قال صاحب الجرجاني - وما زال يحاورنا حول حجاب العادة لسعيد بن مصلح:
- إن البيت: وإنا لنجفو الضيف من غير عسرة
مخافة أن يضرى بنا فيعودُ
بيت إشكالي في بنيته النحوية والبلاغية، ومن ثَم وقع الخلاف فيه، وليس لأن هناك عقدة في مضمون البيت وما يدعو إليه من بخل.
ولأجل هذا جاء البيت في حماسة أبي تمام: 2/ ق862/ ص451, تحقيق/ د, عبدالله بن عبدالرحيم عسيلان, ط, جامعة الإمام: 1401 ه : إن يضرى,,, (بكسر همزة إن) بمعنى (ماالنافية), أي مخافة عدم ضرائه بنا, نحو قوله تعالى: إن الكافرون إلا في غرور ، وكذا تأتي إن بمعنى إذ , ضربَ قوله تعالى: فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله ، معناه: إذ كنتم , وهذا مدخل واسع فصّل فيه القول (ابن منظور: لسان العرب المحيط: أنن ), فما يدرينا ونحن نتعامل مع شعر شفاهي- أين كانت الهمزة على لسان الشاعر، أفوق الالف أم تحتها؟!, فلابد إذن أن تضيق كثيراً المشروعية العلمية لحكم ثقافي يستند على موقع همزة، كما كان لابد أن تضيق من قبل, (في نار كريمة ).
بناء على موقع حركة إعرابية!.
ولأجل هذا الإشكال كذلك جاء الرأي الآخر بتقدير الحذف بعد أن : أن لا يضرى بنا لكي يصح الاستئناف بعد ذلك في : يعود , كما تقدم القول, والحذف باب من أبواب البلاغة واسع وثمين في التعبير الأدبي.
ولا يخلو من مغازيه الحذف هاهنا.
وهو في مثل هذا الموضوع معروف في كلام العرب، وارد في كلام الله تعالى: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا .
أي أن لا تبروا,, أو قوله تعالى: يبين الله لكم أن تضلوا ، بمعنى أن لا تضلوا ، والأخير ما يشير إليه ابن مصلح في كلامه على آراء من قالوا بالحذف، لكنه يأبي إلا ان يخلص إلى انتقاء رأي المرزوقي، الأصبهاني- 421ه 1030م : بأن القول بالحذف في البيت محض تكلف؛ من حيث وافق رأيه هذا ماكان وجّه ابن مصلح زمام أطروحته إليه.
- الحذف كثير كثير في كلام العرب استطرد قَحم من لغويي الحملة ,, وحذف لا تحديداً مضلة لمن لا يعرفه، ألم يقل امرؤ القيس:
فقلت يمين الله أبرح قاعداً
ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
أي لا أبرح قاعداً , وقال أبو حنبل جارية بن مر، مجير الجراد :
لقد آليت أغدر في جذاعِ
ولو منّيت أمّات الرباعِ
أي لا أغدر ,.
- ,, أيضاً؟,,, ومن يدريك أنت لعله يريدأغدر ,, أم مرة آخرى تزعمون الحذف حفاظاً على اتساق الخطاب القيمي,, اعترضه أحد الواقفين ,.
- ماأطول نفسك يابني!,, وبعده:
لأن الغدر في الأقوام عار
وإن الحر يُجزأ بالكراع
- وشو يعني: يجزأ بالكراع؟!,, سأل كريم كرم الله ,.
- هذه سالفة طويلة عليك، المهم الحذف هنا,, أجابه ، وللبيت قصة في الشعر والشعراء لابن قتيبة ,.
- قلنا: ماسألناكم,, ولا ينقصنا استطرادكم,, تفضل ياصاحب الجرجاني,.
- ثم- وابن مصلح يتساءل في هذا السياق: كيف بالأصمعي لم يستشهد بالبيت الثاني عن إشلاء الكلب، ليحسم جدله مع ابن طاهر؟- لم يتسع له حجاب العادة ان يساوره شك في أن البيت إنما لفّق مصنوعاً فيما بعد تأييداً وانتصاراً للأصمعي، وسوابق هذا مشهورة!, فها هنا يقع الشك لا في ما توهمه فيه.
