*الكتاب: الربيع وفصول أخرى
*المؤلف: لوكليزيو
*المترجم: محمد برادة
*الناشر: شرقيات
في كتاب (الربيع وفصول اخرى) ل لوكليزيو ثمة ما هو اكثر من مشترك: اكثر من رابطة وعلامة تجمع بين القصص الخمس لتضفي عليها نوعا من القرابة والظلال المشتركة بالرغم من تباين حكاياتها وفي طليعة عناصر القرابة وجود خمس فتيات - نساء بوصفهن شخصيات اساسية في كل واحدة من تلك القصص ويضيف الناقد والمترجم محمد برادة ان هذا الحضور النسائي يلون بالشخصيات النسائية (ضمير المتكلم او التبئير القريب من وجهة نظر الشخصية الاساسية التي هي فتاة او امرأة),, اما عن انتماءات البطلات ومناخاتهن الاجتماعية فيقول: نلاحظ ان جميع (بطلاتها) ينتمين الى مناخات اجتماعية هامشية قياسا الى مجتمع المؤسسات او الى مجتمع (المركز) ففي القصة الاولى (ربيع) تنحدر (سابا) من قبيلة بربرية بالاطلس المغربي وهي تعيش في نيس مع امها بأحد الاحياء الفقيرة وتستعيد طفولتها الهنية بمدينة مهدية قبل ان تهاجر الى فرنسا,, كل واحدة منهن تحكي قصتها تفاصيل مختلفة وتنتمي الى تربة مغايرة لكنهن جميعا مفصولات عن مسقط الرأس عن الوطن الام, كلهن يعشن في منفى معاً، يعانين من غياب.
وتتشكل القصص او تستمد نسغها، بحسب برادة، من لحظة استيقاظ الذاكرة وبداية انكشاف الوجه القاسي لعالم المنفى الذي كان من قبل يبدو مغريا، جذابا.
وبالرغم من اختلاف ازمنة القصص الا انها سرعان ما تتوحد متجهة نحو مصب زمني اساسا هو زمن الهوية المفتقدة، المفقودة، الغائبة.
والتفاصيل في هذه القصص وتقنية السرد كما يرى المترجم على جانب كبير من الاهمية لانها رغم مكوناتها (الواقعية) تبدو واقعية بسبب ذلك الغياب الذي يكتنفها ويحملنا على التساؤل عن ذلك (الحضور) الذي يخايل بطلات القصص ويجعلهن يسعين الى تكثيف أزمنتهن في لحظة زمنية جوهرية ويقول صاحب (الضوء الهارب) من هذا المنظور اجد ان التركيب الفني وطريقة الكتابة عند لوكليزيو يخدعان لأول وهلة ببساطتهما لكننا عندما نعاود النظر تطالعنا ملامح اخرى مليئة بالايحاءات الممتعة, ويورد قول احدى الباحثات في روايات وقصص لوكليزيو: ان لوكليزيو يبلور استتيقا انصهارية تعتمد على مزج التيمات بموتيفات مستمدة من الطبيعة عبر صياغة ذات طابع ملتبس يناغي باستمرار الجاذبية والفتن، ساعيا الى تشرب العالم وامتصاصه.
من جانب آخر تتمتع الطبيعة بحضور آسر في (الربيع وفصول اخرى) وهذا الحضور كما تأمله الناقد المغربي هو الذي يضبط الايقاع ويملأ ثغرات الغياب ويبرر تلك النفحات الشعرية الشذرية التي تتخلل كل قصة ما دام الحكي يختار -عن قصد- الامتداد الافقي الجاري وراء اندفاعات الذاكرة, وهي بالاساس ذاكرة ذات خصوصية مهما التحفت بالطبيعة وتناغماتها,, ومع ذلك فان لوكليزيو عندما يستحضر احداثا أو وقائع تاريخية فانه يفعل ذلك في اقتصاد شديد يربط التخييل بخلفية واقعية بدون ان ينزع عنه غلالته الحلمية وملامحه اللاواقعية, ويضيف الناقد: إن لوكليزيو وهو يبتدع حيوات وذاكرات نساء هذه المجموعة يذكرني بما قاله اوكتافيو باز عن المبدع البرتغالي الكبير فرناندو بيسوا: (,, الشاعر رجل مفرغ يسعى داخل قلقه، الى ان يبدع عالما لاكتشاف هويته الحق).
وكما ذكر المترجم فان لوكليزيو ظل منجذبا الى كل ما هو (هجين) وخلاسي ومهمل والى كل ما تعرض للتهميش والابادة في الثقافات والحضارات الانسانية وهذا الاهتمام قاده الى الدفاع عن الحضارة الهندو -أمريكية وعن الحضارة المكسيكية القديمة ويرى ان السمة المشتركة في روايات لوكليزيو وقصصه: هي انفتاحه التام على جميع الفضاءات والثقافات بعيدا عن النظرة المحلية المتقوقعة, انه سائح عبر العالم لا يعترف بالحدود والحواجز يلتقط ما يراه ويسمعه ويتذكر ما عاشه في طفولته ومراهقته ثم يلملم من كل ذلك الشرط الانساني المأساوي في ملامحه المتجددة من خلال علائق القسوة واللامبالاة وانسحاق الانسان تحت وطأة الاسمنت وفضاءات المدن المفترسة,, هكذا تنتفي الحدود المصطنعة بين الواقعي والمتخيل ويمتزج السردي بالوصفي والشعري بالنثري وتستعيد الطبيعة بعناصرها الاربعة وبتلاوينها، وظيفة تنظيم الايقاع وإضفاء الحياة على الاحاسيس المكتسبة خلال مسيرة المغامرة والاكتشاف.
يكتب لوكليزيو باستمرار ولا يستطيع ان يستبعد المجدي عن اللامجدي لان الكاتب في نظره له هذا الامتياز المتمثل في تسجيل كل شيء ليتمكن من ان يصنع منه احيانا نصاً يقف على قدمين.
|