حين غنت الزرقاء,. قراءة نقدية في ديوان: أين اتجاه الشجر؟ للشاعرة ثريا العريض 6-7 د, محمد محمود رحومه |
وقد يتخاذل النداء وتقترب صورته من التماهي والانتهاء، تقول الشاعرة
صوتي يغيض,.
وما من صدى
في انكسار الزوايا
طالت ظلال المساء (ص 98)
هذا الصوت الذي يغيض وينتهي دوره لا يمكن ان يقوم بمهمة النداء الجليلة، النداء دعوة الى الجهاد الى الاكتمال، وكيف يقوم بالدعوة متخاذل صوته لا يكاد يخرج من اعماقه, وقد تكون للاصوات اطلال وعنئذ لا تعمل ايضا ولا تستطيع ان تبلغ رسالة او تنشر نداء الحق (تلك اطلال صوتنا تمتشق) (ص 105) ولكن للصوت القادر على النداء قدراته ومتطلباته وشروطه ومراحله والشاعرة تقدم كل ذلك في الصور التي حللّنا بعضها.
* الصوت الأجوف:
الصوت الاجوف هو الصوت الذي لا يصل، هو النداء الضائع، تقول الشاعرة:
هنا في المتاهات حيث وقفتِ
وقفت انادي
ابناء امي شتات يبعثرهم كل واد
فأين بلادي؟ (ص 31)
هي تنادي السراب ولا احد يسمع، ولذلك تسأل الشاعرة: أين بلادي؟ هنا الصوت مجرد مساحة تذروها الرياح وتضيع في الهواء، ومع هذا تصر الشاعرة:
باسمكِ ناديت,, هل تعذريني,؟
حروف من النار فوق جبيني
وصوتك يشرخ صدري ,,يمزق حلقي
دعيني انادي به ,,اعتقيني!
أنادي,, وقومك لا تستفيق
وارثك هم محيط محيق
لا احتويه ولا يحتويني ,اصيح باسمك
,, يا ليتهم سمعوني ( 31 - 32)
في هذا المقطع يصبح مجرد تعبير عن اليأس والأسى، فالقوم غافون لا يزالون يستغرقون في نومهم والصوت - النداء - لا يصل اليهم، ولا يحدث اي نوع من التوحد (لا احتويه ولا يحتويني) ومع هذا تصر الشاعرة على الصراخ والصياح باسم الوطن ولكن لا احد يسمع (يا ليتهم سمعوني)!!
تنادي الشاعرة باسم الزرقاء ولكن الموقف يختلف!! امام الشاعرة تجربتان لا تجربة واحدة,.
امامها الموقف القديم للزرقاء وفشلها مع قومها، ثم الموقف الحالي للشاعرة مع الواقع الآن.
وتحمل الشاعرة وزر فشلين تنوء بهما لذا كان صوتها صراخا (حروف من النار - صوتك يشرخ صدري - يمزق حلقي) - ورغم ذلك تطلب وتلح في استعارة صوت الزرقاء,, ففي النداء انعتاقها حتى لو كان النداء مخادعا أنادي,, وقومك لا تستفيق إذن ما فائدة النداء,, انه مجرد صرخة تعبر عنها الشاعرة بقولها,, اصيح باسمك,, ان مجرد ارتفاع صوتها باسم الوطن ومستعيرة تجربة الزرقاء قد يكفل لها في المستقبل آذانا تسمع وقلوبا تعي,.
وتضع الشاعرة يديها على الداء في موضع آخر من هذه القصيدة حين تقول:
وها أنا باكية وبنك
يبيحون آذانهم للرياح
ولا يسمعون النشيج
تبرعم اشواكهم في البطاح
وتزهر اذ ترتوي بالضجيج (33)
لعلنا نلاحظ ان الصوت - النداء عبرت عنه الشاعرة بكلمة (باكية) والقوم لا يسمعون، والصوت - مرة اخرى - صار نشيجا ولكنهم لا يأبهون، إذ انتزعت من قلوبهم الرحمة والرأفة ونبتت مكانها الأشواك، وهذه الاشواك ترتوي من ضجيجهم، وهذا هو بيت الداء,, إن كلا منا يتكلم، لم تعد الاصوات تتمايز الكل ينادي بشكل عبثي واختلطت الاصوات ولم يعد احد يسمع احدا اعجبتنا اصواتنا فانطلق كل منا يجرب حنجرته، يرفع عقيرته وكأنني في محفل للخرس,, الصورة هنا ناطقة جسدت فيها الشاعرة ثلاث صور جزئية: الاول يبيحون اذانهم للرياح، وكأن الرياح تستولي على اذانهم فلا يسمعون الا صريرا حادا ولا احد يسمع شيئا او يتبين معالم واضحة,, انها مجرد اصوات جوفاء,, الثانية,, تبرعم اشواكه في البطاح، هذه القسوة والغلظة تجسدها الشاعرة في صور نبات شوكي صحراوي ينبت ويغطي المكان حتى لا يترك مساحة خالية من الشوك - الاذى - يستطيع اي صوت مخلص ان يؤثر فيها او يسمعه احد,, والصورة الثالثة ان هذه الاشواك تزهر وتنمو اكثر لانها ترتوي بالضجيج صورة اخرى للاشواط التي تنمو بالضجيج، بالاصوات الجوفاء,!! ومن انسجام وتكامل هذه الصور الثلاث تكون الصورة الكلية الصامتة الا من اصوات الشوك والنواح والنشيج الذي يشي بالالم في الوقت الذي لا تكون فيه هناك اي بادرة لاستجابة ما لهذه التي تنادي بصوت مبحوح ومشروخ.