بل لم تترك له عادة الحجاب بصيصاً إلى التساؤل: كيف يعقل أن صاحب البيت لم يكن معروفاً من لدن أئمة رواة الشعر، الذين عنهم أتت مصادره ومنهم عرفنا عزوه إلى أصحابه، فلم يعرفه الأصمعي، ولم يعرفه أبو تمام، ولم يعرفه ابن قتيبة، ثم إذا به يكتشف في زمن متأخر، من التبريزي رواية عن المعري؟!,, لم يكن هذا لديه سؤالا مطروحا، وإلا لا ستدعى فيما استدعى- وحسب نظريته في اتهام القدماء بالعبث في التراث لأغراضهم الخاصة - التفكير في احتمال شعوبية عازي البيتين إلى حاتم طيء, والمعروف أن الشعوبية اشتعل أوارها بين الفرس والعرب منذ القرن الثاني الهجري, ولسان حال القائل: إن كان هناك من خَرّج ليُخرج البيت من دلالة البخل، فسيفرد صاعه صاعين: هاهو ذا بيت ثان أشنع، وها هو ذا شعار مثلكم الأعلى في الكرم أيها العربان: حاتم الطائي :، فانسوا إذن تشدقه إذ قال أو قوّلتموه ديوانه: 19
وإني لعبد الضيف، مادام ثاوياً وما فيّ إلا تلك من شيمة العبد |
بل قبل هذا وبعده أقام ابن مصلح جدلاً عريضاً- استغرق من كتابه فصلاً كاملاً - على هذا البيت، وكأن الرواة والشراح لم يجدوا غيره من كلام العرب يخالف قيمة الكرم مخالفة صريحة، فصدموا وكان ما كان!, مع أن البيت ليس بشاذ في باب البخل ليصدم به الخطاب، بل هناك مقطوعات وقصائد وقصص نثرية شتى تعبر عن موقف البخلاء، الذين كان منطقهم يقول: الوحدة خير من جليس السوء، وجليس السوء خير من أكيل السوء، لأن كل أكيل جليس وليس كل جليس أكيلا !، والذين نسب أعرابي إلى قوم منهم أنهم ألغوا من الصلاة الأذان، مخافة أن تسمعه الآذان، فيهلّ عليهم الضيفان !, ساقها الرواة جنباً إلى جنب مع شعر الكرم وقصصه، دون تدخّل الخطاب المزعوم بإسقاط أو توجيه، لكن صاحبنا ابن مصلح لم يعد إلا إلى صاحبه أبي تمام وشارح حماسته التبريزي, وإلا لو رجع إلى ابن قتيبة: عيون الأخبار مثلاً، لوجد في كتاب الطعام بيته الشاهد على المؤامرة مع عشرات الأبيات والقصص والمواقف التي تدل على ان أجدادنا كانوا أكثر منا بكثير سماحة وحرية تعبير وانفتاحا، ليس في مسألة الكرم والبخل وحدهما وإنما في قضايا أخرى كثيرة، فمن الظلم كل الظلم انتقاء بيت إشكالي وآخر مشكوك فيه، مجذوذين عن سياقهما، وكلاهما مجهول القائل، لنستند عليهما لإقامة اطروحة نضع فيها ثقافة العرب في قفص المحاكمة دون برهان، فنصمهم بأبشع صور القمعية وضيق الأفق.
من جملة مايرويهابن قتيبة شعرا ونثراً هذه الحكاية:
ضاف رجل من كلب أبا الرمكاء الكلبي، ومع الرجل فضلة من حِنطة فراحت مِعزى أبي الرمكاء، فحلب وشرب، ثم حلب وسقى ابنه، ثم حلب وسقى امرأته ثم حلب وسقى,,، فقال الرجل:
- ألا تسقون ضيفكم؟,.
- مافيها فضل!,,رد أبو الرمكاء ,.
فاستخرج الرجل ما في عِكمِه صُرته/ بقجته- تركية من طعام وقال:
- هل من رَحى؟,.
فأسرعوا بها نحوه، فطحن وعجن وأوقد خبزته وأخرجها فنفضها ، فإذا رسول أبي الرمكاء يقول:- يقول لك أبو الرمكاء: لا عهد لنا بالخبز,,و,.
- مافيها فضل,,!!,,ثم أكل وارتحل,, وأنشد في ذلك أبياتا ,,وإلى اللقاء بعد إجازة الصيف .
آداب جامعة الملك سعود- قسم اللغة العربية