كنت ممن اسعدهم الحظ بزيارة معرض الفنانة شادية عالم الذي اقيم مؤخرا في صالة روشان للفنون الجميلة بدعم وتنظيم من قبل المؤسسة المنصورية للثقافة والفن بجدة تحت عنوان إشارات
لعل الانطباع الاول الذي يساورك وانت تتجول في ارجاء المعرض هو ارتداد الى كل ما هو فطري وملتصق بجبلة الانسان كما تعكسها كوامن مشاعره واحاسيسه وعلاقته بالبيئة الكونية المحيطة ولكن تأملك في اشارات شادية المرسومة في لوحاتها وتكويناتها الفنية المعبرة تستطيع ان تقف على ثيمتين رئيستين في اعمالها هما: الماضي بكل ما يحمله من طقوس البدايات وذكريات الطفولة بتمثلها المكاني والزماني، وعالم المرأة الأم او الانثي الرمز التي هي في تعريفها اشتمال وتواصل مع الارض بما تحمل من طاقات الابداع والخصب وتموجات الرؤى والتعابير الرحبة المدى.
ان عوالم شادية تزاوج متآلف بين واقعية التراث وزخمه، وتجريد التشكلات بأبعادها الهندسية التي تطوعها لتشكيل الطبيعة كما تستشعرها هي: رؤية وحدسا وكما تختزنها ذاكرتها البصرية التي نتلمسها ملموسا محسوساً في اعمالها الفنية المتعددة التي احتواها المعرض.
هكذا تكتظ عوالم شادية برموز تتخلق في رحم ابداعها الذي يشكل مركز الخلق الانثوي ويجسد في خطوطه وزواياه تفاصيل دقيقة تجعلك تشعر انك امام ابداع فني متفرد، له دلالته ذات السمة الخاصة أو الخصوصية جدا هذه الخصوصية تنبع من علاقة الفنانة بالماضي بحيث تسلط عليه اللون والظلال بشكل حميمي لا انفصال فيه، فهي تشعرنا عبر سمات الوجوه وتعبيرية الحركات في شخوص لوحاتها ورموز الثياب وطقوس الزينة، بأن ذلك الماضي ماهو الا امتداد مستمر يتعالق في تداخل جميل مع ما نستشعره نحن في دواخلنا من وحشية الجمال وبدائية التموجات الكونية والنفسة بما تمثله من غياهب التوق للمجهول، المعروف.
وبمزيد من التأمل يري الرائي امامه وجوها ممهورة بغموض الحلم، وجوها لا تحددها تفاصيل الملامح والقسمات على الرغم من اتكائها على المخزون التراثي والبيئي الذي نلحظه جليا على نقوش الثياب والوانها وتشكلاتها.
هذه الوجوه تحمل في اطارها التجريبي بعدا آخر، وبوحاً مشوبا بالغموض يحرض المتلقي لسبر تلك العوالم والاشارات، ولاعمال المشاعر بحثا عن تلك الحالة الكشفية التي تنطلق منها الفنانة المبدعة بتلقائية الفنان الباحث ابدا عن الدهشة، المجترح فضاءات المغامرة فاذا بك امام فضاء ارحب تتفرس في آفاقه الحقيقة /الخيال والخيال/ الحقيقة.
في إلياذة الفن الشاديوي ان صح التعبير تأخدنا الفنانة الى عوالمها المكتنزة بفراديس اسرارها الجمالية الملتصقة بالطبيعة والارض فلا نملك الا ان نشدو ونتسامق معها باتجاه جبال الحجاز صعودا او نعانق في توليفة الوانهاوظلالها اودية عسير ووهادها ونلملم سنابل القمح من حقولها المتكونة مع بواكير الاحلام الاولى كما نعرّج على بساتينن الطائف وقراها كل ذلك بتوغل حميمي مع تشابهات تلك التفاصيل وأمداء ألوانها التي غلب عليها الطابع الارضي والكوني كالبني والبرتقالي والبنفسجي وتداخل الظلال والالوان الاخرى معها بدفء ثري, ومما يلفت النظر استلهام شادية للتراث حتى في تسمية لوحاتها (رواح،جمّار، إيلاف)الامر الذي يجعلك تستشعر البواعث الفنية ومدى تأصلها وعمقها في ذاكرة الفنانة الزاخرة بالحنين للبدايات وعشقها لمواسم الطفولة والاسئلة الاولى المرتبطة بالجذور ومراتع الصبا والايام البكر.
ولا اغفل اشارة اخرى تركت انطباعا محببا لدي تمثلت في اصطحاب الفنانة للزوار شخصيا في جولة في المعرض لإلقاء الضوء على مفرداته في تسلسلها وتكوينها المرحلي، بما يكفي لتحريض حس المتلقي لارتياد مجاهل اوسع واكثر رحابة للتأمل والمتعة.
هنيئا لك فنانتنا المبدعة بتأجيج شرارة الابداع والارتقاء بها في تعبير جمالي يحمل بصمتك المتميزة بثراء الروح ومغامرتها الكشفية بحثا عن مجاهل العلاقات بين الانسان والارض .
وهنيئا لنا وللوطن بفنانة قديرة تنطلق بأسلوب فريد يجمع بين التراث والمعاصرة ويمتشق صهوة الفضاء الابداعي الرحب تحدوه الرغبة الحقة في الكشف والبوح اللذين هما مفتاح الفن والابداع
بديعة داود كشغري