ونلتقي في صورة اخرى بالصوت الأجوف، تدعوه الشاعرة بصرير النواجذ، تقول:
ما تبقى بنا سوى هاجس لصرير النواجذ
وجعا تتوغل في الحلق شوكته الناشبة
وترتد سيرتنا في الحلوق
تعبث بنا احرف غاصبة (57)
الصوت المبحوح في الصورة الشعرية السابقة يصبح صدى لصرير النواجذ في هذ ه الصورة مجرد اصوات وليدة الوجع، لا تزيد هذه الصورة الصوتية عن قولنا آه,, ونسترجع الآهة مرة اخرى نمضغها ونلوكها في حلوقنا لنعيد لها كينونتها ولكن الآه - حتى الآ - تخرج مشوهة، والحروف تعبث بنا,, انه صوت هلامي لا يقول شيئا ولا تنتج عنه اي بادرة امل.
وهناك صوت اخر تحتار الشاعرة في كنهه او كينونته، هو صوت لا يعني شيئا، تقول عنه الشاعرة:
تخاتلنا طرقات الرياح
ويفتقد الصوت لهفته
فلا هو همس يهدهد ما يعترينا
من انبعاثات حب عنيد
ولا هو وهم سعيد
ولا هو منعتق في الصياح (74).
حين يفقد الصوت لهفته فإنه يتخلى عن ميلاده، ويصبح قرقعة في الهواء، فلا هو يريحنا كهمس هادئ يدغدغ اعصابنا المكدودة ويبشرنا ببصيص امل، وكذلك لا يغرينا بوهم السعادة، حتى وهم السعادة، كانت الشاعرة تتمنى للصوت ان يحمل الينا وهما بالسعادة فينحدر حواسنا قليلا ويخفف من ضغط الحياة على كواهلنا المتعبة,, لكنه صوت مشروخ اجوف لا يعني شيئا تكرر الشاعرة (لا هو ,,) وكأنها تنفي عن الصوت كل الصفات الممكنة، هل تريد هنا ان تصادر تصوراتنا عن مثل هذا الصوت الذي جسدته في قصيدتها ودللت به على عدم جدواه؟!
وهناك ايضا الصوت المستباح، تقول الشاعرة:
خطوة خطوة نقتفي اغنيات الخيال
كيف يهجرنا صوتنا ,, مستباح المجال؟
الديار مدى,.
والتضاريس ذاكرة باقية,, (ص 105)
نبحث هنا عن الأمل الزائف ولكننا لا نعثر على صوتنا، لقد استباحه الغيب والافق فضاع هناك بين الأطلال ولا احد يستطيع ان يستعيده,, أي صوت هذا الذي تحاول الشاعرة انقاذه، ولا يستجيب لمحاولاتها؟ انه صوت الماضي المشروخ بتكراره الممل وبطولاته الزائفة ان الصوت الذي يستعيد الماضي يكون قد حكم على نفسه بالموت لانه صوت يسقط في القاع ولا جدوى منه ، تقول الشاعرة:
(لغة تتساقط في غلس النوم
اذ تتباطأ مرتدة في الشخير
تقتات ما انجبت,.
تكرر بين الشهيق وبين الزفير,,) ص 115
صوت يحملك على النوم، ويذكرك بالشخير ويقتل فيك نشوة الحياة,, هو مجرد حروف تتكرر بين الشهيق والزفير، تملك الشاعرة هنا حسا ساخرا إذ تصورت ان مثل هذا الصوت المشروخ الذي يعود الى الماضي ويغلق ابواب المستقبل كأنه يشدنا الى الماضي شدا، قاتلا فينا الطموح داعيا الى التواكل والنوم,, ويصبح مجرد حركة راقصة بين الشهيق والزفير، لا تقول شيئا جديدا,, هذه اللغة او تلك الاصوات:
1- تتساقط في غلس النوم ولننظر الى التعبير الجميل,, تتساقط استهانة بهذه الاصوات واحتقار لأثرها وامتهان لحركتها 2- تتباطأ مرتدة في الشخير، صورة هزلية رائعة لصوت يتراقص على نغمات الشخير، ويصبح الشخير معلما من معالم تكوينه 3- صوت يقتات ما انجبت يقتل طموح الانسان ويأكل ما بقي فيه من رغبة في الحياة,.
هذه عينة من الاصوات الجوفاء التي وظفتها الشاعرة في قصيدتها.
|
|
|