه بك, ترتفع الى اعلى محاولا الهرب خارج الغرفة من جديد ولا من سبيل, تقف معلقا ما بين السماء والارض، تختلط عليك الامور مرة تنزل نحوالاسفل ومرة ترتفع الى الاعلى, حالة من عدم التوازن تحاول ان تحرك رأسك بقوة لتنفض عنه الغبار الذي علق به, تنزل بسرعة كبيرة نحو الارض الى الدرجة التي جعلتك تستلقي فوق الجسد الممدد على السرير ترتفع مرة اخرى الى السقف فيصطدم رأسك بالحاجز الاسمنتي دون ان يشعر بك احد.
تتضايق من تجاهل هؤلاء لك واعراضهم عنك, يتخاطبون مع بعضهم البعض كما لو كانوا يدبرون شيئا لهذا الجسد المسجى امامهم, تتساءل عن سر التناقص التدريجي لحالة الانطلاق الحر التي عشتها للتو, ما هذه المنغصات التي تود ان تحرمك هذا النعيم؟
ثقل عجيب يتعب كاهلك، تنزل تدريجيا نحو الاسفل ما بال هؤلاء الاشخاص لا يفقهون حديثا , انت! هل تسمع؟ تحاول ان تخاطبهم ولا من سبيل تستقر على الجسد الممدد وتنطبق عليه تماما دون ان يلحظ احد ذلك , تعود تلك الكوابيس المزعجة, يملأ الهم قلبك احدهم يربط رجليك ببعض القيود, تسمع لغطهم وهم يغادرون المكان الم هنا والم هناك, تفتح عينيك وترى ما لا ترغب ان تراه.
خالد العوض